فيلم برشامة.. استهزاء بالدين أم كوميديا مرفوضة؟!

عصام تليمة
رغم قناعتي بأن المصادرة والمنع ليست حلا، وهي غير مجدية مع عالم الأفكار والأعمال الفنية والأدبية، لكن من يرفض ما ورد في الفيلم هو حق مشروع له..
رغم قناعتي بأن المصادرة والمنع ليست حلا، وهي غير مجدية مع عالم الأفكار والأعمال الفنية والأدبية، لكن من يرفض ما ورد في الفيلم هو حق مشروع له..
شارك الخبر
ثار جدل في مصر بسبب فيلم: (برشامة)، وهو فيلم يحكي عن لجنة امتحان لطلبة المنازل، ويسعى الممتحنون للغش في الامتحان، ويرفض طالب متدين ذلك، ويجري حوار طوال مدة الفيلم داخل اللجنة، ولوحظ وجود عبارات تدور في فلك التبرير للغش، ردا على المتدين الرافض له، في إطار إقناعه بأن يقبل بالغش في الامتحان ليعاونهم، بعد أن فقدوا كل أمل في وسائل أخرى خارجية، ومنها: استعمال ميكرفون المسجد في ذلك، دون جدوى أيضا!

الفيلم نزل في عيد الفطر، وحقق نسبة مشاهدات ومبيعات كبرى، وبدأ بالنزول على منصات السوشيال ميديا، ولم يفكر أحد من قبل في طرح مسألة العبارات التي يراها فريق غير قليل من الناس أنها تمثل حساسية دينية، وتتكلم بشكل غير لائق عن ثوابت دينية.

بلا شك أن قضية السخرية من الدين تمثل حساسية من عدة جهات، من حيث تهييج مشاعر المسلمين، لأن الحكم الشرعي للقضية يدور بين تكفير من يقوم بذلك، أو الحكم بفسقه وعصيانه، وهو ما ينبغي أن يتريث المتناولون للموضوع في طرحه، لأنه حكم خطير على عقائد الناس، وهو ما يقتضي تثبتا، ويقتضى معرفة بالنوايا، ومعرفة بحقائق العبارات الواردة، ومدى مدلولاتها في المفهوم الشرعي والعرفي لدى الناس.
انقسم الناس إلى فريقين، فريق يرى أن العبارات الواردة في الفيلم غير لائقة، وتمثل سخرية فجة من قضايا دينية، وفريق آخر يرى أن العبارات الواردة ليست في سياق إساءة للدين، وأن بطل الفيلم يقوم بالرد في سياق النقاش على هذه العبارات، وأنها عبارات تخرج من شخصية مجرم في الفيلم، فهو يمثل وجه الإجرام، وعباراته وؤيته.

بلا شك أن قضية السخرية من الدين تمثل حساسية من عدة جهات، من حيث تهييج مشاعر المسلمين، لأن الحكم الشرعي للقضية يدور بين تكفير من يقوم بذلك، أو الحكم بفسقه وعصيانه، وهو ما ينبغي أن يتريث المتناولون للموضوع في طرحه، لأنه حكم خطير على عقائد الناس، وهو ما يقتضي تثبتا، ويقتضى معرفة بالنوايا، ومعرفة بحقائق العبارات الواردة، ومدى مدلولاتها في المفهوم الشرعي والعرفي لدى الناس.

ثم دخل حزب النور على الخط، وقدم أحد نوابه استجوابا للبرلمان ضد الفيلم، وطالب بسحبه، وعدم عرضه، ولا أدري أين كان النائب، والفيلم رفع من دور العرض في السينما، بعد أن حقق مشاهدات وعائد مادي كبير؟! وبطبيعة الحال لو اشترت قنوات فضائية الفيلم لعرضه، فليس هناك سلطة للدولة، لو قامت بعرضه فضائية خارج مصر، هذا إن صدر قرار بما يطالب به حزب النور.

ما قام به حزب النور، فتح نقاشا من جهات مضادة للحزب، بأن الفن لا يحاكمه الدين، ولا المشايخ، وقد تعاملوا مع حزب النور، والدعوة السلفية، بوصفها تنظيما دينيا مدنيا، وهو كلام غير صحيح، فالنائب هنا مارس دوره الرقابي، ولم يمارس حسبة دينية، وإن مارسها فهو أمر مكفول ومشروع، ما دام يسير في إطار الرقابة التي لا تتجاوز الشرع والقانون، سواء اتفقت معه في طلبه أم اختلفت.

ثم أصدر اتحاد النقابات السينمائية والتمثيلية والموسيقية بيانا يرفض فيه ما يقوم به الجمهور سواء من المختصين دينيا أو من النواب وغيرهم، من رفضهم لما استقر في فكرهم وشعورهم أنه سخرية من الدين في الفيلم، وأنه غير مسموح بمثل هذا الرفض، والمسموح به فقط، هو النقد الفني!!

ولا ندري هل الفن وأهله فوق القانون والدستور؟ وهل الفن فوق النظام العام للمجتمع والدولة؟ لست أدعو بذلك إلى مصادرة عمل من الأعمال سواء الفنية أو الأدبية، لكن من أعطى الفن والفنانين حقا فوق حقوق الجميع، وحرية فوق الحرية ذاتها، ينفردون بها دون سواهم؟!

ولو كانوا صادقين، بأنهم لا يسمحون بالتدخل لغير أهل الفن، والنقد الفني، فما قولهم في سوابق واضحة من جهات دينية غير مسلمة، وسلطة، قامت بالنقد لأعمال فنية ورفضها، فقد علق السيسي على فيلم: (الإرهاب والكباب) لعادل إمام، وهاجم الفيلم، لأنه جعل المواطن في مواجهة الدولة، وأن هذا كلام لا يصح من الفن.

والسيسي نفسه قام بمنع عمل فني ومنع فريقه من إكماله، لأنه لم يعجبه، ولم ينافقه بما يشبع غروره، وهو فيلم كتبه السيناريست الراحل وحيد حامد، وكان عن شخصية السيسي، وجسد شخصية السيسي الفنان أحمد السقا، وشخصية الدكتور محمد مرسي الفنان أحمد رزق، وغضب السيسي من الفيلم، وأرسل من يخبر وحيد حامد بأنه غاضب لأنه لم يبرز شخصيته كما يريد، وهو ما قام به بنفسه في مسلسل (الاختيار 3)، ووصل به التدخل إلى اختيار من تجسد شخصية أمه، كما أعلنت بذلك الفنانة نادية رشاد، وهو من اختار ياسر جلال ليجسد شخصيته بما ينافي الواقع من حيث البنية الجسدية، فهل كان ذلك من صميم العمل الفني، أم تدخلات فجة لا صلة لها بالفن، ولا بالحرية الفنية؟!

وعندما قام الفنان عادل إمام بعمل فيلم: (حسن ومرقص)، وكان يجسد شخصية قسيس سيهدد في حياته، فيضطر لحلق لحيته، وتغيير ملابس الكهنوت، فذهب للبابا شنودة وسأله، فقال له: ليس لك أن تقوم بهذا الدور، لا بد من تغيير الشخصية، لدرجة رهبنة معينة، أما ما بعد ذلك فليس لك أن تقوم بالدور كما هو مرسوم لك، من حلق لحية وخلع ثياب الكهنوت، واستجاب كاتب السيناريو واستجاب عادل إمام.

فيلم برشامة، ليس أول الأعمال الفنية، التي يختلف حولها، ولن يكون آخرها، فالتاريخ المصري الفني والأدبي مملوء بنماذج مشابهة، سواء كان الخلاف حول العمل الفني والأدبي لأسباب سياسية، أو اجتماعية، أو دينية، وكلها أسباب تراعيها الدول والمجتمعات العاقلة، في حدود الحق المشروع دون تجاوز.
وحدثني بعض من حضروا التصوير، أن البابا شنودة كان يرسل أمير رمزي أخو الفنان هاني رمزي، ليراقب موقع التصوير، هل يتم الالتزام بما حدده البابا شنودة أم لا، وهو ما كان يغضب عادل إمام، وكان يأمرهم بإبعاده بلطف عن موقع التصوير. ولم يسع عادل إمام والقائمون على الفيلم، بالسعي لشيخ الأزهر للسؤال عن دور عمر الشريف في الفيلم، وهو عن شيخ مسلم، يضطر لحلق لحيته وخلع ثياب التدين لنفس الدافع.

وعندما قررت وزارة التعليم في مصر، سنة 1959م، دراسة كتاب: (محمد.. الرسالة والرسول) للمفكر المسيحي المصري نظمي لوقا، وهو كتاب قرر على طلبة الثانوية العامة، وهو كتاب منصف، يتناول الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم بإنصاف شديد، هاج الأقباط واعترضت الكنيسة، وضغطوا، وتم الاستجابة لضغطهم بإلغاء تدريس الكتاب، وهو كتاب يتعلق بالدين الإسلامي، ولا يهاجم الدين المسيحي من قريب أو بعيد.

وهناك سوابق كثيرة متعلقة بهذا الملف، أكثر من أن تحصر، فادعاء هذه النقابات الفنية، أن ما يقوم به البعض من رفض الفيلم، ورفض لما ورد به من عبارات يرون فيها مساسا بثوابت دينية، فهو في النهاية رأي وتوجه، وهو من حق الجمهور، سواء كان مشاهدا عاديا، أم صاحب طرح ديني ينطلق من تخصصه.

رغم قناعتي بأن المصادرة والمنع ليست حلا، وهي غير مجدية مع عالم الأفكار والأعمال الفنية والأدبية، لكن من يرفض ما ورد في الفيلم هو حق مشروع له، لأن الإنتاج الفني يخاطب الجمهور، وإذا كان من تخاطبه يرفض خطابك، أو يختلف حوله، فكما تطالب الناس باحترام ما تقدمه، عليك احترام الجمهور فيما يبديه من رأي حول ما قدمته له، سواء وافقك أو خالفك، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن الديني الإسلامي أو المسيحي، وعند الاختلاف في هذه القضايا، يحال الأمر كما هو العهد بالدولة المصرية إلى جهات الاختصاص، من اللجان الفنية والدينية الأزهرية.

العجيب أن أقلاما تنتسب للعلمانية، قامت تهاجم فنانين حاليين وسابقين، لموقفهم الرافض للعبارات الواردة في الفيلم، وكأن المسموح به فقط في عالم الحرية عندهم، هو الموافقة فقط، أما حرية المخالفة فليست متاحة إلا لهم فقط، فيما يخالفون فيه عموم الناس، ولو كان في مسائل الثوابت.

فيلم برشامة، ليس أول الأعمال الفنية، التي يختلف حولها، ولن يكون آخرها، فالتاريخ المصري الفني والأدبي مملوء بنماذج مشابهة، سواء كان الخلاف حول العمل الفني والأدبي لأسباب سياسية، أو اجتماعية، أو دينية، وكلها أسباب تراعيها الدول والمجتمعات العاقلة، في حدود الحق المشروع دون تجاوز.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل