الحرب النفسية التي لا تجعلنا ننهزم أبدا!

محمد ثابت
"تغنى الإعلام المصري خلال أيام الحرب بانتصارات وهمية، وأفاقت الشعوب العربية على الخزي البالغ"
"تغنى الإعلام المصري خلال أيام الحرب بانتصارات وهمية، وأفاقت الشعوب العربية على الخزي البالغ"
شارك الخبر
يقول الأمريكي مايلز كوبلاند في كتابه "لعبة الأمم" إنهم يعقدون مجالس تقارب مجالس أكابر أعدائهم، بل يأتون بشخص ويعرضونه لكل الظروف المعيشية التي يتعرض لها عدوهم هذا، حتى ليلبس ثيابا مثل ثيابه؛ ويعيش شبه حياته ثم يقولون له: ماذا كنت ستتخذ من قرارات لو فعلنا بك كذا أو كذا؟! ومن هنا لما حدَّث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في عام 1956م كوبلاند عن قراره تأميم قناة السويس رد الأخير بأنه اتخذ القرار نيابة عنه منذ أشهر، فقد كان كوبلاند يتقمص حياة عبد الناصر. وسواء أكان فيما رواه كوبلاند مبالغة أم أنه عين الحقيقة، فإننا لا نختلف حول دراسة الغرب الشديدة نفسياتنا كعرب ومسلمين، ومن هنا ينجح في التعامل معنا حتى بأوقات الحروب، ويحصل على أغلب مبتغاه غالبا؛ إلا أن يشاء الله تعالى أمرا.

بعد هزيمة 1967م المُدُّوية التي اقتطع العدو الصهيوني على إثرها أجزاء عزيزة جدا من فلسطين خاصة القدس؛ بالإضافة لسيناء والجولان وأجزاء من الأردن، وبعدما تغنى الإعلام المصري خلال أيام الحرب بانتصارات وهمية، وأفاقت الشعوب العربية على الخزي البالغ، عقبها وقف عبد الناصر يقول بملء فيه: إن العدو لم ينتصر لأننا ما زلنا معا، فقد أراد أن يعزل أو يميت عبد الناصر؛ وعبد الناصر حي ويحكم. وفسّر القول كاتبه الأثير المقرب محمد حسنين هيكل القول بأن سيناء حفنة رمال، ونحن لا يهمنا سوى الرجال الذين يمثلهم جمال!

إننا كعرب بعامة بدرجات نحب أن نظل منتصرين، وإن كان موقفنا الحضاري بالغ الإيلام، وإن أعداءنا لا يقصرون معنا في إعطائنا جرعات الهزيمة المُركزة وأبرزها إشعارنا بالنصر إعلاميا، ثم تركنا استعدادا لأبجديات معركة جديدة، يشعرنا من خلالها بنصر جديد حتى يأخذ بعضا مما يريد:

1- كيف استتب لدينا أن خلافاتنا مع الأقوياء -مهما علا موقعهم- أساسها إعلامي في المقام الأعلى؟ ففي حين يسيطر الآخرون حتى داخل مصر منذ سنوات -مثلا- على المقدرات الكبرى، نظل نردد أننا سنأتي بمن يتكلمون بشكل خارق لنكسر "الحاجز النفسي" لدى الشعب المقهور، وبذا سننتصر؛ وكيف لا ننتبه إلى أننا نمعن في هزيمة أنفسنا داخليا بهذا النحو، كما يفعل الظلمة بنا خارجيا، عوضا على زيادة مأساة آلاف جدد!

2- ينسب لأبي الطيب المتنبي قوله في هذا الحال بوضوح:

بذا قضت الأيام ما بين أهلها    مصائب قوم عند قوم فوائد

فلم يُسمِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما حدث بغزوة أحد انتصارا أبدا، رغم انتصار المسلمين في البداية لولا التفاف سيدنا خالد بن الوليد -قبل إسلامه- على الجيش المسلم، ثم خروج الرسول العظيم بالجيش الذي حضر المعركة لـ"حمراء الأسد" عقب المعركة الأولى مباشرة لإعلان أنها جولة من حربه ضد قريش وليست النهاية؛ فكيف نقنع أنفسنا بأننا منتصرون دائما، وننبذ حتى الهدي النبوي، ونستقطب مَنْ يُفهم الناس العكس فتزداد المأساة؟!

3- "الأخلاق لا تحكم"؛ مقولة للراحل الأديب نجيب محفوظ وتلك وجهة نظره، ولكن يخلط بعض القوم -إن لم يكن أكثر- بين السياسة والأخلاق، فيروحون عائبين على النظام المصري -مثلا- مخالفته للمبادئ، ولا يدري المرء كيف سلموا للنظام بموافقته الأخلاقية؟ ومن جانب آخر أصيل فقد كان الرسول العظيم يراعي البعد الأخلاقي بجميع حياته حتى في الحروب، لكنه كان يفعل هذا إما من منطلق العمل الدائب لبناء أمة، والسعي أو العمل، وبالتالي والسعي والانتصار! وحين نتبع الرسول العظيم يجب أن تكون محاولة بنائنا مخلصة.

4- يحرص الغرب على ترك مساحة خاصة بنا للشعور بالزهو بالنفس لكيلا لا يجمع علينا الهزيمة بميدان الحياة والأنفس، ولو شئنا التدقيق لما ارتضينا بما يريده لنا أبدا، ففيما كان الرئيس العراقي الراحل يخرج من الحكم تمهيدا لخروجه من الحياة كان الغرب يحاول إقناعنا بأنه منتصر، وهكذا في جميع المعارك التي يخوضها الغرب معنا!

5- إذا كنت لا تقبل تلمّس موضع قديم مواقفك لمعرفة أين وصلت بالتحديد؟ فكيف ستغير من موقعك الحضاري وتستعد لغد؟

6- عندما يكون جزء -على الأقل- من مصلحي الأمة يريد مباشرة القفز من الفوز في صناديق الانتخابات للحكم الدائم دون مراعاة للتأهل السياسي الذي لا يكفي فيه أن يراك الناس أفضل من غيرك، بل بالتفكير والتدقيق والعمل الجاد لنهضة النفس، والتضحية في سبيل الوصول لما تحب الأمة، ومن قبل الله.. فكيف سنتغير؟

7- كان الرسول العظيم معززا بنصر إلهي ورغم هذا لم يكن ينتقص من قيمة الأسباب، ومنها مشورة أصحابه والنزول على أفضلها في المجالات الخطيرة خاصة الحروب، فما بال كثير من قومنا يريدون فرض نصر الله لهم دون خوض نفس مسيرة رسولهم العظيم؟!

8- كيف يمكن أن تستكين الأمة إلى أن الغرب يمكنه أن يأكل جزءا منها ويسالم بقيتها بنفس التوقيت؟ وكيف لا نُسقط خلافاتنا على عمقها وقت حروب الغرب الذي يساوي عدوا مع بعضنا؟ يشهد التاريخ أن قوى مثل التتار وغيرهم لما التهموا الشام لم يتركوا مصر، فلماذا لا نعي ولا ندقق والواقع أمامنا يشرح هذا بوضوح مرعب؟!

9- متى نستسلم لفكرة: "أن ليس كل ما يريحنا هو الصواب؟!".


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)