ليس
اكتشاف مقبرة جماعية جديدة هو ما يُعيد الألم إلى الواجهة، فالألم لم يغادر أصلا،
بل ما يفعله هذا الاكتشاف هو إماطة اللثام عن الفجوة العميقة بين حجم الجريمة وحجم
القدرة على التعامل معها. ففي بلد شهد هذا المستوى من الجرائم لا يمكن لملف
المفقودين أن يكون ملفا عاديا، ولا يمكن لأي مؤسسة، مهما حَسُنت نواياها، أن
تحتويه بسهولة.
حجم
الجرائم والمجازر المرتكبة خلال السنوات الماضية لا شك كبير جدا، وهو موثق جزئيا،
وما خفي منه أعظم. لكن ما يزيد هذا الملف حساسية ليس عدد الضحايا فقط، بل تشابكه
مع السياسة، والأمن، والمجتمع، والاقتصاد، ومع دولة خرجت من صراع طويل مثقلة
بتحديات تتجاوز هذا الملف وحده.
ما يزيد هذا الملف حساسية ليس عدد الضحايا فقط، بل تشابكه مع السياسة، والأمن، والمجتمع، والاقتصاد، ومع دولة خرجت من صراع طويل مثقلة بتحديات تتجاوز هذا الملف وحده
الدولة
اليوم، وإن كانت تبذل جهدا لا يمكن إنكاره في التعامل مع بعض جوانب ملف المفقودين
والمقابر الجماعية، لكنها حقيقة تعمل ضمن واقع شديد القسوة: اقتصاد
منهك، أولويات أمنية متحركة، بنية مؤسساتية تعاني من التآكل، وتحديات مستمرة في
تثبيت الاستقرار وتوحيد البلاد. في هذا السياق، لا يصبح ملف المفقودين أولوية
أخلاقية فحسب، بل عبئا ثقيلا يفوق الطاقة والقدرة، حتى عندما توجد الإرادة.
وهنا يجب
التمييز بدقة بين العجز والإنكار، فالعجز هو الاعتراف بأن الإمكانيات المتاحة لا
تتناسب مع حجم الكارثة، أما الإنكار فهو الهروب من المسؤولية. والخلط
بين الاثنين يظلم الضحايا من جهة، ويظلم الدولة من جهة أخرى. غير أن
الإنصاف، في المقابل، يقتضي ألّا يتحول هذا العجز إلى غطاء للإفلات من المحاسبة
والعقاب. فما يولّد النقمة الحقيقية لدى ذوي الضحايا ليس فقط بطء
العدالة أو
محدودية القدرة، بل الإشارات التي توحي بأن بعض من ارتبطت أسماؤهم بالعنف والمجازر
والخراب يمكن أن يُعاد إدماجهم أو التساهل معهم تحت عناوين التسوية أو الضرورة.
فعندما
يشاهد الناس نماذج مثل محمد حمشو أو فادي صقر حاضرة في المشهد العام، يُقرأ ذلك
شعبيا -وبغض النظر عن التفاصيل القانونية- بوصفه رسالة مؤلمة مفادها أن القوة قد
تحمي أصحابها من المساءلة، وأن العدالة قد تكون انتقائية. وهنا يصبح العجز مضاعفا:
عجز عن المحاسبة، وعجز عن إقناع المجتمع بأن غيابها مؤقت لا بنيوي.
والمشكلة
أن هذا العجز، مهما كانت أسبابه، ينعكس مباشرة على ذوي المفقودين، الذين لا تعنيهم
تعقيدات الدولة ولا حسابات الأولويات. ما يطلبه هؤلاء في الحد الأدنى ليس العدالة
الكاملة فورا، بل الحقيقة: معرفة
المصير، واستعادة الجثامين، والقدرة على إعلان الحداد بدل هذا الانتظار المفتوح.
في ملف
بهذا الثقل، لا يكفي توصيف العجز، بل يصبح من الضروري تحديد حدٍّ أدنى لا يجوز
النزول عنه. والحد الأدنى الأخلاقي المقبول يتمثّل في ضمان حق المعرفة لذوي
المفقودين، وحماية الأدلة، ومنع طمس الوقائع، وعدم شرعنة أي مسار يوحي بأن الجرائم
قابلة للنسيان أو التجاوز. قد تتأخر العدالة، وقد تتعثر، لكن ما لا يجوز هو إنكار
الحق في الحقيقة أو تعليقها إلى أجل غير مسمى.
وكذلك فإن
الإنصاف يقتضي التفريق بين مستويات المسؤولية المختلفة، فالعجز عن المحاسبة
الجنائية الكاملة في اللحظة الراهنة لا يلغي المسؤولية السياسية، ولا يعفي من
المسؤولية الأخلاقية والتاريخية. الخلط بين هذه المستويات يفتح بابين خطرين: باب
التعميم الظالم، وباب التبرير المريح.
بالنسبة
لذوي المفقودين، لا يُختزل هذا الملف في تقارير أو أرقام أو أولويات دولة. هو
انتظار يومي بلا نهاية، سؤال معلّق عند كل باب، وذاكرة لا تستطيع أن تعلن الحداد
لأنها لم تعرف الحقيقة. بالنسبة لأمٍّ تنتظر منذ سنوات، لا يكون السؤال: من
المسؤول الآن؟ بل أين ابني؟ وأين جثمانه؟
إن
المقاربة المنصفة لهذا الملف لا تكون باتهام الدولة بالعجز الأخلاقي المطلق، ولا
بتبرير تقصيرها تحت ضغط الظروف، بل بالاعتراف الصريح بأن ما جرى أكبر من أن تتحمله
مؤسسة واحدة، أو حتى دولة واحدة، بمفردها. فملف بهذا الحجم يحتاج إلى شراكة وطنية،
وإلى دعم تقني وقانوني دولي، وإلى فصل واضح بين متطلبات الواقع الآني وحق الضحايا
في الحقيقة.
وفي هذا
السياق ثمّة سؤال يفرض نفسه: أين يقف العالم من هذا الملف؟ فملف
المقابر الجماعية
وملف المفقودين ليسا شأنا محليا صرفا، بل يدخلان في صميم اختصاص المؤسسات الدولية
المعنية بحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية، والكشف عن مصير المفقودين. بطء
التنسيق الفعلي، أو الاكتفاء ببيانات عامة أو الخضوع والاستسلام للروتين
والبيروقراطية يترك الدولة والمجتمع أمام عبء يفوق قدرتهما، ويترك ذوي الضحايا في
مواجهة فراغ دولي لا يقل قسوة عن الفراغ الوطني.
وفي
المقابل، تصبح الصراحة والشفافية شرطا أساسيا لأي مقاربة مسؤولة. فالاعتراف العلني
بحدود الإمكانيات، وتسمية حجم الاحتياجات الفعلية، وطلب الدعم من العالم بوضوح، لا
يُعد ضعفا، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية. أن تقول الدولة إنها غير قادرة وحدها على
إدارة هذا الملف بحجمه وتعقيده، وأن تفتح الباب لتعاون منظم ومعلن مع الجهات
الدولية المختصة، أفضل بما لا يقاس من ترك الملف رهينة الصمت أو المعالجات الجزئية.
العدالة في سياق كهذا قد لا تكون شاملة ولا سريعة، وربما لن تكون مكتملة أبدا، لكن ما يمكن، بل ما يجب فعله هو إدارة هذا العجز بشفافية، لا بالصمت؛ وبالاعتراف، لا بالإنكار؛ وبإشراك ذوي الضحايا، لا بإقصائهم
الخطر
الحقيقي في استمرار هذا العجز الخارج عن الإرادة لا يقتصر على إطالة أمد الألم، بل
يكمن في ما قد يولّده مستقبلا. فغياب العدالة، أو التعاطي معها ببطء بلا أفق، يهدد
بفقدان الثقة نهائيا، ويغذّي مشاعر النقمة، ويفتح الباب أمام أشكال عدالة فردية
وانتقائية أو روايات مشوّهة للتاريخ.
العدالة
في سياق كهذا قد لا تكون شاملة ولا سريعة، وربما لن تكون مكتملة أبدا، لكن ما
يمكن، بل ما يجب فعله هو إدارة هذا العجز بشفافية، لا بالصمت؛ وبالاعتراف، لا
بالإنكار؛ وبإشراك ذوي الضحايا، لا بإقصائهم. فأن تعترف الدولة بحدود قدرتها، وأن
تفتح هذا الملف بوصفه جرحا وطنيا لا عبئا إداريا ومسؤولية دولية لا تدخلا، هو بحد
ذاته خطوة أخلاقية أساسية، وأن يُقال لذوي الضحايا وأولياء الدم الحقيقة، حتى لو
كانت ناقصة أو موجعة، أفضل من تركهم أسرى انتظار بلا نهاية.
هي مقبرة
جديدة تنكأ الجراح، نعم، لكنها تكشف أيضا حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن حجم ما جرى أكبر من قدرة أي دولة خارجة من
حرب، وأن التحدي الحقيقي ليس في إنكار هذا العجز، بل في كيفية التعامل معه بشفافية.
بقي القول
ونحن نوثق ضمن فريق "مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية- مرصد"
اكتشاف المقبرة الجماعية الخامسة، راودنا السؤال الآتي ونعرضه هنا بشكل استفهامي
وليس اتهاميا: تُرى ما هو الإنجاز الحقيقي الذي تم على هذا الصعيد منذ اكتشاف
المقبرة الجماعية الأولى في هذا الملف؟ وهل ثمّة استعدادات وترتيبات وتجهيزات خاصة
لاكتشاف مقبرة جماعية سادسة أم أن ذلك سيكون بمحض الصدفة أيضا؟ سؤال برسم جميع
الجهات المعنية من دون استثناء.