رحم الله
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الأمير
الوالد، والذي بكاه محبوه، واستحضر كل من التقاه، أو تعامل معه، مواقف تدل على
شخصية استثنائية ليس في عالم السياسة فقط، وهو ما اهتم به الكثيرون، لكن هناك
الجانب الإنساني في حياة الرجل، وهو ما يلمسه جل من تعامل معه، وهي جديرة بالذكر،
وتضيع هذه المواقف لأنها تظل حبيسة صدور من يعرفونها، أو تذكر في نطاق ضيق، وهو ما
أتناول بعضها في هذا المقال.
سمو أخلاق لنفس كبيرة
اتسمت شخصية الأمير الوالد بمحبة فطرية
لأصحاب المواقف، وبخاصة من أهل العلم، وقد لاحظت ذلك في طبيعة تعامله مع شيخنا
العلامة القرضاوي، فقد أفسح له في مجال التعبير ولو كان معارضا لموقف سياسي
يتبناه، ولعل أشهر موقف في ذلك حين زار شيمون بيريز الدوحة، ووقف القرضاوي على
أشهر منبر في
قطر، منبر مسجد عمر بن الخطاب، والخطبة تنقل رسميا في التلفزيون
القطري، فقال شيخنا: على كل من صافح بيريز أن يغسل يده سبع مرات أولاهن بالتراب.
كان يقصد بذلك أمير قطر ومن صحبه في هذه
الزيارة، بعدها كانت هناك زيارة العيد، ولاحظ الجمهور أن الأمير الوالد يشير بيديه
وكأنه يحاكي غسلهما، ومعه شيخنا القرضاوي، فلما سألناه: ماذا دار بينكما من حوار،
فقال: لقد قال لي: لقد نفذت فتواك وغسلت يدي سبع مرات كما قلت، أما حمد بن جاسم
وزير خارجية قطر آنذاك، فقال مازحا: لقد لف يديه في سلوفان. فضحك الأمير الوالد
والشيخ، وضحكنا على روحه التي تعامل بها مع موقف ناقد له.
كان مما يباهي به القرضاوي دائما، أنه طوال حياته في قطر، لم يكلمه مسؤول: قل كذا، أو: لا تقل كذا، أو: لم قلت كذا؟ بل كانت له كامل الحرية في التعبير عن مواقفه، وبخاصة في السنوات العشرين الأخيرة، والتي انطلقت شعبية القرضاوي تزداد عالميا، فكانت دولة قطر، وبخاصة أميرها، داعما وسندا فيها.
من المواقف التي يحكيها الأمير الوالد
للقرضاوي، والتي تدل على سمو نفسه، أنه زار الجزائر، وكان من عادته أن يجلس على
المقاهي الشعبية، ويتسامر مع الشيبان الجالسين عليها، وقد لاحظ البعض أن هناك
مقاهي في المغرب قد أغلقت حدادا على وفاته، ولما سئل عن الأمر، عرف السر الذي
أخفاه الرجل، فقد كان كلما جلس على مقهى شعبي، أو دكان شعبي، عند المغادرة يوصي
المسؤولين معه، بمعاونة صاحبه في تجديد المكان، ويجدده بالفعل، ولكن لا يتحدث صاحب
المكان بذلك، فلما توفي، أغلق عدد من الدكاكين، وبدأ كل صاحب موقف بحكاية موقفه.
من بين هذه الزيارات كانت للجزائر، ويحكي
الأمير الوالد بروح الدعابة لشيخنا القرضاوي، أنه رأى مسنا جزائريا على مقهى،
فسأله المسن: من أي البلاد أنت؟ فأجابه: أنا أمير دولة قطر، فقال المسن: قطر أنت
بلديات القرضاوي؟! وقهقه ضاحكا، أن الرجل عرفه بالقرضاوي، ولم يشعر بما يشعر به
بعض أهل الحكم، من غيرة، أو إضمار السوء، لأنه صاحب نفس سوية، وخلق عال، فهو يشعر
بأن كل من يقدم الخير لقطر، أو يكون جزءا من سمعتها الحسنة، أن ذلك إضافة، وليست
خصما، ولا منافسة، كما يظن بعض ضعاف النفوس، ولو كان هذا الموقف مع شخصية أخرى،
لنكل بالقرضاوي، وبكل شخصية يمكن أن تكون على خطاه.
عزاء في مرشد الإخوان
لقد عرف الناس قصة نزوله لمصر للعزاء في
معلمه، المدرس المصري، وعندما عاد لقطر، قام بإنشاء مركز تحفيظ باسم معلمه، ليكون
صدقة جارية له. هذا موقف صار معروفا، لكن من المواقف التي لا تعرف عنه، حين توفي
مرشد الإخوان الأستاذ مصطفى مشهور، اتصل بي شيخنا القرضاوي، وقال لي: اتصل بي منذ
قليل سمو الأمير، يعزيني في مرشد الإخوان، وأنه يريد إرسال ابنه نيابة عنه للعزاء،
وطلب مني أن أرتب ذلك مع الإخوان.
اتصلت بالمرحوم الدكتور عصام العريان، وقد
كانت
الوفاة في رمضان، ونزلوا للعزاء، كان الإخوان يريدون إفطار المعزين، لكنهم
أصروا على العزاء والعودة مباشرة، وحاول بعض المغرضين في الصحف الصفراء، تناول
الموضوع بشكل سياسي مثير، ولكن الرجل لم يبال، لأنه قام بواجب إنساني، ولم يكن
القصد منه الكيد السياسي.
نجدة أهل المروءة
من المواقف التي شهدتها، أن أحد الشخصيات
العلمية المحترمة في قطر، وكان وكيلا لوزارة من الوزارات المهمة في قطر، وقد مرض
فجأة وتوفي، وكان شخصية محبوبة، فوجئنا بأنه مدين وقتها بمليون ريال قطري، وكل هذه
الديون ليست لأمور شخصة، بل كلها متعلقة بأصحاب حاجات يقصدونه، فيعطي، ثم انتهى ما
لديه، فكان يقترض من الناس، ليقضي حاجات الذين يقصدونه.
فقد كان الناس يظنونه في حالة من الثراء
الذي لا يرد به أحدا، وكان يعطي ـ بالفعل ـ عطاء من لا يخشى الفقر، وكان صدمتنا
بأن علمنا بديونه، ولم يكن له بيت لأبنائه، وعلم شيخنا القرضاوي بذلك، فكلم الأمير
الوالد، فكان جوابه الفوري، بسداد دينه، وبيت لأبنائه.
لا ينسى لحمد بن خليفة الأمير الوالد، أنه حمى ودافع عن كل صاحب رأي على أرض قطر، سواء كان قطري الجنسية، أو مقيما على أرضها، فوقف لكل محاولة أو مطالبة من الغرب بقوائم إرهاب، أو قوائم محاكمة، وبذل ومعه أجهزة الدولة وبخاصة وزارة الخارجية، كل جهد، لرفع هذه المظالم،
وكان من آخر أعماله الإنسانية والدعوية،
والتي كانت تتويجا لعلاقة الحب التي جمعت بينه وشيخنا القرضاوي رحم الله الجميع،
أنه قام بطبع الأعمال الكاملة للشيخ، كل ما كتبه القرضاوي، جمع في (105) مجلد، في
طباعة فاخرة، وتجليد يليق بمشروع القرضاوي.
لا يخذل مظلوما
كان مما يباهي به القرضاوي دائما، أنه طوال
حياته في قطر، لم يكلمه مسؤول: قل كذا، أو: لا تقل كذا، أو: لم قلت كذا؟ بل كانت
له كامل الحرية في التعبير عن مواقفه، وبخاصة في السنوات العشرين الأخيرة، والتي
انطلقت شعبية القرضاوي تزداد عالميا، فكانت دولة قطر، وبخاصة أميرها، داعما وسندا
فيها.
وهذا ملمح إنساني آخر مهم، لا ينسى لحمد بن
خليفة الأمير الوالد، أنه حمى ودافع عن كل صاحب رأي على أرض قطر، سواء كان قطري
الجنسية، أو مقيما على أرضها، فوقف لكل محاولة أو مطالبة من الغرب بقوائم إرهاب،
أو قوائم محاكمة، وبذل ومعه أجهزة الدولة وبخاصة وزارة الخارجية، كل جهد، لرفع هذه
المظالم، وكان على رأس هؤلاء: شيخنا القرضاوي، وشخصيات أخرى، منها من يحمل الجنسية
القطرية، ومنها مقيمون ليسوا قطريين، وهذا فضل وعمل في ميزان حسنات الرجل.
آلمه ألم غزة
فقد كان يتألم لكل مظلوم، وقد كان من أكثر
أسباب زيادة مرضه ومضاعفاته في أيامه الأخيرة، ما يعانيه أهل غزة، وتكالب قوى
الظلم والبغي عليها من الشرق والغرب، وقد كان من أوائل من حفز العلماء في أول
عدوان على غزة سنة 2008م، ووضع تحت تصرفهم طائرة خاصة، تجوب بهم بلدان العالم
العربي والإسلامي، لوقف العدوان على غزة. رحمه الله رحمة واسعة، فالحديث عن مواقفه
في هذا الجانب الإنساني كثيرة، لكن بعضا منها ذكرناه، لأنه يذوب في الحديث عن
مواقفه السياسية.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.