تطور وسائل الاتصال أمر ملموس في حياة
الناس، فمن وسيلة لأخرى، ولو تخيلنا أن إنسانا مات منذ ثلاثين سنة عادة للحياة مرة
أخرى، فرأى شخصا يتكلم وحده، لحكم بأنه مجنون يكلم نفسه، بينما سيتكشف بأنه يتكلم
في هاتف محمول، ويضع على أذنيه سماعة بدون أسلاك، ولأن هذه الوسائل تتطورت في
بلدان حكمها القانون المنضبط الصارم، وسنوات أطول في تربية الشعوب على ثقافة
معينة، حتى وصلت إلى ثقافة وقانون معا، يلزم الناس بكيفية التعامل مع الناس، سواء
كانوا مواطنين أم وافدين على بلدانهم.
لكن الملاحظ أن هذه الوسائل لا تزال في كثير
من بلداننا العربية والإسلامية تستخدم في سياق مسيء، بل مؤذي جدا، وبدل أن تكون
وسيلة ميسرة ومختصرة للمسافات، ومقللة للتكاليف المادية في التواصل، وهو ما حققته
بالفعل، فكم من مسافر كان يصعب عليه مكالمة أهله من قبل، فكانت المكالمات الدولية
مكلفة بشكل مرهق، جعل الاتصال يتم مرات معدودة ومحدودة أسبوعيا أو شهريا، لكن دخول
العالم في هذا التطور في وسائل الاتصال قرب مسافات كبيرة، وقلل تكاليفه.
إلا أن هذه الوسائل مع كثرتها، وتنوعها،
صارت تعمل عكس هدفها، بل عكس مسماها، فالاسم:
وسائل تواصل، بينما في كثير من
استخدامها، تتحول لوسيلة تقاطع وهجران، وربما تجاوز لحدود الأدب والذوق، ولعل
الحرب الأخيرة نموذج لانتقال هذه التجاوزات من حدود البلد الواحد، لحدود العالم
العربي والإسلامي، ولم تقف عند مستوى العامة، بل تحولت لمستوى النخب كذلك، فضاق
معظم المتحاورين ذرعا بآراء بعض.
هذه الوسائل مع كثرتها، وتنوعها، صارت تعمل عكس هدفها، بل عكس مسماها، فالاسم: وسائل تواصل، بينما في كثير من استخدامها، تتحول لوسيلة تقاطع وهجران، وربما تجاوز لحدود الأدب والذوق، ولعل الحرب الأخيرة نموذج لانتقال هذه التجاوزات من حدود البلد الواحد، لحدود العالم العربي والإسلامي، ولم تقف عند مستوى العامة، بل تحولت لمستوى النخب كذلك، فضاق معظم المتحاورين ذرعا بآراء بعض.
كانت قديما البذاءات أو الأخطاء تقف عند
حدود معينة، فعلى مستوى الكتاب تقف عند حدود مقال في مجلة أو صحيفة، لكن الآن،
أصبحت التجاوزات تنتقل لمستوى آخر مختلف تماما، وكنت أتأمل حديث النبي صلى الله
عليه وسلم في ليلة الإسراء، فكان من المشاهد التي رآها ما يلي: "فإذا رجل
جالس، ورجل قائم، بيده كلوب من حديد. قال بعض أصحابنا، عن موسى: إنه يدخل ذلك
الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا،
فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟ ثم فسر للنبي صلى الله عليه سولم هذا الفعل،
فقالوا له: أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق،
فيصنع به إلى يوم القيامة".
كنا نقرأ هذا الحديث، فنتعجب، كيف يكذب
الرجل الكذبة، فتبلغ الآفاق؟ والسب أو القذف أو الكذب، لو قيل في مجلس فأقصى ما
يبلغه الشارع الذي يقطنه، ولو كان كاتبا في مجلة أو صحيفة، فهو مقال، لا يعدو مئات
من الناس، فكيف يبلغ الآفاق؟ ثم جاءت هذه الوسائل الحديثة والتي يجلس الإنسان في
غرفة نائية، في مكان لا يسمع به الناس، وفي يده هاتف، يكتب عليه الجملة ببذاءة أو
كذب أو غيره، فيمطر بها الناس على مستوى العالم، فتبلغ آفاقا لم يكن يحلم ببلوغها،
سواء كانت كلمة مكتوبة، أو مسموعة، أو مرئية.
تحول تواصل الناس الطبيعي والحقيقي
الاجتماعي، إلى مظهر وشكل، فتجد في المناسبات الكبرى كالأعياد، تحول التواصل
الطبيعي، والذي يشعر الناس بخصوصية وحميمية، إلى شكل ومظهر، تصميم لتهنئة، يكتبها
الشخص ليرسلها لمئات الشخصيات على هاتفه، نعم هو إجراء يختصر عليه عددا من الساعات
في التواصل، لكنه ليس معبرا عن التهنئة التي هي تواصل شخصي يعبر عن مكانة بين
الشخصين.
كما أن وسائل التواصل رغم أنها وفرت وسهلت
التواصل بالخدمات المطلوبة للشخص، سواء كانت استشارة طبية، أو علمية، أو فتوى
دينية، إلا أن هذه الفوارق والمسافات ذوب بها البعض المساحة الشخصية للمتصل بهم،
فقديما كان الشخص يستهلك وقتا كي يصل لرقم هاتف شيخ ليستفتيه، وينظر أولا في
التوقيت في بلده، وهل هو وقت مناسب للاتصال أم لا؟ بينما غاب عن كثير من
المتواصلين هذا البعد، فأصبحت المساحة الشخصية منتهكة، فهو يتصل في أي وقت يرغب،
وعلى المتصل به أن يرد، وإذا لم يرد، اتهم بالتكبر على الناس، وأنه يضن عليهم بما
حباه الله من علم!!
لا ننكر ما قدمته هذه الوسائل من تيسير
وتطور للناس، لكن هناك سلبيات واكبتها، كانت هذه السلبيات في مساحات الخلق والذوق
والأدب، وقد كانت هذه الآفة مجربة من قبل عندما بدأت الفضائيات العربية في
الانتشار، وبخاصة البرامج التي يسمح فيها للمشاهد بالمشاركة بالاتصال الهاتفي،
فكان كثيرا ما يحدث تجاوزات على الهواء مباشرة، وتسبب حرجا للمذيعين، وللمشاهدين
في البيوت على حد سواء، وهذه الظاهرة سرعان ما رشدت، وبدأت تتحول لرشد في التعبير،
وإن لم تخل من بعض تجاوزات، لكنها أصبحت نادرة عن ذي قبل.
وهذا يعني أن علاج مثل هذه الآفات ليس صعبا،
وأنه يكون بمزيد من تعزيز الثقافة المعتدلة؛ ثقافة التواصل، وثقافة مراعاة
الآخرين، وثقافة مراعاة خصوصيات الأفراد والمجتمعات، فإذا كانت الجهات الأمنية
تتعامل مع مثل هذه الآفات فيما يتعلق بها، فهي لا تكفي، وإن كانت مهمة، لكن الجهات
الأخرى المعنية بتهذيب الناس والمجتمع، عليها دور كبير، سواء فيما يتعلق بدور
الدولة، أو المؤسسات المجتمعية، وفي مقدمة هؤلاء: الشخصيات التي تعد من رموز هذا
الوسائل، والمؤثرين فيها وعليها.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.