السلطة الفلسطينية.. صلاحيتها وصلاحياتها تحت الاحتلال

عدنان الصباح
القيادة التي تقوم عمدا بتدمير المؤسسات التي يمكنها أن تستند إليها في ادعاء الشرعية، تقوم بيدها بتقويض وإلغاء شرعيتها نفسها.. الأناضول
القيادة التي تقوم عمدا بتدمير المؤسسات التي يمكنها أن تستند إليها في ادعاء الشرعية، تقوم بيدها بتقويض وإلغاء شرعيتها نفسها.. الأناضول
شارك الخبر
بعد احتلال الضفة الغربية وغزة عام 1967 اعترفت إسرائيل (لفترة خمسة اشهر) بأنها قوة احتلال وملزمة تحت القانون الدولي بالحفاظ على الوضع القائم في الأراضي المحتلةً. تَولّى الحاكم العسكري الإسرائيلي، التابع لوزير الدفاع، إدارة شؤون الضفة الغربية وقطاع غزة عبر الأوامر العسكرية، باعتباره صاحب الولاية الفعلية على الأرض.

رغم وجود الحكم العسكري المباشر والعنيف إلا أن الفلسطينيين حافظوا بعناد على مؤسساتهم المدنية مثل البلديات والمجالس القروية كحالة مقاومة ضد الاحتلال. واجهت هذه المؤسسات الوطنية التي كانت القاعدة المحلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ضغوطا وملاحقات واعتقالات ونفي واغتيالات لقياداتها الوطنية. بعد فشل الاحتلال في السيطرة عليها قام عام 1978 بمحاولة الالتفاف عليها عن طريق خلق بديل في روابط القرى من المتعاونين والعملاء في القرى والأرياف لتقليص نفوذ المنظمة في الداخل.

مهمة تلك الروابط كانت التنسيق مع الاحتلال، لبعض الشؤون المدنية للسكان في مجالات التجارة والصحة والزراعة والإعمار والسفر وتصاريح لم الشمل. بعد فشل روابط القرى، بسبب مقاومة عنيدة من الفلسطينيين، أصدر الحاكم العسكري الأمر رقم 947 لعام 1981 بإنشاء الإدارة المدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة برئاسة ضابط عسكري، لإدارة الشؤون المدنية الخاصة بـالفلسطينيين.

صلاحية السلطة

أنشئت السلطة الفلسطينية (المجلس) بمرجعية اتفاق أوسلو(1) 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي حدد مدة صلاحيتها والصلاحيات التي ستوكل لها في مناطق نفوذها. شرع الاتفاق: "إنشاء سلطة حكم ذاتي مؤقتة، لفترة زمنية انتقالية لا تزيد عن خمس سنوات"، في "الضفة الغربية وقطاع غزة"، والتي  يعتبرها الطرفان "وحدة ترابية واحدة يجب المحافظة على وحدتها وسلامتها خلال الفترة الانتقالية".

أنشئت السلطة الفلسطينية (المجلس) بمرجعية اتفاق أوسلو(1) 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي حدد مدة صلاحيتها والصلاحيات التي ستوكل لها في مناطق نفوذها. شرع الاتفاق: "إنشاء سلطة حكم ذاتي مؤقتة، لفترة زمنية انتقالية لا تزيد عن خمس سنوات"، في "الضفة الغربية وقطاع غزة"، والتي يعتبرها الطرفان "وحدة ترابية واحدة يجب المحافظة على وحدتها وسلامتها خلال الفترة الانتقالية".
رغم تحديد صلاحية السلطة بخمس سنوات، تبدأ بانسحاب "الجيش الإسرائيلي" من قطاع غزة وأريحا، والذي حصل في أيار 1994، صمت الاتفاق عن تجديدها، وخلال كل جولات المفاوضات التي جرت بعد ذلك بين المنظمة وإسرائيل لم يتم ذكر أو التفاوض أو الاتفاق على تجديد صلاحية السلطة أو توسيع صلاحياتها. تجديد صلاحية السلطة يتطلب مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، التي تعترف بها إسرائيل كممثل للفلسطينيين، والتي احتفظ الاتفاق لها حصرا بحق التفاوض في الشؤون الخارجية.

 صلاحيات السلطة

الصلاحيات والمسؤوليات التي اتفق على نقلها للسلطة الفلسطينية كانت في مجالات، التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة والشرطة، والتي كانت من صلاحيات ومسؤوليات الحاكم العسكري الواسعة والتي ما زال يتنفذ بها في المجالات التشريعية والقضائية والتنفيذية. النشأة الحقيقية للسلطة كانت من القرار العسكري رقم (7) 1995 الذي منحها صلاحياتها تطبيقا لنص اتفاق أوسلو والذي يعتبر "شهادة ميلاد السلطة الفلسطينية". 

لم تلتزم إسرائيل باتفاقيات أوسلو ورفضت الانسحاب من الخليل عام 1996 وحين وصلت الحكم في اسرائيل عام 1997، قامت حكومة بنيامن نتانياهو باعادة التفاوض ووقعت بروتوكول خاص بالمدينة. ثم قامت بإجراءات عملية لتطبيق سياسات في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة، إلغاء أوسلو وإسقاط السلطة الفلسطينية وإزالة أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية، تزامنا مع توسيع وتشريع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية والسماح بمزيد من اقتحامات المسجد الأقصى التي كانت شرارة الانتفاضة الثانية عام 2000.

وتطبيقا لقانون القومية اليهودية 2018، الذي حصر قانونيا للشعب اليهودي الحق في تقرير المصير في أراضي غرب النهر ويمنع وجود أي سلطة لغير دولة إسرائيل، أعادوا تسمية الضفة  الغربية "يهودا والسامرة" في مخالفة صريحة وليست غير مقصودة لاتفاق أوسلو. بعد إلغائها باتفاق أوسلو، قامت إسرائيل في 2002 بإعادة تشكيل الإدارة المدنية، وتحويل معاملات الفلسطينيين إليها بدل لجان الارتباط المشتركة، بعد أن قامت عام 2018 بتوسيع صلاحياتها لتكون المرجع الرسمي المباشر للسكان، الفلسطينيين والمستوطنين معاً، في الضفة الغربية وغزة.

تحت اتفاقية الائتلاف الحالي برئاسة نتنياهو2023، تم تعيين وزيرالمالية، المستوطن بتسلئيل سموتريش، وزيرا إضافيا في وزارة الدفاع بسلطات واسعة على الإدارة المدنية. وفي 2024  تم استحداث منصب "نائب رئيس الإدارة المدنية" للشؤون المدنية"، وتعيين مستوطن آخر، هيلل روت، للمنصب وبسلطات واسعة تشمل الوحدات العسكرية العاملة هناك. مع تقليص صلاحيات السلطة، خفضت إسرائيل رسميا، التعامل معها إلى مستوى ضباط الإدارة المدنية فقط.

 وفي خطوة تعتبر الأخطر منذ عام 1968، وفي تأكيد وإعلان إلغاء اعترافها بأي سلطات أو صلاحيات للسلطة الفلسطينية، أصدرت الحكومة الإسرائيلية بتاريح 2026.02.15 القرار رقم 3559 وتعديلاته بإعادة تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة الغربية وخاصة المنطقة "ج" والتي أخرجتها تماما من نفوذ السلطة. عمليا، القرار يلغي الاعتراف بسلطة الأراضي الفلسطينية التي أنشئت حسب اتفاق أوسلو والوثائق الصادرة عنها. وبهدف تقويض السلطة، قامت إسرائيل بفرض عقوبات عليها ومصادرة أموالها وإنفاذ قيود وضغوطات على البنوك الفلسطينية مما أدى إلى عجز السلطة عن الوفاء بالتزاماتها المالية وخاصة صرف رواتب موظفيها. بهذا القرار تلغي إسرائيل اعترافها بالقوانين المعمول بها في الضفة الغربية منذ العام 1967، والتي كانت تنظم وجودها كقوة احتلال.

شرعية السلطة

من ناحية التأصيل القانوني الفلسطيني، ليس هناك سند أو مصدر قانوني صالح في النظام الدستوري الفلسطيني لإنشاء السلطة الفلسطينية. يدعي البعض أن شرعية السلطة تنبع من قرار المجلس المركزي الفلسطيني بتاريخ 10/10/1993. هذا الادعاء غير سليم: (1) المجلس المركزي الفلسطيني، عدا عن كونه مؤسسة غير دستورية، ورجوعا لنص قرار المجلس الوطني بإنشاء المجلس المركزي عام 1984، هو مؤسسة مؤقتة بدون صلاحيات تشريعية، وليس له صلاحيات لإنشاء مؤسسات، مؤقتة او دائمة. (2) لو قبلنا مجازا شرعية القرار، ما زال على خطأ لأنه كلف اللجنة التنفيذية بتشكيل "مجلس السلطة" من أعضاء معينين، وليس بالانتخاب حسب اتفاق أوسلو. (3) النشأة الحقيقية للسلطة كانت إعلان الحاكم العسكري الإسرائيلي رقم (7)1995 الذي منحها صلاحياتها تطبيقا لاتفاق أوسلو وعلى أساسه أجريت أول انتخابات لها عام 1996 وليس قرار المجلس المركزي.

الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يبقي رمزيا وبدون تطبيق عملي حقيقي. في الداخل، إسرائيل لا تعترف بدولة فلسطين ولا تقبل أي وثائق صادرة باسمها أو باسم "السلطة الوطنية الفلسطينية" وتصر دائما على استخدام "السلطة الفلسطينية" أو "منظمة التحرير الفلسطينية". وفي الخارج ما زالت المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد المعترف به للشعب الفلسطيني. لا يمكن فهم الحكمة التي عثرت عليها القيادة الفلسطينية لتقويض السند الحقيقي والغطاء الشرعي الذي توفره لها المنظمة داخليا وخارجيا قبل تثبيت وتمكين مؤسسات الدولة.
لو قبلنا افتراضا، أنها تستمر بصفتها المؤقتة حتى يتم إيجاد البديل لتجنب فراغ دستوري، يجب إجراء الانتخابات للسلطة لتستمر في شرعيتها القانونية والسياسية. بعد قرار الرئيس عباس عام 2018 بحل المجلس التشريعي الذي نتج عن آخر انتخابات سليمة عام 2006، تم تقويض شرعية السلطة وشرعيته، بصفته رئيسها معا. بعد حل المجلس التشريعي للسلطة وتعطيل المجلس الوطني للمنظمة، لم تستطع القيادة الفلسطينية تأسيس برلمان تمثيلي للدولة التي تدعي تأسيسها وترسيخ مؤسساتها، وصار الرئيس عباس يُشَرٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍِِع بـ "قرار بقانون"، النهج الذي يشوبه ليس فقط عوار قانوني ومخالفات دستورية لقوانين السلطة نفسها، بل تناقضات وأخطاء إجرائية ولغوية تلغي صلاحيتها.

خلال سنوات وجودها قامت السلطة بتقزيم المنظمة وتجريدها من أي سلطات حقيقية في الشأن الفلسطيني داخليا وخارجيا. منذ 2012 قامت قيادة السلطة بإعلاء شأن الدولة وشرعت في التعامل مع الخارج باسم دولة فلسطين وهمشت المنظمة سوى مع االدول التي لم تعترف بدولة فلسطين.

الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يبقي رمزيا وبدون تطبيق عملي حقيقي. في الداخل، إسرائيل لا تعترف بدولة فلسطين ولا تقبل أي وثائق صادرة باسمها أو باسم "السلطة الوطنية الفلسطينية" وتصر دائما على استخدام "السلطة الفلسطينية" أو "منظمة التحرير الفلسطينية". وفي الخارج ما زالت المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد المعترف به للشعب الفلسطيني. لا يمكن فهم الحكمة التي عثرت عليها القيادة الفلسطينية لتقويض السند الحقيقي والغطاء الشرعي الذي توفره لها المنظمة داخليا وخارجيا قبل تثبيت وتمكين مؤسسات الدولة.  

سقوط شرعية السلطة شعبيا

لم يعد خافيا وباعتراف القيادة الفلسطينية أن استمرار وجود السلطة بدون صلاحيات حقيقية في الضفة الغربية يكمن في حاجة اسرائيل للخدمات الأمنية التي تقدمها الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتي تستخدمها إسرائيل لمنع ظهور أي حركة مقاومة فاعلة ضد قواتها في الضفة. وفي غزة والتي اعتبرها اتفاق أوسلو "وحدة ترابية واحدة يجب المحافظة على وحدتها وسلامتها" ليس للسلطة وجود أو نفوذ فيها منذ العام 2007، حين تخلت السلطة عن سلطتها الفعلية هناك بسحب موظفيها من مؤسسات الحكم والمعابر.

بعد عملية طوفان الأقصى أعلنت قيادة السلطة استنكارها لها وأنه ليس لها شأن بما يحدث في غزة، بل وفي انفصال كامل عن شعبها خلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على القطاع، امتنعت السلطة عن إغاثة ضحايا العدوان، وبدأت بالمطالبة بإعادة القطاع لحكمها ومرور أموال وتبرعات المساندة والإعمار عن طريق مؤسساتها. في الضفة أطلقت العنان لمسؤوليها وحزب السلطة "فتح"، من الرئيس عباس نزولا، بالتهجم على المقاومة وتجريم وملاحقة وقتل مناصريها في الضفة الغربية. تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعمليات ضد المقاومين للاحتلال في الضفة كان آخرها عملية أطلقت عليها السلطة "عملية حماية وطن"، 2024،  والتي أدت لقتل وتدمير وانتهاكات واسعة ولاقت استنكارا قويا من الشعب والفصائل الفلسطينية واتهامات للسلطة بالتعاون مع جيش الاحتلال ضد المدنيين الفلسطينيين.

هذه الحال التي سقطت فيها قيادة السلطة حرمتها من الشرعية الشعبية التي كان بإمكانها أن تتداركها وترتقي إلى مستوى المسؤولية المطلوبة منها خلال أصعب محنة يواجهها الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث منذ النكبة عام 1948. 

سقوط الشرعية السياسية والقانونية

خلال مسرحية المفاوضات التي تولاها الرئيس ترامب مدعيا وقف الحرب "العدوان على غزة"، تأخرت ولم تزل، ومُنعَت قيادة السلطة من المشاركة في مفاوضات ستحدد مصير قطاع كبير من أراضي الدولة الفلسطينية التي تنشدها والتي حددها اتفاق أوسلو وثبتها القانون الدولي أراضي دولة فلسطين. الجهود الدولية لهندسة مصير قطاع غزة، بدون القيادة الفلسطينية، آلت إلى وضع القطاع وأهله (حوالي 40% من مواطني دولة فلسطين) تحت منظومة غامضة وهجينة بين الانتداب والاحتلال المباشران صممت فقط لخدمة الاحتلال ومطامع دولية في غزة. في القانون الدستوري يعتبر هذا تنصل من الواجب وتنازل عن الحق السيادي والمسؤولية في التعامل مع مصير أراضي وسكان الدولة، (abdication of responsibility).

خاتمة

حالة الفراغ القانوني التي وصلت إليها قيادة السلطة، وهي من صنعها، لا تطعن فقط في شرعية السلطة وقيادتها، بل أوجدت فراغا سياسيا ودستوريا خطيرا في مؤسسات الدولة والمنظمة وقوضت شرعية أي مؤسسة سليمة قانونيا تستطيع أن تدعي شرعية التمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني.

لم يعد خافيا وباعتراف القيادة الفلسطينية أن استمرار وجود السلطة بدون صلاحيات حقيقية في الضفة الغربية يكمن في حاجة اسرائيل للخدمات الأمنية التي تقدمها الأجهزة الأمنية الفلسطينية والتي تستخدمها إسرائيل لمنع ظهور أي حركة مقاومة فاعلة ضد قواتها في الضفة.
القيادة التي تقوم عمدا بتدمير المؤسسات التي يمكنها أن تستند إليها في ادعاء الشرعية، تقوم بيدها بتقويض وإلغاء شرعيتها نفسها. وهذا كله يلحق أذى عميقا لمصالح الشعب الفلسطيني، في عدم وجود قيادة فاعلة تمثله وتذود عنه أو توفر له أي نوع من الحماية أوالعون بل أصبحت تنصب العداء لشعبها. بعد انكشاف عورتها ونكوصها عن الواجب الوطني والسيادي الذي تدعيه، أصبحت القيادة الفلسطينية تستجدي التعامل معها والتجاوب مع طلباتها أو استقبال رئيسها وممثليها مما زاد من تهميشها وانهيار دورها أو حاجة وجودها في نظر الشعب الفلسطيني. هذا الوضع يؤكد انتفاء الحق الدستوري في التمثيل، بسبب غياب الأهلية القانونية عن القيادة الفلسطينية وشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني. وبالتالي يمكن اعتبار أن كل ما يصدر عنها باطلاً اساساً ونتائجه غير ملزمة على أساس أن "كل ما يصدر عن باطل فهو باطل".

*محامي فلسطيني


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)