كلما أتت
ذكرى الثلاثين من يونيو، تعيد
المنظومة الإعلامية للسيسي، نفس ما كررته من قبل، لا جديد لديها، سوى الإصرار على
سردية معينة، أن
مصر كانت ذاهبة للجحيم، وإلى ضياع هويتها، وأن السيسي المخلص الذي
أرسلته عدالة السماء لينقذها. لكن هذا العام حمل قدرا أكبر من التوقح في استخدام
شيوخ السلطة لمزيد من صبغ ما قام به السيسي بأوصاف لم تجر على فتوحات إسلامية
لفاتحين كبار في تاريخنا الإسلامي، بل اقترفوا كل ما اتهموا به الرئيس الراحل محمد
مرسي وجماعة الإخوان.
بنظرة سريعة على تصريحات وعبارات مشايخ كبار
من مشايخ السلطة المصرية، ستفاجأ بكم التجرؤ على استخدام لغة الدين، وعباراته التي
تكون في قضايا مصيرية دينية، ورد ذلك على لسان وزير الأوقاف الدكتور أسامة
الأزهري، وقد كان مستشارا دينيا من قبل للسيسي، والدكتور علي جمعة وقد كان أيضا
مفتيا، وعضو هيئة كبار العلماء.
كانت حجة الذين نزلوا في الثلاثين من يونيو، أنهم يخافون من الحكم الديني، ومن استعمال الخطاب الديني في السياسة، فما موقف من صدعوا رؤوس الناس بالدولة المدنية، ورفض حكم المرشد؟ لقد أتت لهم الثلاثون من يونيو بالحكم العسكري، وفي خدمته الخطاب الديني بكل تفاصيل الدولة الدينية الثيوقراطية.
أما علي جمعة، فكانت عباراته في غاية
السماجة والتوقح الديني، في جرأة عجيبة منه، فقال عن الثلاثين من يونيو: (إنه يوم
من أيام الله، لقد كان يوما فارقا بين الحق والباطل)، وعلى خطاه سار تلميذه أسامة
الأزهري، في منشور لوزارة الأوقاف جاء فيه: (الانفراد بالحكم، وانهيار قيمة
الجنيه، وأزمات الخبز والكهرباء والبنزين، وشلل الاقتصاد، وتهديد المعارضين،
وانتشار الجريمة والبلطجة والسرقة، خلال حكم مرسي، ورغبته في استكمال مدته
الرئاسية، أدت لإصدار السيسي بيان 3 يوليو لإنقاذ مصر، وحولها من دولة على حافة
الهاوية لنموذج إقليمي حقق إنجازات غير مسبوقة).
وكتب أحد أقرب التلاميذ لعلي جمعة على
صفحته، يقول: (والله العظيم، وحق من أنزل الكتاب، وبعث سيدنا محمدا هاديا وبشيرا..
إن كل مخلص لله تعالى، متبصر في أحوال هذا الوطن وغيره من أوطان العرب، مستقرئ
لتاريخ هذه الجماعة الظلامية الدموية، عالم بحقيقة الإسلام ومقاصده، غيور عليه من
جهل الجاهلين، وعبث العابثين، ليدرك يقينا أن 30 يونيو هو نصر للإسلام وحقيقته
ووسطيته في المقام الأول، لأنه فتح طريق التأمل والتفكر والمراجعة والتوبة لكثير
من ضلال هذه الجماعات الذين افتتنوا بخرافات وأوهام هذه الجماعات.. وسأقف بهذا
أمام الله تعالى غير هياب بتلك الاتهامات التي يتفوه بها الأذناب والجهلة من
الخوارج، وحسبنا الله تعالى)!!
تلك العبارات سار على منوالها آخرون من
مشايخ للسلطة، راحوا يكيلون المديح للسيسي، ويتهمون معارضيه من كل التوجهات في
دينهم ووطنيتهم وإنسانيتهم، ثم فبركة كرم جبر لوثيقة مزعومة ومكذوبة، يتهم فيها
الدكتور طارق الزمر بأنه وعد مرسي فيها، بأنهم سيقضون على معارضيه، ووصفهم بالكفرة
والملاحدة والروافض، وهو ما كذبه الزمر، ويكذبه لغة الفبركة في الرسالة.
الناظر لأصحاب هذه العبارات، سيجدهم من نخبة
النخبة السيساوية، ما بين مفتي سابق، ووزير أوقاف حالي، وشخص كان مسؤولا عن المجلس
الأعلى للإعلام، فما بالك بمن دونهم، وقد كانوا من قبل يتهمون الإخوان ومعارضي
السيسي بالمتاجرة بالدين، واستخدام مفرداته لنصرة مواقفهم، فماذا عن عباراتهم تلك،
وماذا لو صدرت عبارة من هذه العبارات من شخصية مغمورة معارضة للسيسي، سيفرد لها
إعلامه مساحة كبرى، لوصمهم بالتجارة بالدين، وتكفير خصومهم.
عباراتهم التي صدرت، تجعل هذا الصراع
السياسي، صراعا دينيا عقديا، ولو أنا حذفنا أسماء القائلين، وذهبنا إلى علي جمعة
وقلنا له: إن شخصا قال هذا الكلام عن السيسي ومؤيديه، لقال: أرأيتم الخوارج
المكفراتية، الذين جعلوا الخلاف السياسي خلافا عقديا كفريا؟!
الإعلامي تامر أمين من قبل، قال عند وفاة أم
عبد الفتاح السيسي: هذه ستدخل الجنة حتما. ولو قالها شخص عن محمد مرسي لقامت
الدنيا وما قعدت، وهم يقيمون الدنيا على وصفه بالشهيد، رغم أن هذا الوصف هو دعاء
وليس جزما بالشهادة، فقول الناس عن شخص: الشهيد، أو المرحوم، أو المغفور له، مقصود
بها: المدعو له بالشهادة، أو المدعو له بالرحمة، أو المدعو له بالمغفرة، وليس جزما
بشيء، لكن تامر أمين قالها بصيغة الجزم، وكأنه خبر يقوله للناس.
لقد جرى استحلال كل ما حرموه على الإخوان، سواء على مستوى الخطاب، أو على مستوى السلوك، بل فعلوا أضعاف ما أنكروه عليهم، سواء من النخبة الدينية السيساوية، أو النخبة التي تدعي المدنية، فعلى مستوى الخطاب الديني والسياسي، جرت على ألسنتهم وأقلامهم عبارات المديح في السيسي، وتكفير خصومهم، سواء التكفير الديني أو السياسي، باتهامهم بالخوارج، أو اتهامهم بالخونة، وكلاهما تكفير ديني وسياسي.
كانت حجة الذين نزلوا في الثلاثين من يونيو،
أنهم يخافون من الحكم الديني، ومن استعمال الخطاب الديني في
السياسة، فما موقف من
صدعوا رؤوس الناس بالدولة المدنية، ورفض حكم المرشد؟ لقد أتت لهم الثلاثون من
يونيو بالحكم العسكري، وفي خدمته الخطاب الديني بكل تفاصيل الدولة الدينية
الثيوقراطية.
لقد ظلوا شهورا ـ ولا يزالون ـ يصدرون
للإخوان عبارة قالها الشيخ محمد حسين يعقوب بعد استفتاء مارس 2011م، وقالوا: غزوة
الصناديق، ولما جاء حكم السيسي، وخرج البابا تواضروس، وقال عن دستور السيسي: قول
نعم تجلب النعم، لم يصدر أي تعقيب عمن خرجوا يهاجمون يعقوب.
لقد جرى استحلال كل ما حرموه على الإخوان،
سواء على مستوى الخطاب، أو على مستوى السلوك، بل فعلوا أضعاف ما أنكروه عليهم،
سواء من النخبة الدينية السيساوية، أو النخبة التي تدعي المدنية، فعلى مستوى
الخطاب الديني والسياسي، جرت على ألسنتهم وأقلامهم عبارات المديح في السيسي،
وتكفير خصومهم، سواء التكفير الديني أو السياسي، باتهامهم بالخوارج، أو اتهامهم
بالخونة، وكلاهما تكفير ديني وسياسي.
وعلى مستوى السلوك كذلك، فعند وفاة أحد
القضاة أو المشاركين في
الانقلاب، وتخرج صفحات المظلومين داعية على هذا الميت
الظالم، يلبسون وقتها لبوس الوعظ والخلق، قائلين: انظروا إلى غلظ قلوبهم، وقسوتهم
على الموتى؟! وفي كلامهم عن الثلاثين من يونيو، وفي غيرها، لا يكفون عن كيل
الاتهامات والافتراءات على محمد مرسي، بل وصل التردي الديني مداه، حين قال علي
جمعة: كنت لا أترحم على محمد مرسي، حتى رأيت الرئيس السيسي يترحم، فترحمت!! وكأن
السيسي بات مصدرا من مصادر التشريع لدى علي جمعة، وشيوخ سلطته.
ولذا فليس مستغربا أن يتضمن بيان وزارة
الأوقاف، اللوم على محمد مرسي بأن من دواعي الانقلاب عليه، أنه كان متمسكا ببقية
فترة ولايته، يصدر هذا الكلام، في الوقت الذي تجاوز فيه السيسي المدتين
الرئاسيتين، وراح لتعديل الدستور، وسيظل يعدل فيه حتى وفاته، وكأني بأسامة
الأزهري، لو كان حيا في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد تجمع حول بيته
الخارجون على حكمه، ورفض التسليم لهم، لقال بعد لقتلته: لقد أصبتم، فقد أخطأ عثمان
بأن أصر على استكمال مدته في الخلافة.
رغم محاولة تغييب وعي الناس، بهذه الخطابات
الدينية السمجة، لكن وعي الناس فاجأهم، فمنشور وزارة الأوقاف، والمواقع التي أعادت
كلام علي جمعة، كانت تعليقات الجمهور عليها مفحمة، وترد بشكل واضح، بأنهم يؤذنون
في مالطة، وأن هذه العبارات الكذوبة على الواقع والدين، لا تنطلي إلا على اللجان
المستأجرة، أو المغيبة، وأن الناس باتت في وعي تام بفداحة الجرم الذي يمارسونه،
وأنه تجميل لوجه سلطة باتت من القبح بمكان، لا ينفع معه هذا التجميل الزائف.
[email protected]
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.