1 ـ
الثورة كانت لحظة بيانٍ كشفت أنّ في
تونس شعبًا. نعم، شعبٌ تجاوز نخبا متقعّرة متواكلة تلوك مترجماتٍ كسولةً لوصفات
جاهزة أنشأتها نخبٌ أخرى في سياقات أخرى لتصف موضوعات أفكارها هناك في زمانها.
وجدت النخب "التونسيّة" نفسها في "تسلّل فهميّ" لمّا انتفض
الشعب التونسيّ على طاغية حكم تونس ربع قرن لم تسعفها أدواتُها ولا شجاعتُها بأن
تقول فيه جملة واحدة لا ترضيه، وأجهز عليه حتّى "طيّره".
أيّا تكن الملابسات فقد طار بن علي إلى غير
رجعة. غير أنّ تلك النخب العاجزة ركبت القطار، بعد ذلك، ليكون إسهامُها بَعْديًّا.
زحفوا من ذيل القطار إلى رأسه وأنفقوا كثيرا من لغوهم في البحث عن جنس المولود في
إنكارٍ لأبيه الحقيقيّ، الشعبِ الذي لم تسعفهم أدوات "تفكيرهم" البالية
بفهمه. بل بلغت بهم الوقاحة أن أنكروا أنّ هذا الشعب شعبٌ. وما دام الذي جرى قد
جرى خارج "مختبرات" هرائهم فإنّه ليس بثورة. وكان أوّلُ انفصالهم عن
الشعب إنكارَهم لثورته. كان عليه أن يمرّ بمختبراتهم ليزِنوه ويقيّدوه، وأن يستأذنهم
قبل أن يزحف على الطاغية لإخراجه من البلد الذي نزفه حتّى العظم أمام أعينهم ولم
يتحرّكوا، في مناسبة واحدة، للدفاع عنه.. بل كانوا ماعونا له في نزفه.
أيّا تكن الملابسات فقد طار بن علي إلى غير رجعة. غير أنّ تلك النخب العاجزة ركبت القطار، بعد ذلك، ليكون إسهامُها بَعْديًّا. زحفوا من ذيل القطار إلى رأسه وأنفقوا كثيرا من لغوهم في البحث عن جنس المولود في إنكارٍ لأبيه الحقيقيّ، الشعبِ الذي لم تسعفهم أدوات "تفكيرهم" البالية بفهمه.
2 ـ أكبرُ دليل على اغتراب النخب ما كان من
معاركِها الزائفةِ القديمة حول تحديد طبيعة المجتمع بسبب اختلافاتهم في تأويل
نصوصهم المقدّسة. لم يتّفقوا حتّى حول "الكاتالوغ" الذي جاؤوا به من
بعيد المكان ومنقطع الزمان ليجعلوا منه نموذجهم التفسيريّ الأوحد. والمجتمع إذا
نجا من كونه "رأسماليّة تابعة" وقع في حفرة "شبه إقطاعي شبه
مستعمَر". لقد حكّموا ترجمات قرأوها لأطروحات أنشأها أصحابها في القرن التاسع
عشر في مناخ أوروبيّ محدود بلغةٍ معيّنة، حكّموها في قراءة مجتمع تونسيّ خرج لتوّه
من احتلال دولة أوروبيّة فرضت عليه "دولة" مستنسخة منها لتحكمه بعدها.
كان على المجتمع التونسيّ أن يخرج من معاناة
ليدخل إلى معاناة أخرى. خرج من معاناته الاحتلالَ الأجنبيّ ليقع في معاناته نخبًا
بقيت تفكّر من داخل عقل دولة الاحتلال، تزن الأمور بموازينها وتقيس المسافات
بمقاييسها. وذلك ما يفسّر منطق الاستعلاء الذي تصدر عنه تلك النخب
"المثقّفة". وقد كان الاستعلاء هو السبب في سوء الفهم. النخب المستعلية
التي لم تفهم الشعب في سكونه لم تفهمه عند ثورته ولم تتوقّعها.
3 ـ ثورة الشعب، بعد أن كان صامتا، على نظام
بن علي جعلته يتقدّم على النخب خطوةً. وذلك ما جرح كبرياء تلك النخب وخلط أوراقها
وكشف محدود فهمها وتهافت أدواتها. ولمّا عادت إلى محفوظاتها من كرّاساتها الصفراء
حكمت بها على أنّ الذي جرى لم يكن ثورة ما دام لم يجر على منوال الثورة الفرنسيّة
ولا على منوال الثورة الروسيّة. وما لم يكن على منوال أوروبيّ لم يَحظَ باعتراف
النخبة. كتب الشعب التونسيّ ثورته على نظام بن علي بلغة لا تتكلّمها النخبة ولا
تفهم رموزها. غير أنّ الثورة في بنيتها العميقة إنّما كانت على النخبة ذاتها. لذلك
انتقمت منه وظلّت عشر سنوات "تناضل" لتنقلب على الثورة وتسفّه الأحلام
حتّى تثبت جدارتها بوضع الوصفات.
كانت الذريعة هي حركة النهضة، يعادونها
لأنّها نبتت في تربة الوطن نباتا طبيعيّا مثل كلّ نبات أصيل. ولأنّ الشعب المتقدّم
على النخبة يعلم ذلك، فقد اختار النهضة في جميع الاستحقاقات الانتخابيّة رغم الحرب
التي شنّتها عليها قوى الثورة المضادّة بأذرعها المختلفة دون هوادة. مشكلة هؤلاء
مع حركة النهضة أنّها "تيّار دينيّ ظلاميّ".. والدين، ببساطة مطرود من
مدينتهم الحداثيّة التنويريّة التقدّميّة لأنّه من الماضي والماضي، لديهم، علامة
ظلام.. غير ذلك من الكلام ليس أكثر من تمويه وتلبيس. لقد تبنّى هؤلاء الأطروحة التي
تقول بوجوب إقصاء الدين ( المطلق) عن الشأن العام (النسبيّ) وجعلوا منها عقيدة غير
قابلة للمراجعة ولا للنقاش. وهم في ذلك إنّما يصدرون عن مرجعيّة مسيحيّة كنسيّة
يرونها كونيّة مهيمنة على ما سواها.
هؤلاء لأنّهم لا يفهمون المجتمع ما لم يجدوه
مكتوبا في صحائفهم تلك، فإنّهم لم يجدوا من تفسير لاختيار الشعب للنهضة في مختلف
الاستحقاقات الانتخابيّة، طوال عشريّة الانتقال الديمقراطيّ، غير قولهم إنّه ليس
غير انحياز من الناس إلى الطرف الذي كان
مظلوما من قبل النظام الذي قامت عليه الثورة. وهو، في مذهبهم، انحياز عاطفيّ لا
عقل فيه. والمفارقة أنّهم اختاروا، عن قصد أو عن غير قصد، أن يعيدوا منظومة الظلم
ليعيدوا الإسلاميين الذين انقلبوا عليهم إلى مربّعات المظالم التي كانوا فيها ليعود
الشعب إلى التعاطف معهم وإلى اختيارهم في صورة ما إذا عادت الديمقراطية إلى
الواجهة مرّة أخرى !
ثورة الشعب، بعد أن كان صامتا، على نظام بن علي جعلته يتقدّم على النخب خطوةً. وذلك ما جرح كبرياء تلك النخب وخلط أوراقها وكشف محدود فهمها وتهافت أدواتها. ولمّا عادت إلى محفوظاتها من كرّاساتها الصفراء حكمت بها على أنّ الذي جرى لم يكن ثورة ما دام لم يجر على منوال الثورة الفرنسيّة ولا على منوال الثورة الروسيّة.
4 ـ ولأنّهم كانوا يطلبون إخراج النهضة من
المشهد بأيّ ثمن فقد ذهبوا في عدوانهم عليها إلى أقصى حدّ بلا أدنى تحفّظ.. وجاءت
الاغتيالات السياسيّة في هذا الأفق. ولأنّ التلبيس من أسلحتهم فقد اتّهموا حركة
النهضة بكلّ الشرّ الذي فعلوه بقصد وبغير قصد. الفيضانات إذا كانت، فبسبب من
النهضة والجفاف إذا حلّ فوراءه النهضة.. والإرهاب من فعل النهضة أو هو نتيجة
تغافلها عنه. كلّ الأزمات والحوادث يتّهمون فيها النهضة لا يتّهمون جهة غيرها. وقد
بقيت النهضة عشر سنوات الانتقال الديمقراطيّ هي المشجب الذي يعلّقون عليه كلّ
عجزهم وفشلهم وقصور فهمهم. عشر سنوات صرفوها في التنكيل بالنهضة لو أنّهم وجّهوا
فيها جهودهم إلى الشمس لجلبوها لتكون في خدمة البلد.
سبع سنوات مرّت، الآن، على الانقلاب. أُغلقت
مقرّات النهضة وأُعيدت قياداتها إلى المعتقلات في استتساخ لأوّل عهد بن علي. لم
تثبت جريمة مخلّة واحدة ضدّ قياديّ واحد من قيادات النهضة. لم يكن لأحد منهم جرم
واحد يستحقّ عليه المعاقبة.. إنّما أُدخلوا إلى السجون عقابا لهم على تصدّر المشهد
الذي جاءت به الثورة. وهم ليسوا، في الحقيقة، أكثر من واجهة.. واجهة يسلّطون من
خلالها العقاب على الشعب التونسيّ وثورته. الشعب الذي أنجز الثورة واستكملها
بانتخاب النهضة هو الذي يدفع، اليوم، الثمن على ما كان من اختياره.
سبع سنوات أضاعوا على البلاد فيها كلّ شيء.
عادت أسوأ حالا من حالها الذي كانت عليه قبل 17 ديسمبر 2010. هُدّمت مؤسسات الدولة
وأُفسدت تعاقدات توصّل إليها الفرقاء بعد جهد جهيد استوجب وقتا ثقيلا.. عادت
البلاد إلى أوضاع دون تلك التي ثار الشعب عليها. وبهذه العودة لم تُحَلّ المشاكل
بل تضاعفت وامتنعت الحلول. ولم يعد لأحد من
رأي يراه. كلّ تفكير أو تعبير خارج
العلب المفروضة يستوجب العقاب.. وكلّما كان عقاب صحبه هدمٌ ولم يعقبه بناء.
النخب بقيت في التسلّل، مرّة أخرى، رغم
توظيفها الإعلام واستعمالها للاتحاد العام التونسيّ للشغل ورغم تسخير كلّ
المنظّمات والمؤسّسات والأذرع التي استنفروها للإجهاز على مسار كان يمكن أن يكون
مدخل البلد إلى لحظة تاريخيّة جديدة يخرج فيها العرب من جحيم الدولة الوطنية التي
ورثت الاحتلال الأجنبيّ فيهم فمنعتهم من كلّ تقدّم.
النخب تعلم، لا شكّ، ذلك. ولكنّها لا تملك
أن تفكّر في دفع مضرّة ولا في اجتلاب منفعة لأنّها عاجزة، من جهة. ومن جهة أخرى
لأنّها لا تريد. هي في مأزق يزيد استحكاما عليها. مأزقها في أنّها لا تستطيع أن
تناديَ بديمقراطية تستفيد منها حركة النهضة أو تعيديها إلى الواجهة. لذلك فهي تمعن
في الهروب. وهروبها يزيدها بعدا ويزيد الحلّ استعصاءً.
5 ـ كان يمكن النخبةَ أن تحسن قراءة حدث 25
جويلية لتستفيد من قراءتها وتعود إلى رشدها الوطنيّ وتفيد البلاد. ولكنّها اختارت
استقالة عقلها. فهي بين أمرين لم يعد لها من حضور في أحدهما: بين ديمقراطية
يتصدّرها "التيّار الدينيّ الرجعيّ الظلاميّ" بسبب شعب لا يريد أن
يفهمها ليحسن الاختيار. وبين لا ديمقراطية تتراجع فيها هي إلى الوراء إلى درجة
الاختفاء. الديمقراطية تبيح الثرثرة وهي لا تنتج غير ثرثرة.
لمّا فشلوا في إقناع الشعب بأطروحاتهم
انحازوا إلى قوى الدولة الصلبة ضدّه فعقروا الديمقراطية طمعا في أن ينفردوا
بالدولة.
أمام هذه الأوضاع لم يعد من أمل في أن
يلتقيَ فرقاء يقرأون كتاب الديمقراطية قراءات لا ديمقراطيّة. وحتّى إذا خرجوا
للاحتجاج على الأوضاع كانوا حريصين على "صفائهم الطائفيّ". النعرات
الطائفيّة كانت، دائما، عقبة في طريق الديمقراطيّة. ولكنّ هذه "النخبة"
لا ترى في الديمقراطية غير طائفيّة ويحلو لها احتكارها ونفيها عن غيرها.. فهم
وحدهم هو الديمقراطيّون. عقيدتهم تقوم على النفي وفكرتهم تنكر الصراع. الصراع
والجدل لا يعرفونهما إلّا في صفحات الكتب. التقدّم، لديهم، عقيدة. ولكنّهم في
خطابهم وفي سلوكهم دوغمائيّون لا يتقدّمون.
ما دام هؤلاء قد اختاروا، بمحض إرادتهم
وبكامل وعيهم، أن يكونوا هم المشكل فلم يعد من الممكن أن يكونوا شركاء في أيّ حلّ.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.