1 ـ يأبى الحلف الصهيو ـ أمريكي إلّا أن
يجعل من
حربه على
إيران حربا دينيّة كما لو أنّها، فعلًا، حملة جديدة من الحملات
الصليبيّة كما قال وزير الحرب الأمريكيّ.
لقد عمل الغرب الإنجيلي على تجريد العرب من
ثروتهم الروحيّة مثلما فعل بثرواتهم الأخرى، عندما أوهمهم بأنّ التقدّم يمرّ حتمًا
بنبذ الدين، وعلّمهم أنّ الدين ليس أكثر من أفيون أو صرخة مقهور تضيع في الفراغ،
ولا فائدة تجنى منها. وعليه، فمن أراد أن يتقدّم فما عليه إلّا أن يقطعه وينقطع
عنه ويقطع معه.
2 ـ لستَ في حاجة إلى أن تكون متديّنا لترى
ذلك ولتفهم أنّ حركة الاستشراق كانت مقدّمة للحملات الاستعماريّة الأوروبيّة على
النطاق العربيّ الإسلاميّ.
كان من جهود تلك الحركة أنّها قرأت دين
الإسلام بأدواتها وعملت على تفكيكه بآلاتها. وكان من نجاحها أنّها اخترقت عقولنا
لنرى أنفسنا بمراياها التي وضعتها لنا. وصرنا نتّخذ التنوير الأوروبّيّ مرجعا لنا
نأتيه مضطرّين لنحتكم إليه.
أوروبّا الحديثة وارثة العنف الدينيّ هي التي علّمت الإنسانيّة المعاصرة كلّ هذا العنف الدمويّ. لا يكتفون بعنفهم المستشري بل يخلطونه بالتزييف عندما يتّهمون غيرهم بالعنف ويحتكرون خطاب حقوق الإنسان ونبذ العنف.. كما لو أنّ التاريخ يبدأ لحظةَ انتباههم إلى تلك الحقوق.
غير أنّ هذه الحروب التي جاؤوا بها إلى
أرضنا لنكون نحن وقودَها وأدواتِها وضحاياها لم تكن غير حروب مقدّسة لتنفيذ وعود
قرأوها في التوراة وفي الإنجيل.
أوروبّا الحديثة وارثة العنف الدينيّ هي
التي علّمت الإنسانيّة المعاصرة كلّ هذا العنف الدمويّ. لا يكتفون بعنفهم المستشري
بل يخلطونه بالتزييف عندما يتّهمون غيرهم بالعنف ويحتكرون خطاب حقوق الإنسان ونبذ
العنف.. كما لو أنّ التاريخ يبدأ لحظةَ انتباههم إلى تلك الحقوق.
3 ـ بوسعك أن تتبنّى رؤية لا دينيّة جذريّة،
ولكنّ ذلك لا يمنعك من أن ترى كيف يستعمل الأعداء نظرتهم الدينيّة الخلاصيّة
لمحاربة ما يفترضون فيه دينك. أنت في نظرهم منتسب، رغم أنفك، إلى الدين الذي
يستعملون كلّ آلة لمحاربته كما كان يفعل الصليبيّون في حملاتهم. بهذا المعنى لا
يمكن للدين إلّا أن يكون شأنا جماعيّا، لا كما أوهموك بأنّه علاقة خاصّة بين
الإنسان وبين الإله. الدين الذي تخاض به الحرب بعيدٌ عن أن يكون شأنا فرديًّا.
يمكنك أن تتوهّم أنّك شيوعيّ، مثلا، ترفض
الدين من أساسه. ولكنّك في أعين هؤلاء الغربيين لن تكون غير مسلم منخرط في حرب
وجوديّة معهم، وجب عليهم إبادتُك مهما أظهرتَ من ولائك لهم ومهما تمسّحتَ على
أعتابهم.
4 ـ يعلم الغرب أنّ التاريخ توجّهه الحروب
وأنّ أعظم حروبه هي تلك التي يسمّيها مقدّسة لاصطباغها بالدين. بينما لا تزال بعض نخبنا العربيّة تعيش على
أوهامها. منذ أن اصطدمت بمنتجات الحداثة الغربية الفكرية وهي تصرّ على أن تكون
ملَكيّة أكثر من الملك.. تتمسّك بأدبيّات تخلّى واضعوها عنها.. وتقرأ نصوصا صارت
من الأرشيف.
يمثّل جوزيف ستالين، لدى الشيوعيّين في تونس
آخر "الأئمّة المنتجَبين". لذلك فقد حكموا على حكّام الاتحاد السوفياتي الذين جاؤوا من بعده بأنّهم تحريفيّون.
وذلك يعني أنّهم قد انحرفوا بفهمهم عن متون النصوص الماركسية اللينينيّة. في الوقت
نفسه كانوا يرون في جمهورية ألبانيا أنور خوجة أكثر دول المجال الأوربّي تخلّفا،
كانوا يرون فيها أنموذجهم الفريد المبشّر بالمجتمع الشيوعيّ اللا طبقيّ.. وما
دونها كان تحريفا للنصوص الماركسيّة اللينينيّة المقدّسة.
5 ـ الأصولية تفرض على هؤلاء الانغلاق داخل
النصوص الأولى ولو حال ذلك دون التقدّم. يكفيك أن تقول عن نفسك تقدّميا لتشبع من
التقدّم.. وتكتفيَ. لقد فضّلوا أن يستوردوا الأنموذج الألبانيّ "الأصولي"
المتخلّف وزهدوا في الأنموذج السوفياتي التحريفيّ، وذلك لأنّهم يتعاملون مع النصوص
الماركسية تعاملا تقديسيّا.. والحال أنّهم لا يملكون حجّة يدعمون بها موقفهم غير
قراءتهم هم لتلك النصوص التي تلقّوها عبر سلسلة من الترجمات. بذلك فإنّهم لم يكونوا
أكثر من هامش على متن أفسدته الترجمات وضيّعته السياقات حتّى صار المتن ذاته
هامشا. مقدّسهم هامش ولكنّهم يصرّون عليه كما لو كان هو المتنَ والأصلَ.
الحداثة الغربية أطردت الدين في دول الأطراف لتستأثر به في المركز وتجعل منه سببا من أسباب قوّتها. بينما بقيت النخب العربية في التسلّل عندما جعلت إنكار الدين عقيدة بديلة لها وشرطا "مقدّسا" للتقدّم.
في علاقتهم بالدين وقف هؤلاء عند مقولة
الدين أفيون الشعوب فجعلوا بينهم وبين الدين جدارا مثل جدار برلين. حرصهم على
الإفاقة جعلهم يدفعون الأفيون عنهم، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء بناء قراءة للدين
تخرج بهم من مقام المستهلك الذي اطمأنّوا إليه. لقد كفّت عقولهم عن كلّ نشاط.. فما
أفلحوا في دين ولا في دنيا.
6 ـ أخذ التاريخ مساره وجرت في نهره مياه
متلاطمة وبقي رفاقنا متحصّنين داخل قوقعتهم مخافة أن يتلف عقولَهم الأفيونُ.
يتغاضى هؤلاء عمّا فعله ستالين لمجابهة الغزو الألمانيّ في الحرب العالميّة
الثانية. قد لا يعتدّ المؤرخون بما روته ابنته سفيتلانا ستالين من ذهاب والدها إلى
الكنيسة في لحظة بلغ فيها إحساسُه بالحرج مبلغه، ولكنّ ما هو ثابت تاريخيّا أنّ
الزعيم السوفييتي عمد في أثناء الحرب إلى تخفيف القيود على الكنيسة الأرثوذكسية وأعاد
فتح بعض الكنائس وسمح بانتخاب بطريرك واستعملت أجهزته خطابا دينيا لتحفيز الشعب.
الشيوعيون في تونس أكثر راديكالية من ستالين
في موقفهم من الدين. ولو أنّهم عاصروه لربّما اتّهموه بأنّه تحريفيّ ولأخرجوه من
ملّة الماركسية اللينيّة.
7 ـ الحداثة الغربية أطردت الدين في دول
الأطراف لتستأثر به في المركز وتجعل منه سببا من أسباب قوّتها. بينما بقيت النخب
العربية في التسلّل عندما جعلت إنكار الدين عقيدة بديلة لها وشرطا
"مقدّسا" للتقدّم.
المفارقة أن يتسلّق هؤلاء، اليوم، ظهر إيران
الإسلاميّة لأنّها، فقط، تحارب الامبريالية.. والامبرياليّة لا تكون، في نظرهم،
إلا لا دينية وإن رأوها تتلو وعودها الخلاصيّة من آيات كتبها المقدّسة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.