حرية الصحافة في زمن الانكسار

عادل الحامدي
تبقى الحرية فكرة عصيّة على الإلغاء، تتجدد كلما ظنّ البعض أنها انتهت، وتنهض من بين الركام لتذكّر بأن الكلمة، مهما حوصرت، تظل أوسع من كل سجونها. الأناضول
تبقى الحرية فكرة عصيّة على الإلغاء، تتجدد كلما ظنّ البعض أنها انتهت، وتنهض من بين الركام لتذكّر بأن الكلمة، مهما حوصرت، تظل أوسع من كل سجونها. الأناضول
شارك الخبر
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُصنع بها التحولات الكبرى، وتُهدم بها جدران الاستبداد، تبدو حرية الصحافة اليوم وكأنها تدخل مرحلة انكسار تاريخي غير مسبوق. تقرير منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 لا يترك مجالاً للتأويل: حرية الصحافة في العالم بلغت أدنى مستوياتها منذ ربع قرن، في مشهد تتسع فيه رقعة القمع وتضيق فيه مساحة الحقيقة حتى تكاد تختفي.

الأرقام التي يعرضها التقرير ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل خرائط لواقع سياسي وأخلاقي مضطرب. أكثر من نصف دول العالم باتت تُصنَّف ضمن بيئات "صعبة" أو "خطيرة جداً" للعمل الصحفي، بينما تراجعت نسبة السكان الذين يعيشون في دول تُعد فيها الصحافة "حرة فعلاً" إلى أقل من 1%. إنها مفارقة قاسية في عالم يدّعي التقدم، بينما يتراجع فيه أحد أهم أعمدة الديمقراطية: الحق في المعرفة.

في واحدة من أكثر صور هذا الانهيار وضوحاً، يبرز المشهد في فلسطين المحتلة، حيث تتعرض الصحافة لاختبار وجودي قاسٍ. فاستهداف الصحفيين في مناطق النزاع لا يعني فقط خسارة أفراد، بل يعني أيضاً تغييب "الشاهد المهني" على الجرائم. فالصحفي ليس ناقلاً للخبر فحسب، بل هو عنصر أساسي في توثيق الانتهاكات، وحين يُستهدف أو يُقتل، فإن الحقيقة نفسها تُصاب بالعمى.
تاريخياً، ارتبطت حرية الصحافة بصعود الوعي السياسي الحديث، وكانت الصحف في أوروبا منذ القرن التاسع عشر مرآةً للتحولات الاجتماعية والسياسية. غير أن ما نشهده اليوم هو عودة مقنّعة لمنطق السيطرة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً: قوانين تُسن باسم الأمن القومي، ومنصات رقمية تُراقَب، وخطابات سياسية تُجرّم الصحفي بدل أن تحميه. وهكذا تتحول الصحافة من سلطة رقابية إلى "مُتهم دائم" في كثير من السياقات.

الإحصاءات الأكثر صدمة في التقرير تتعلق بمناطق النزاع. فقد وثّقت المنظمة استشهاد أكثر من 220 صحفياً في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ المهنة. هذه الأرقام لا تُقرأ فقط بوصفها خسائر بشرية، بل باعتبارها انهياراً لوظيفة أساسية في القانون الدولي الإنساني، الذي يفترض حماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون الذين ينقلون الحقيقة من قلب النار.

من منظور قانوني، يمثل استهداف الصحفيين انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف، التي تجرّم الاعتداء على المدنيين في النزاعات المسلحة. لكن الفجوة بين النصوص والتطبيق تتسع يوماً بعد يوم، حتى بات الصحفي أحياناً يُعامل كجزء من الصراع لا كراصد له، وهو تحول خطير يهدد جوهر الحق في المعرفة ويقوّض فكرة الشهادة على الجريمة.

في العالم العربي، تتخذ الأزمة بعداً أكثر تعقيداً. فالحريات الإعلامية تتراجع تدريجياً تحت ضغط التشريعات المقيدة، والرقابة المباشرة وغير المباشرة، وتزايد المخاوف من الملاحقة أو الإغلاق. لم تعد المشكلة فقط في غياب الحرية، بل في تحويل الفضاء الإعلامي إلى مساحة مراقبة دائمة، تُختزل فيها الكلمة المستقلة ويُعاد تشكيل الخطاب العام وفق سقوف سياسية ضيقة. وهكذا تقترب بعض البيئات الإعلامية من حالة يمكن وصفها بأنها انكماش حاد في فضاء التعبير، حيث يصبح الصمت أكثر حضوراً من الصوت.

حين تُقمع الأصوات وتُستهدف الأقلام وتُغيَّب الشهادات، لا نخسر الصحافة وحدها، بل نخسر قدرتنا على فهم العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى.
وفي واحدة من أكثر صور هذا الانهيار وضوحاً، يبرز المشهد في فلسطين المحتلة، حيث تتعرض الصحافة لاختبار وجودي قاسٍ. فاستهداف الصحفيين في مناطق النزاع لا يعني فقط خسارة أفراد، بل يعني أيضاً تغييب "الشاهد المهني" على الجرائم. فالصحفي ليس ناقلاً للخبر فحسب، بل هو عنصر أساسي في توثيق الانتهاكات، وحين يُستهدف أو يُقتل، فإن الحقيقة نفسها تُصاب بالعمى. وهكذا تتحول ساحات الحرب إلى فضاءات معتمة، تُروى فيها الرواية من طرف واحد، في انتهاك واضح لمبدأ العدالة الإعلامية وحق الشعوب في المعرفة.

على المستوى العالمي، يكشف التقرير عن تراجع حتى في الدول التي كانت تُعد نموذجاً ديمقراطياً. فالبيئة الإعلامية في العديد من الدول باتت تعاني من عدائية متزايدة، تشمل حملات تشهير، وضغوط سياسية، وقيوداً اقتصادية، ما يجعل ممارسة الصحافة مهنة محفوفة بالمخاطر حتى خارج مناطق النزاع.

إن ما يجمع هذه المشاهد المتفرقة هو حقيقة واحدة: العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل خطيرة لمفهوم حرية التعبير. فالكلمة لم تعد فقط أداة للتعبير، بل أصبحت في كثير من السياقات موضوع صراع، تُحاصر بالقانون حيناً وبالقوة حيناً آخر، وتُستهدف لأنها ببساطة تكشف ما لا يُراد له أن يُرى.

وختاماً، تبدو حرية الصحافة اليوم كقيمة تُختبر على حافة التاريخ، بين عالمٍ يضيق بالكلمة الحرة، وآخر لا يزال يؤمن بأن الحقيقة لا تموت مهما اشتدّ عليها الحصار. فحين تُقمع الأصوات وتُستهدف الأقلام وتُغيَّب الشهادات، لا نخسر الصحافة وحدها، بل نخسر قدرتنا على فهم العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى. ومع ذلك، تبقى الحرية فكرة عصيّة على الإلغاء، تتجدد كلما ظنّ البعض أنها انتهت، وتنهض من بين الركام لتذكّر بأن الكلمة، مهما حوصرت، تظل أوسع من كل سجونها. ويظل المعنى الأعمق للحرية مكثفاً في قولٍ يختصر جوهرها بيت الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:

إذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرُ


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)