سقوط فيكتور أوربان: خسارة حليف لإسرائيل.. واختبار متجدد لأوروبا

ماهر حسن شاويش
"الرجل الذي قُدِّم لسنوات بوصفه "الاستثناء المزعج" داخل الاتحاد الأوروبي، لم يكن في الحقيقة استثناء كاملا"- الأناضول
"الرجل الذي قُدِّم لسنوات بوصفه "الاستثناء المزعج" داخل الاتحاد الأوروبي، لم يكن في الحقيقة استثناء كاملا"- الأناضول
شارك الخبر
لم يكن سقوط فيكتور أوربان مجرد لحظة انتخابية عابرة في دولةٍ تقع على هامش الخريطة الأوروبية، بل لحظة كاشفة لعمق التناقضات التي لطالما سكنت قلب القارة، رغم كل ما يُرفع من شعارات حول القيم والديمقراطية.

فالرجل الذي قُدِّم لسنوات بوصفه "الاستثناء المزعج" داخل الاتحاد الأوروبي، لم يكن في الحقيقة استثناء كاملا، بقدر ما كان تعبيرا صريحا عن مساحات واسعة من التوتر داخل النموذج الأوروبي نفسه: بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، بين الخطاب الأخلاقي والاعتبارات السياسية.

في بلد أوروبي مثل هولندا، حيث أعيش، يبدو الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان جزءا من الحياة اليومية، يكاد يلامس التفاصيل الصغيرة، لكن في الوقت ذاته، ظلت أوروبا تتعايش لسنوات طويلة مع نموذج سياسي كأوربان، يعيد تعريف هذه القيم على مقاس السلطة، دون أن يُقصى فعليا من المنظومة.

قد يبدو سقوط أوربان خبرا مريحا للفلسطينيين، وربما كذلك بالنسبة لأوكرانيا في ظل قيادة فولوديمير زيلينسكي، لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيدا

ربما لهذا، لا تبدو خسارته اليوم انتصارا كاملا بقدر ما تبدو سؤالا متأخرا: كيف استطاعت أوروبا أن تحتمل هذا النموذج طيلة ستة عشر عاما؟ ولماذا تسقط هذه النماذج فقط عندما تصبح كلفتها السياسية على مستوى الداخل أعلى من قدرتها على الاحتمال؟

ماذا يمثل نموذج أوربان في أوروبا؟

على مدى سنوات حكمه، لم يكن أوربان مجرد زعيم يميني متشدد، بل حالة سياسية متكاملة: مزيج من الشعبوية، والخطاب القومي، والتشكيك بالمؤسسات، مع قدرة لافتة على البقاء داخل النظام الأوروبي دون الخروج عنه.

سياساته تجاه الهجرة، وخطابه المناهض لما يسميه "الليبرالية الغربية"، جعلت منه نموذجا ملهما لتيارات يمينية صاعدة في أوروبا، من بينها خطاب خيرت فيلدرز في هولندا، الذي لم يُخفِ خيبة أمله، واعتبر خسارته يوما حزينا لتيارٍ يرى في أوربان نموذجا يُحتذى.

في المقابل، جاء رد الفعل الأوروبي الرسمي معبّرا عن ارتياح واضح. فقد أشارت أورسولا فون دير لاين إلى أن "قلب أوروبا ينبض بقوة أكبر في المجر هذه الليلة"، بينما ذهب بيدرو سانشيز إلى اعتبار أن "أوروبا وقيمها انتصرت اليوم".

لكن هذا الاحتفاء يفتح بدوره سؤالا لا يمكن تجاهله: إذا كانت هذه القيم منتصرة اليوم، فأين كانت طوال السنوات الماضية؟

شبكة الحلفاء.. واهتزازها

لم يكن أوربان لاعبا محليا فقط، بل كان جزءا من شبكة علاقات سياسية عابرة للحدود؛ تقاربه مع دونالد ترامب، وعلاقته الخاصة مع فلاديمير بوتين، وضعاه في موقع فريد داخل أوروبا: زعيم من داخل الاتحاد، لكنه على تماس دائم مع قوى تسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي.

وفي هذا السياق، برزت علاقته الوثيقة مع بنيامين نتنياهو، حيث لعبت بودابست دورا محوريا في تعطيل أي إجماع أوروبي يمكن أن يضغط على إسرائيل، سواء في ما يتعلق بغزة، أو بالاستيطان، أو بالمواقف من المحكمة الجنائية الدولية.

من هنا، لا يمكن قراءة خسارته بوصفها مجرد خسارة شخصية، بل كاهتزاز جزئي في شبكة تحالفات كانت تمنح بعض الأطراف نفوذا داخل أوروبا.

ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟

قد يبدو سقوط أوربان خبرا مريحا للفلسطينيين، وربما كذلك بالنسبة لأوكرانيا في ظل قيادة فولوديمير زيلينسكي، لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيدا. فالاحتفاء الأوروبي الرسمي يقدّم النتيجة بوصفها انتصارا للقيم، لكن التجربة الفلسطينية مع هذه "القيم" تجعل من الصعب التعامل مع هذا الخطاب دون قدر من الواقعية والحذر.

بتعبير آخر: قد يفتح سقوط أوربان نافذة.. لكنه لا يضمن تغيير المشهد بكليته. وهنا أوروبا ستكون في لحظة اختبار متجددة فالسياسة لا تُقاس بلحظة سقوط، بل بما يتبعها. وأوروبا، التي أعلنت انتصار قيمها، مطالَبة اليوم بأن تُثبت ذلك خارج حدود الخطاب، وأن تُظهر أن هذه القيم ليست قابلة للتعطيل حين تتعارض مع المصالح، ولا للاستخدام الانتقائي حين يتعلق الأمر بحلفاء مثل إسرائيل.

بالنسبة للفلسطينيين، قد يبدو المشهد مريحا في ظاهره، لكن التجربة تقول إن تغيّر الوجوه لا يعني بالضرورة تغيّر السياسات.

ما بعد السقوط: من المتابعة إلى الفعل

لكن ما يكتسب أهمية حقيقية في هذه اللحظة، لا يتعلق فقط بقراءة سقوط أوربان، بل بكيفية التعامل مع ما يفتحه من هامش جديد ولو كان محدودا. فإذا كان هذا السقوط قد أزال عائقا سياسيا واضحا داخل أوروبا، فإنه في المقابل يطرح مسؤولية على الفلسطينيين ومناصريهم تتجاوز موقع المتفرج أو المراهنة على التحولات من تلقاء نفسها. فالفراغ الذي يخلّفه تراجع هذا النموذج لا يُملأ تلقائيا باتجاه أكثر عدلا، بل يتشكل وفق توازنات جديدة يمكن التأثير فيها.

يبقى السؤال مفتوحا: هل تمثل هذه اللحظة بداية مراجعة حقيقية داخل أوروبا؟ أم مجرد إعادة تموضع داخل نفس الإطار القائم؟

من هنا، يصبح العمل داخل المجتمعات الأوروبية ضرورة لا خيارا: عبر الانخراط مع المجتمع المدني، والإعلام، والجامعات، والفاعلين السياسيين، لإعادة طرح القضية الفلسطينية ليس فقط كملف خارجي، بل كقضية ترتبط مباشرة بالقيم التي تعلنها أوروبا عن نفسها. فالتجربة أثبتت أن المواقف لا تُحسم فقط في القمم السياسية، بل تتشكل أيضا من الأسفل، حيث يتقاطع الضغط الشعبي مع النقاش العام.

بكلمات أخرى، قد يكون سقوط أوربان قد أزال عقبة، لكنه لا يحدد الاتجاه القادم. وهنا يصبح السؤال ليس فقط: ماذا ستفعل أوروبا؟ بل أيضا: ماذا يمكن أن نفعل نحن داخلها لنكون جزءا من هذا التحول؟

خاتمة

ورغم كل ما سبق، لا ينبغي قراءة هذا التحليل بوصفه حكما نهائيا أو تعبيرا عن تشاؤم مطلق، بقدر ما هو محاولة لفهم أعمق لتعقيدات المشهد الأوروبي من الداخل. فسقوط أوربان يظل حدثا سياسيا مهما، وقد يفتح بالفعل نوافذ لإعادة نقاش جدي حول القيم التي يعلنها الاتحاد الأوروبي. غير أن التجربة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تدفع إلى قدر من الحذر في تحويل هذا الحدث إلى نقطة تحول كبرى قبل أن يترجم إلى سياسات ملموسة.

وعليه، يبقى السؤال مفتوحا: هل تمثل هذه اللحظة بداية مراجعة حقيقية داخل أوروبا؟ أم مجرد إعادة تموضع داخل نفس الإطار القائم؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)