كيف تفكك الدول؟ هندسة الخراب في العالم العربي

محمد زويل
"مع أول أزمة يصبح الانفجار مسألة وقت"- جيتي
"مع أول أزمة يصبح الانفجار مسألة وقت"- جيتي
شارك الخبر
لم يعد تفكك بعض الدول العربية حدثا مفاجئا أو استثناء في مسار التاريخ بل بات نمطا متكررا يُدار بعناية، ويُعاد إنتاجه بأدوات مختلفة. السؤال لم يعد: هل يحدث التفكك؟ بل: كيف يحدث؟ ومن المستفيد؟ ولماذا يتكرر بنفس السيناريو؟

الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح؛ هي أن ما جرى ويجري في المنطقة العربية ليس مجرد سلسلة أزمات متفرقة، بل هو أقرب إلى عملية منظمة لإعادة تشكيل المجال العربي، تُدار عبر تفاعل معقد بين ضعف داخلي واستثمار خارجي.

من الدولة إلى الساحة

الدولة في مفهومها الحديث ليست مجرد حدود وجيش، بل منظومة متكاملة من المؤسسات والهوية والشرعية حين تضعف هذه العناصر تتحول الدولة تدريجيا من "فاعل" إلى "ساحة تتحرك" فيها أدوات التفكيك في هذه اللحظة تحديدا تبدأ عملية التفكيك.

لا يمكن لأي قوة خارجية أن تفكك مجتمعا متماسكا، لذلك تبدأ عملية التفكيك دائما من الداخل عبر تفكيك الهوية الجامعة

الدولة الضعيفة مؤسسيا لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء: فتتراجع قدرتها على الضبط وتفقد ثقة مواطنيها وتصبح قراراتها مرهونة بضغوط داخلية وخارجية، وهنا تتحول من كيان يحمي نفسه إلى كيان يحتاج من يحميه.

الانقسام.. البوابة الذهبية للتفكيك

لا يمكن لأي قوة خارجية أن تفكك مجتمعا متماسكا، لذلك تبدأ عملية التفكيك دائما من الداخل عبر تفكيك الهوية الجامعة؛ حين تتحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات وجودية (طائفية، عرقية، أيديولوجية) ويتحول المجتمع إلى جزر متناحرة.

ومع أول أزمة يصبح الانفجار مسألة وقت.. في هذه المرحلة لا يعود السؤال: كيف نحمي الدولة؟ بل يتحول إلى: من يحكم؟ ومن يقصي من؟ وهنا تكون الدولة قد دخلت فعليا في مسار التفكك.

النخب.. حين تتحول من حل إلى أزمة؟

في لحظات التحول الكبرى تلعب النخب دورا حاسما كن في كثير من الحالات العربية تحولت النخب من رافعة للاستقرار إلى عامل تسريع للانهيار بأن تكون نخب بلا رؤية استراتيجية، منشغلة بالصراع على السلطة، أو مرتبطة بأجندات خارجية، لا تبني دولا بل تُسهم (عن قصد أو دون قصد) في تفكيكه. الأسوأ من ذلك أن بعض النخب باتت ترى في الخارج حليفا للوصول إلى الداخل لا تهديدا يجب تحييده.

حين يتدخل الخارج

هنا يبدأ الفصل الأكثر وضوحا، فالقوى الدولية لا تُفكك الدول من فراغ لكنها تُحسن استثمار لحظات الضعف فتدعم أطرافا، وتُغذي صراعات، وتُعيد هندسة موازين القوى، وتدخل مباشرة أو عبر وكلاء حين تنضج الظروف.

وليس جديدا أن تعود جذور هذا النمط إلى لحظة تاريخية مفصلية مثل اتفاقية سايكس بيكو، التي رسمت خرائط المنطقة دون اعتبار لتوازناتها الاجتماعية، فوضعت بذور هشاشة بنيوية استمرت لعقود لكن ما نشهده اليوم هو نسخة أكثر تطورا فهو تفكيك لا يعتمد على الجيوش فقط، بل على الإعلام، والاقتصاد، والسرديات، والحروب بالوكالة.

إدارة التفكك لا المواجهة

أحد أخطر التحولات في المنطقة هو الانتقال من "حروب الجيوش" إلى إدارة التفكك، إذ لم يعد الهدف دائما إسقاط دولة دفعة واحدة بل إبقاؤها ضعيفة، منشغلة بصراعاتها الداخلية، وغير قادرة على التماسك أو التأثير. في هذه الحالة، تتحول الدولة إلى عبء على نفسها، وتصبح تكلفة بقائها متماسكة أعلى من تكلفة تفككها.

معركة الوعي الغائبة
تبقى الأزمة الأعمق هي أزمة وعي، فكثير من المجتمعات لا تدرك طبيعة ما يحدث، فتتعامل مع التفكك كأحداث منفصلة، لا كجزء من مسار استراتيجي متكامل

ورغم كل ما سبق، تبقى الأزمة الأعمق هي أزمة وعي، فكثير من المجتمعات لا تدرك طبيعة ما يحدث، فتتعامل مع التفكك كأحداث منفصلة، لا كجزء من مسار استراتيجي متكامل، فتُفسر الأزمات تفسيرا جزئيا، وتبحث عن حلول آنية، بينما المشكلة في جوهرها بنيوية وهنا تحديدا تتجلى خطورة ما يمكن تسميته بـ: "فجوة الوعي الاستراتيجي".

التفكك ليس قدرا

تفكيك الدول لا يحدث صدفة، لكنه أيضا ليس حتميا، فالحقيقة الصارمة هي: لا يمكن تفكيك أي دولة من الخارج ما لم تُفكك من الداخل أولا.

إعادة بناء المنطقة لا تبدأ من السياسة فقط، بل من:

- إرادة سياسية حقيقية من الأنظمة العربية.

- إعادة بناء الوعي.

- احياء الهوية.

- تقوية المؤسسات وتفعيل دورها.

- إنتاج نخب تدرك أن بقاء الدولة مقدم على صراع السلطة.

دون ذلك، ستظل المنطقة تدور في نفس الحلقة؛ أزمات.. فوضى.. تدخل.. ثم إعادة إنتاج التفكك بصيغة جديدة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)