"معركة الاستقلال" وهم الاستقلال.. لماذا تفشل الدول قبل أن تبدأ؟ (2)

محمد زويل
"الدول لا تُبنى بسرعة والاستقلال لا يتحقق في سنوات قليلة"- جيتي
"الدول لا تُبنى بسرعة والاستقلال لا يتحقق في سنوات قليلة"- جيتي
شارك الخبر
في كل مرحلة اضطراب دولي، يعود خطاب الاستقلال إلى الواجهة وتتصاعد الدعوات، وتُرفع الشعارات، وتُطرح الأسئلة الكبرى: هل يمكن لدولة ما أن تتحرر من التبعية؟ أن تملك قرارها؟ أن تصبح قوة إقليمية مستقلة؟

لكن المشكلة لا تبدأ من صعوبة الطريق، بل من وهْم الفهم، فكثير من الدول لا تفشل لأنها حاولت ولم تنجح بل لأنها لم تفهم أصلا ما الذي تحاول بناءه.

الخطأ الأول: الاعتقاد أن الاستقلال قرار سياسي

أخطر وهم في هذا الملف هو تصور أن الاستقلال يمكن أن يُتخذ بقرار كأن تعلن دولة ما تغيير بوصلتها، فتتحول تلقائيا إلى لاعب مستقل الحقيقة مختلفة تماما فالاستقلال ليس قرارا بل نتيجة.. نتيجة لتراكم طويل من: القوة الاقتصادية، والتماسك الداخلي، والقدرة على الردع، وإدارة العلاقات الدولية. الدول التي تبدأ من القرار قبل البناء تدخل مباشرة في مرحلة الصدام، دون أن تمتلك أدوات الصمود.

الخطأ الثاني: القفز على الواقع الداخلي

لا توجد قوة خارجية أقوى من ضعف الداخل؛ هذه ليست عبارة إنشائية بل قانون استراتيجي، فالدول المنقسمة سياسيا واجتماعيا أو مؤسسيا لا يمكنها أن تبني استقلالا حقيقيا، لأنها ببساطة مفتوحة للاختراق، فكل مشروع استقلالي لا يبدأ بإعادة بناء الداخل، ينتهي بأن يتحول إلى عبء على الدولة بدل أن يكون مشروع خلاص.

الخطأ الثالث: سوء فهم النظام الدولي

العالم ليس ساحة مفتوحة للجميع، بل هو نظام معقد تحكمه توازنات دقيقة أي دولة تحاول الخروج من موقعها التقليدي تدخل فورا في دائرة ثلاثية لا مفر منها: مراقبة واحتواء وإعاقة، والسؤال هنا ليس: هل سيحدث ذلك؟ بل: هل الدولة مستعدة له؟

الخطأ الرابع: الخلط بين الاستقلال والعزلة

بعض الدول تظن أن طريق الاستقلال يبدأ بقطع العلاقات أو بالتصعيد مع القوى الكبرى، وهذا أحد أسرع الطرق للفشل الاستقلال الحقيقي لا يعني الانسحاب من العالم بل يعني إعادة تعريف العلاقة معه: أن تتعامل دون أن تُدار، أن تتحالف دون أن تتبع، أن تنفتح دون أن تذوب.

الخطأ الخامس: تجاهل عامل الزمن

الدول لا تُبنى بسرعة والاستقلال لا يتحقق في سنوات قليلة، فكل محاولة "سريعة" لبناء قوة مستقلة تنتهي غالبا بأحد سيناريوهين: صدام غير محسوب أو تراجع تحت الضغط، فالزمن ليس عاملا مساعدا فقط بل هو جزء من معادلة القوة نفسها.

إذن.. لماذا تفشل الدول؟ لأنها تبدأ من المكان الخطأ؛ تبدأ من الخطاب بدل البناء -القرار بدل القدرة- الخارج بدل الداخل فتدخل المعركة قبل أن تمتلك أدواتها.

الرسالة الأهم: الاستقلال ليس حقا بل قدرة في عالم اليوم. لا أحد يمنح الاستقلال لأحد، ولا توجد قوة كبرى تنتظر صعود منافس جديد.. الاستقلال يُبنى ثم يُفرض، ومن لا يمتلك أدوات فرضه سيظل يتحرك داخل حدود مرسومة له، حتى لو ظن أنه تجاوزها.. فالطريق إلى القوة الإقليمية المستقلة لا يبدأ من السياسة بل من إعادة بناء الدولة نفسها، وكل دولة تتجاهل هذه الحقيقة ستظل تدور في حلقة مفرغة تحلم بالاستقلال.. دون أن تقترب منه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)