لم يكن تصدّر اليمين المتطرف لنتائج
انتخابات المجالس المحلية في
بريطانيا مجرد حادث انتخابي عابر، ولا موجة احتجاج
مؤقتة سرعان ما تنكسر على صخرة الواقع. ما جرى يحمل في طياته رسالة أعمق بكثير من
مجرد تبدّل في المزاج السياسي؛ إنه انعكاس لتحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية
تراكمت بصمت، حتى انفجرت في وجه الطبقة السياسية التقليدية التي ظنت طويلًا أن
الناخب البريطاني سيبقى أسير الثنائية القديمة بين المحافظين والعمال.
لقد نجح اليمين الشعبوي في تحويل الهجرة، والإسلام، واللاجئين، وحتى التعددية الثقافية، إلى كبش فداء لأزمات مركّبة صنعتها السياسات الاقتصادية الفاشلة والنخب السياسية المنعزلة عن الناس. فعوض أن يُسأل السياسيون عن تراجع النظام الصحي، أو أزمة السكن، أو تآكل الطبقة الوسطى، جرى توجيه الأنظار نحو المهاجر الذي وصل بقارب مطاطي، أو نحو المرأة المسلمة بحجابها، وكأنها المسؤولة عن اختلالات الإمبراطورية السابقة.
بريطانيا التي عُرفت لعقود بأنها واحدة من
أكثر الديمقراطيات الغربية استقرارًا، تبدو اليوم وكأنها تعيد اكتشاف نفسها في
مرآة القلق الشعبي. المواطن البريطاني العادي، الذي أرهقته فواتير الطاقة، وتكاليف
المعيشة، وانهيار الخدمات العامة، لم يعد يصوّت بدافع القناعة الفكرية بقدر ما
يصوّت بدافع الغضب. وهذه هي اللحظة التاريخية التي يجيد اليمين المتطرف اقتناصها
دائمًا؛ لحظة الخوف الجماعي، حين يصبح البحث عن “عدو” أسهل من البحث عن حلول.
لقد نجح اليمين الشعبوي في تحويل الهجرة،
والإسلام، واللاجئين، وحتى التعددية الثقافية، إلى كبش فداء لأزمات مركّبة صنعتها
السياسات الاقتصادية الفاشلة والنخب السياسية المنعزلة عن الناس. فعوض أن يُسأل
السياسيون عن تراجع النظام الصحي، أو أزمة السكن، أو تآكل الطبقة الوسطى، جرى
توجيه الأنظار نحو المهاجر الذي وصل بقارب مطاطي، أو نحو المرأة المسلمة بحجابها،
وكأنها المسؤولة عن اختلالات الإمبراطورية السابقة.
لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن صعود اليمين
لم يكن نتيجة قوة خطابه فقط، بل نتيجة فراغ أخلاقي وسياسي لدى خصومه أيضًا.
فالأحزاب التقليدية، بما فيها حزب العمال، انزلقت أحيانًا إلى تبني خطاب متشدد
تجاه الهجرة خوفًا من خسارة الأصوات، فبدت كأنها تمنح اليمين شرعية مجانية. وعندما
تتشابه اللغة بين “الأصل” و”النسخة”، يختار الناخب غالبًا النسخة الأكثر صراحة
وتطرفًا.
ثم جاءت الحرب على غزة لتكشف هشاشة الخطاب
الغربي حول حقوق الإنسان. ملايين البريطانيين، خصوصًا من الشباب، شاهدوا التناقض
الأخلاقي الفاضح بين الحديث عن القانون الدولي وبين الصمت أمام المجازر. وفي
المقابل، استغل اليمين المتطرف حالة الاستقطاب هذه ليعيد إنتاج خطاب قديم يعتبر
المسلمين “جسمًا غريبًا” داخل المجتمع البريطاني، ويقدّم التضامن مع فلسطين بوصفه
تهديدًا للهوية الوطنية.
ومع ذلك، فإن اختزال نتائج الانتخابات في
“كراهية المسلمين” فقط سيكون قراءة ناقصة. فهناك غضب اجتماعي حقيقي يتجاوز مسألة
الهجرة والدين. البريطاني الذي كان يطمئن إلى مستقبله الاقتصادي لم يعد يشعر
بالأمان. المدن الصغيرة والبلدات المنسية، التي خرجت منها أعلى نسب التصويت
لليمين، تعيش شعورًا عميقًا بالتهميش، وترى أن لندن السياسية والإعلامية لا تسمع
صوتها إلا وقت الانتخابات.
لكن السؤال الأكثر حساسية اليوم: هل على
مسلمي بريطانيا أن يخافوا؟
الجواب يحتاج قدرًا من الهدوء بعيدًا عن
التهويل أو التطمين الساذج. نعم، هناك ما يدعو إلى القلق. فتصاعد الخطاب المعادي
للمهاجرين يخلق بيئة اجتماعية أكثر عدائية، وقد يمنح الجماعات العنصرية جرأة أكبر
على التعبير عن كراهيتها. كما أن أي تقدم انتخابي لليمين المتطرف يعني ضغطًا
متزايدًا على السياسات المتعلقة بالهجرة واللجوء والاندماج والحريات الدينية.
إن اختزال نتائج الانتخابات في “كراهية المسلمين” فقط سيكون قراءة ناقصة. فهناك غضب اجتماعي حقيقي يتجاوز مسألة الهجرة والدين. البريطاني الذي كان يطمئن إلى مستقبله الاقتصادي لم يعد يشعر بالأمان. المدن الصغيرة والبلدات المنسية، التي خرجت منها أعلى نسب التصويت لليمين، تعيش شعورًا عميقًا بالتهميش، وترى أن لندن السياسية والإعلامية لا تسمع صوتها إلا وقت الانتخابات.
لكن في المقابل، فإن مسلمي بريطانيا اليوم
ليسوا جالية هامشية أو طارئة كما كان الحال قبل عقود. إنهم جزء أصيل من النسيج
البريطاني: أطباء، وأساتذة جامعات، ونواب، ورجال أعمال، وصحفيون، ورياضيون،
وفاعلون في الاقتصاد والثقافة والسياسة. وقد أثبتت السنوات الماضية أن المسلمين
باتوا يمتلكون قدرة متزايدة على التأثير الديمقراطي والتنظيم المجتمعي والدفاع
القانوني والإعلامي عن حقوقهم.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في صعود اليمين،
بل في الطريقة التي قد يتعامل بها المسلمون مع هذا الصعود. الانغلاق والخوف
والانسحاب من المجال العام سيكون هدية مجانية للمتطرفين. أما الانخراط الإيجابي،
وبناء التحالفات، والمشاركة السياسية، وتقديم نموذج أخلاقي متماسك، فهو الطريق
الأذكى لمواجهة موجة الكراهية.
لقد مرت بريطانيا بمحطات أكثر قسوة من هذه،
ونجحت في النهاية في إعادة التوازن إلى مجتمعها. لكن ذلك لم يحدث تلقائيًا، بل
بفضل نضال القوى المدنية والديمقراطية، وإيمان الناس بأن التنوع ليس تهديدًا بل
مصدر قوة.
إن اليمين المتطرف يتغذى دائمًا على الخوف،
لكن المجتمعات لا تُبنى بالخوف، بل بالعدالة. وحين يشعر المواطن، أيًّا كان دينه
أو أصله، أن الدولة تنصفه وتحفظ كرامته، فإن تجار الكراهية يفقدون سوقهم سريعًا.
وربما هذه هي الرسالة الأهم في كل ما يحدث
اليوم: ليس السؤال فقط لماذا صعد اليمين المتطرف، بل لماذا تراجعت الثقة في
السياسة إلى الحد الذي جعل الناس يبحثون عن الخلاص في أصوات الغضب؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.