يشكّل التحول إلى النظام الفيدرالي في
الصومال إحدى أهم المحطات في مسار إعادة بناء الدولة بعد انهيارها مطلع تسعينيات
القرن الماضي. وهذا التحول جاء نتيجة مسار طويل من التفكك المؤسسي، والصراع
الأهلي، وظهور كيانات محلية تولّت إدارة شؤونها خارج إطار الدولة المركزية.
وفي ظل هذا الواقع، بدا تبنّي الفدرالية
محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الاعتراف بالتعدد،
وتوزيع السلطة بما يمنع عودة الاستبداد أو الاحتكار السياسي. غير أنّ التجربة
الفيدرالية، رغم ما حملته من آمال، أفرزت إشكالات بنيوية تتعلق بتحديد الصلاحيات،
وتقاسم الموارد، وبناء مؤسسات اتحادية قادرة على إدارة التنوع. ومن هنا برز السؤال
الجوهري: هل تمثل الفدرالية إطارًا لاستقرار طويل الأمد، أم أنها قد تتحول، إذا لم
تُستكمل شروطها المؤسسية، إلى مدخل لتعميق الانقسام وإضعاف الدولة؟
-
ـ الفدرالية بوصفها تسوية سياسية مرحلية لا
نهائية
جاءت الفدرالية في السياق الصومالي
باعتبارها تسوية سياسية بين مراكز قوة متباينة، أكثر منها نتاج رؤية دستورية
متكاملة. فبعد سنوات من غياب الدولة المركزية، نشأت إدارات محلية في عدد من
الأقاليم، بعضها تمكّن من تحقيق درجة من الاستقرار النسبي مقارنة ببقية البلاد.
وعندما انطلقت مسارات إعادة بناء الدولة، لم يكن ممكنًا تجاهل هذه الوقائع، بل كان
لا بد من إدماجها في صيغة قانونية تعترف بوجودها وتمنحها شرعية ضمن إطار وطني جامع.
يقف الصومال اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، تتحدد عنده ملامح دولته في العقود القادمة. فالفدرالية التي قُدمت بوصفها مخرجًا من إرث الانهيار، ما تزال تبحث عن توازنها بين وحدة الدولة وتعدد مكوناتها. إن نجاح هذا النموذج يتطلب إصلاحات دستورية ومؤسسية تعيد تعريف الصلاحيات بوضوح، وتؤسس لآليات فعالة لحل النزاعات، وتبني نظامًا ماليًا عادلًا وشفافًا. كما يتطلب ترسيخ ثقافة سياسية تؤمن بأن التوافق ليس ضعفًا، بل شرطًا للاستقرار في مجتمع متنوع.
غير أن هذه الصيغة لم تُحسم تفاصيلها بصورة
نهائية. فقد بقيت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء محكومة بنصوص
عامة قابلة للتأويل، لا سيما فيما يتعلق بتوزيع الاختصاصات في مجالات الأمن،
والانتخابات، والعلاقات الخارجية. وفي غياب محكمة دستورية فاعلة قادرة على الفصل
في النزاعات، تحوّلت كثير من الخلافات السياسية إلى أزمات دستورية متكررة، تُدار
غالبًا عبر التسويات المؤقتة لا عبر قواعد مؤسسية مستقرة. وقد أشار المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن التجربة الفيدرالية في الصومال "ما تزال في طور
التشكّل، وأن غياب آليات مؤسسية واضحة لحل النزاعات بين المركز والولايات يُضعف
قدرتها على التحول إلى نموذج مستقر للحكم" (المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 2021).
وبالتالي، فإن هذا الوضع يجعل الفدرالية
أقرب إلى عملية تفاوض مستمرة، لا إلى نظام مكتمل الأركان. فهي تحتاج إلى تطوير
دائم في بنيتها القانونية، وإلى ترسيخ ثقافة سياسية تؤمن بالتوافق والتسوية بدل
منطق الغلبة. ومن دون هذا التطوير، قد تبقى الفدرالية إطارًا هشًا، يتأثر بكل
تغيير في موازين القوى السياسية.
ـ الاقتصاد السياسي للفدرالية..
لا يمكن فصل مستقبل الفدرالية عن مسألة
الموارد، إذ يشكّل الاقتصاد السياسي أحد أهم محددات العلاقة بين المركز والولايات.
فالصومال، بوصفه دولة خرجت حديثًا من مرحلة طويلة من الانهيار، يعتمد بدرجة كبيرة
على المساعدات الخارجية والتحويلات المالية من المغتربين، فيما تبقى الإيرادات
المحلية محدودة ومتركزة في قطاعات بعينها، مثل الموانئ والرسوم الجمركية.
في هذا السياق، تبرز مسألة من يملك حق إدارة
الموارد وتحصيلها وتوزيعها باعتبارها مسألة سيادية بامتياز. وإذ ترى بعض الولايات
أن امتلاكها موارد محلية يمنحها حقًا في إدارتها بصورة شبه مستقلة، بينما تسعى
الحكومة الفيدرالية إلى توحيد النظام المالي بما يعزز قدرتها على تمويل مؤسسات
الدولة الاتحادية. ويؤدي غياب نظام مالي اتحادي واضح، يحدد بدقة آليات التحصيل
والتوزيع والمساءلة، إلى تفاقم الشكوك المتبادلة وإعادة إنتاج خطاب الاتهام بين
الطرفين.
لا تُقرأ الانقسامات بين المركز والولايات باعتبارها شأنًا داخليًا خالصًا، بل بوصفها عوامل تؤثر في موازين النفوذ الإقليمي. إذ يمكن لأي هشاشة داخلية أن تفتح المجال أمام أطراف خارجية لبناء علاقات مباشرة مع بعض الأقاليم، بما ينعكس على وحدة القرار الوطني.
كما أن ضعف الشفافية في إدارة العائدات،
وغياب خطط تنموية متوازنة بين الأقاليم، يعمّقان الشعور بعدم العدالة، ما يمنح بعض
الخطابات الانفصالية أرضية اجتماعية. فحين لا يشعر المواطن بأن الفدرالية تُحسن من
واقعه المعيشي، أو تضمن له نصيبًا عادلًا من الموارد، تصبح الصيغة الدستورية نفسها
موضع تشكيك. ومن هنا، فإن إصلاح النظام المالي الاتحادي لا يُعدّ مسألة إدارية
فحسب، بل شرطًا سياسيًا لاستدامة الدولة، ولتحويل الفدرالية إلى أداة توزيع عادل
للسلطة والثروة، لا إلى ساحة تنازع حولهما.
ـ الفدرالية تحت ضغط الإقليم وتوازن الداخل
والخارج..
يتحرك الصومال ضمن بيئة إقليمية شديدة
التعقيد، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية حول الممرات البحرية الحيوية في
البحر الأحمر والمحيط الهندي. وفي هذا السياق، لا تُقرأ الانقسامات بين المركز
والولايات باعتبارها شأنًا داخليًا خالصًا، بل بوصفها عوامل تؤثر في موازين النفوذ
الإقليمي. إذ يمكن لأي هشاشة داخلية أن تفتح المجال أمام أطراف خارجية لبناء
علاقات مباشرة مع بعض الأقاليم، بما ينعكس على وحدة القرار الوطني.
وإن ضعف التنسيق بين مستويات الحكم قد يحدّ
من قدرة الدولة على التفاوض بصورة متماسكة بشأن اتفاقيات اقتصادية أو أمنية، ويجعل
بعض الأقاليم أكثر قابلية لتبنّي أولويات تختلف عن الرؤية الاتحادية. وفي ظل تصاعد
التنافس في القرن الإفريقي، يصبح الاستقرار الداخلي عاملًا حاسمًا في حماية
السيادة ومنع تدويل الخلافات المحلية. وعليه، فإن ترسيخ الفدرالية لا يرتبط فقط
بإدارة التنوع الداخلي، بل بقدرة الدولة على تقديم نفسها كشريك موحّد في الإقليم.
فالدولة التي تعاني انقسامات مزمنة تكون أكثر عرضة للضغوط، وأقل قدرة على صياغة سياسات
خارجية مستقلة. ومن هنا، تتداخل مسألة الفدرالية مع مسألة الأمن القومي، لتصبح
جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بموقع الصومال في محيطه الإقليمي.
وهكذا، يقف الصومال اليوم أمام مفترق طرق
حقيقي، تتحدد عنده ملامح دولته في العقود القادمة. فالفدرالية التي قُدمت بوصفها
مخرجًا من إرث الانهيار، ما تزال تبحث عن توازنها بين وحدة الدولة وتعدد مكوناتها.
إن نجاح هذا النموذج يتطلب إصلاحات دستورية ومؤسسية تعيد تعريف الصلاحيات بوضوح،
وتؤسس لآليات فعالة لحل النزاعات، وتبني نظامًا ماليًا عادلًا وشفافًا. كما يتطلب
ترسيخ ثقافة سياسية تؤمن بأن التوافق ليس ضعفًا، بل شرطًا للاستقرار في مجتمع
متنوع.
وفي حال استطاعت النخب الصومالية تحويل
الفدرالية إلى عقد سياسي راسخ، يقوم على الثقة المتبادلة وتوزيع عادل للسلطة
والثروة، فقد تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق نحو دولة مستقرة وقادرة. أما إذا
استمرت الخلافات دون معالجة هيكلية، فقد يصبح الانقسام مسارًا تدريجيًا يُضعف
المركز ويقوّض السيادة. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الدولة الصومالية، ليس
فقط بوصفها كيانًا سياسيًا، بل بوصفها تجربة لإعادة بناء الدولة في سياق ما بعد
الصراع.
المرجع:
ـ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
(٢٠٢١). الفدرالية في الصومال: أصولها وتحدياتها وآفاقها. الدوحة: المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات.