مات الأستاذ مختار نوح
المحامي المعروف،
والذي كان منضما لفترة طويلة لجماعة الإخوان، ثم ترك التنظيم، وتحول في سنوات عمره
الأخيرة لأحد أكبر المؤيدين لنظام السيسي بكل ما يمارسه من استبداد وجرائم، لا
يقرها شرع ولا قانون، ولا خلق.
وكشأن كل ميت بعد أحداث انقلاب
مصر، والموقف
من هذا الانقلاب، وما تبعه من مجازر ومذابح وانتهاكات، يصدر الناس في مواقفهم، لكن
شخصية كمختار نوح، تختلف شيئا ما عن حالات أخرى، حيث إن له ارتباطات بمواقف سابقة
مع بعض الشخصيات العامة، فعبر كل بما لديه، حتى من خالفوه، فمنهم من رأى أن الموت
له هيبة تمنعه من أن يكتب حرفا ضده بعد وفاته، وهي عاطفة مقدرة لأصحابها، ووجهة لا
يملك أحد أن يمنعها، فهو ترحم على مسلم مات مسلما، وإن مارس تأييدا لمحرمات ترتكب
بحق برآء.
مات الأستاذ مختار نوح المحامي المعروف، والذي كان منضما لفترة طويلة لجماعة الإخوان، ثم ترك التنظيم، وتحول في سنوات عمره الأخيرة لأحد أكبر المؤيدين لنظام السيسي بكل ما يمارسه من استبداد وجرائم، لا يقرها شرع ولا قانون، ولا خلق.
قصة مختار نوح، هي قصة شخصيات دخلت تنظيم
الإخوان ثم خرجوا منه، وهو ملف فيه الكثير من التفاصيل، كثروت الخرباوي، ومحمد
حبيب، وآخرين، ستراهم في كل مراحل الجماعة، منذ عهد حسن البنا، وحتى الآن، منهم من
خرج من التنظيم ولم ير فيه إلا أنه وسيلة لخدمة الإسلام، فإذا تعذر عليه العيش
فيه، والالتزام بنظامه، أو الاختلاف مع شخصيات نافذة فيه، فالوسائل الأخرى كثيرة،
وتسعه للعمل بها فرديا أو جماعيا، أو مؤسسيا، وهو ما رأيناه في شخصيات كثيرة، خرجت
من التنظيم، كان أولها الشيوخ: الغزالي، وسيد سابق، وعبد العزيز كامل، وغيرهم، فخرجوا
وشغلوا أنفسهم بالقضية الكبرى والأهم، وهي الإسلام، وطرحوا تاريخهم التنظيمي خلف
ظهورهم، ولم يجعلوه محور تفكيرهم، ولا قبلة تحركهم.
وهناك فئة مثل مختار نوح ومن ساروا على
خطاه، مختار نوح قد يكون ظلم في مرحلة في التنظيم، ليس ذلك مستبعدا، لكنه لم ينس
لهذا التنظيم هذه المظلمة، ونسي كل ما بينه وأفراده من عشرة، كان عليه أن يراعيها،
بينما تناسى للنظام الذي لم يتورع عن إلحاق كل أذى به، وتسامح معه لدرجة التماهي
معه، والتأييد لكل ما يقوم به من تنكيل، النظام الذي حبسه سنوات بالاعتقال، بل في
فيلم (طيور الظلام)، شخصية المحامي علي الزناتي، الملتحي المنضوي لجماعة إسلامية،
ويحب العزف على العود، هو حديث عن مختار نوح نفسه، ويتشابه في جزء من الشخصية في
دفاعه عن جماعات العنف، المحامي المعروف منتصر الزيات، لكن أغلب التشبيه والتشويه
كان مقصودا به مختار نوح.
كل هذا النيل منه ماديا ومعنويا، تناساه
مختار، ليس عن طيب نفس، ونقاء سريرة، لأنه لو كان كذلك لكان مع الجميع، لكنه كان
مع جلاديه فقط، وجلادي إخوانه، وجلادي المظلومين، فراح ينقلب على كل ما مضى من
قناعاته الدينية والسياسية والأخلاقية والقانونية للأسف.
لقد صمت عنه من آذاهم بكلامه وتحريضه،
مراعاة منهم لجلال الموت وهيبته، رغم أن مختار نفسه، لم يراع أي جلال لموت كبير
ولا رمز ولا صديق قديم له، فراح بعد الانقلاب يخرج في قنوات النظام، يفتري الكذب
على الرئيس محمد مرسي ويتهمه بأن التجسس والعمالة ثابتة عليه، وذلك بعد موته
مباشرة.
بل زاد في فجره وادعائه أن مرسي مات مقهورا
من الإخوان، لأنه أراد أن يجري مراجعات ونقدا للمرحلة السابقة، فرفض خيرت الشاطر
والإخوان، فمات كمدا وقهرا، فيتهم الإخوان بما لم يفعلوه، وهو يعلم أن كل القيادات
الزيارات عنهم ممنوعة منذ سنوات، وقد شكا ابن مرسي نفسه، أنه محبوس انفراديا، ولا
صلاة جماعة ولا جمعة، وقد باح بهذه الشكوى في المحكمة ساخرا، قائلا: بأنه مسلم،
وهذا حقه!!
وهو يعلم يقينا أن قرارا كهذا لو كان لدى
مرسي، لما جرؤ أحد أن يمنعه منه، ولأعلن به في المحكمة، ولرحبت به السلطة، ولهيئوا
له كل وسيلة ممكنة، فهو خبر يتمناه السيسي وسلطته، لكنه يريد غسل يد السيسي من
اتهامه بقتل الرجل في محبسه، والذي مات في جلسة من جلسات المحاكمة.
ولم يراع قيمة كبرى في العلم كالعلامة الشيخ
القرضاوي، فراح يتطاول عليه في حياته وبعد وفاته، لأنه يرفض حكم السيسي، وراح يتهم
الرجل في علمه، وفي ذمته المالية، متساءلا: من أين القصور التي لديه؟ وهو سؤال
أحمق، فلو كان لديه قصر يعيش فيه، إن صح ذلك، وكل الناس تعلم أين بيته الذي عاش
فيه سنوات حياته الأخيرة، وهو بيت لشخصية عاشت في دولة خليجية ما يزيد عن ستين
عاما، فهل يصعب على شخص متجنس بجنسية خليجية، وكان آخر مناصبه عميد كلية، أن يمتلك
بيتا ومالا؟! لكنه قصد بذلك الطعن.
مختار نوح قد يكون ظلم في مرحلة في التنظيم، ليس ذلك مستبعدا، لكنه لم ينس لهذا التنظيم هذه المظلمة، ونسي كل ما بينه وأفراده من عشرة، كان عليه أن يراعيها، بينما تناسى للنظام الذي لم يتورع عن إلحاق كل أذى به، وتسامح معه لدرجة التماهي معه، والتأييد لكل ما يقوم به من تنكيل
ولم يراع حرمة عالم كبير كالشيخ الغزالي
رحمه الله، وهو ميت، فقال عنه نفس الكلام الذي قاله عن القرضاوي، وهو من أكثر
الناس زيارة للغزالي في بيته، فأين قصور الغزالي التي ادعاها، متهما هؤلاء العلماء
بعدم الزهد!!
وبعد تنفيذ حكم الإعدام في تسعة من الشباب
اتهموا بقتل النائب العام هشام بركات، خرج مختار نوح، يبرر الأحكام، وأن الأحكام
عادلة، وأن القضية بها أربعون ألف ورقة، وأنه قرأها، وفيها اعترافاتهم، وأن
الأحكام مختلفة، ما بين إعدامات، ومؤبدات، وتخفيف أحكام، على أعداد هائلة، فيقول
وهو القانوني: لماذا نظرتم إلى الإعدامات فقط، وتجاهلت الأحكام الأخرى التي لم تكن
بالإعدام؟! هكذا بكل استخفاف بأرواح الناس.
بل زاد من تماديه في الاستهانة بالدماء، أنه
قال: الحمد لله استطعنا إدخال الإفتاء في الملف، ودخل بثقله، قاصدا بذلك المفتي
شوقي علام ودار الإفتاء، ثم عاتب الأزهر أنه لم يدخل بنفس قوة الإفتاء في الملف.
فأين كان جلال الموت وهيبته، في حديثه عن شباب تم إعدامهم؟!
بل عند
وفاة الدكتور عصام العريان، في
محبسه، وهو المعروف بتاريخه السياسي والتسامحي مع الجميع، ومنهم مختار نفسه، قامت
نقابة الأطباء بكتابة نعي، دون إضفاء أي مدح عليه، بوصفه رجلا نقابيا سابقا، قام
مختار نوح بتعقيب غير متوقع، يهاجم بيان النقابة، ويحرض عليها، بأنها تخرج لسانها
للسلطة، وأنها نقابة غير رشيدة!!
هذا غيض من فيض من مواقف مختار نوح، ومن
يتابع مسيرته في سنوات ما بعد الانقلاب، سيجد كما هائلا من الحوارات على
الفضائيات، ينتقل الرجل من كذب لأكذب منه، ومن فجور لأفجر، لا يوقفه مراعاة حرمة،
ولا بلوغه لسن عليه أن ينتبه لحسن ختام، تأييدا لكل ما يصدر عن السلطة، وعن فنها،
سواء ينال من الجماعة ككل، أو كأشخاص، كما في إشادته بمسلسل الاختيار، ورأس الأفعى.
وصفحته طافحة باتهامات لشخصيات كثيرة
بالعمالة والخيانة والتجسس ضد مصر، سواء كانوا إخوانا أو غيرهم، كمحمد أبو تريكة،
وعلاء عبد الفتاح، والتساهل في كيل الاتهامات التي تحتاج في إثباتها إلى جهد سلطة
عادلة، لكنه يتبرع بذلك كله، ولا يسلم من لسانه أي شخص أو كيان رافض لحكم السيسي.
وقبل وفاته بشهور قليلة، كتب مختار ما يلخص
موقفه فقال مهنئا للسيسي بيوم ميلاده: (كل سنة وانت طيب ياريس، أنا صحيح أسن من
فخامتكم ببضعة شهور، لكني تعلمت منكم الذي لم أعلمه أو أتعلمه طوال سبعين عاما أو
يزيد)!!
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.