"الانتقال" بين نوازع السلطة ومشاريع الاستبدال

بحري العرفاوي
"المجتمعات المتحضرة تحترم نتائج الانتخابات، وتتحول فيها المنافسة من تنافس على الفوز بالأصوات إلى تنافس في خدمة الناس"- CC0
"المجتمعات المتحضرة تحترم نتائج الانتخابات، وتتحول فيها المنافسة من تنافس على الفوز بالأصوات إلى تنافس في خدمة الناس"- CC0
شارك الخبر
المجتمعات المستقرة والأقربُ إلى التحضّر يحصل فيها عادة تداولٌ على السلطة بطرائق سلمية، حيث تنتخب الشعوب من يحكمها بكل حرية دون إكراه أو تدليس، ويكون الانتخاب مسبوقا في الغالب بحملاتٍ دعائية تتقدم فيها الأحزاب والشخصيات ببرامجها في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والعلاقات الخارجية وغيرها من مقتضيات الحكم، وحتى تكون تلك الانتخابات مُعبّرة فعلا عن إرادة الناس يُدعَى الجميع إلى الالتزام بقواعد أخلاقية/ قانونية أثناء الحملة حتى لا تتلوّث الديمقراطية بشراء الذّمم وبتشويه المنافسين.

تلك المجتمعات المتحضرة تحترم نتائج الانتخابات، وتتحول فيها المنافسة من تنافس على الفوز بالأصوات إلى تنافس في خدمة الناس بروح وطنية جامعة لا يختفي فيها الاختلاف ولا يتحول إلى قوّة تعطيل لمن هم في الحكم، حتى لا تضيع مصالح الناس ولا يتبدّد الزمن في الخصومات والمعارك الصغرى، ولا تُصرَفُ الطاقاتُ في ممارسة الكيد والنكاية والتحريض ولكأن السياسة حرب، ولكأن الفوز في الانتخابات هو انتصار على عدوّ يقع تحويله إلى "أسير حرب" فيُسجَنُ ويُنكّل به وبأهله وأصدقائه.

لا ينتهي حُكم في بلدان التخلف والتبعية إلا نهاية مأساوية، فإما أن تُطيح بالحاكم عاصفة شعبية وإما أن تُطيح به دوائر قريبة منه قد تكتفي بنزع السلطة منه، وقد تتجاوز ذلك نحو نزع روحه إرضاء لغريزة انتقامية كامنة لدى جمهور واسع من المظلومين

تلك المجتمعات المتحضرة لا يكون فيها الاختلاف حول من يحكم وإنما حول كيف نحكم، أي حول البرامج والطرائق، وهو ما سيحدّ من حالة الانقسام فلا يكون واسعا ولا يشهد المجتمع تشظّيا إلى عشرات أو مئات الكيانات السياسية، إنما يكون الانقسام إلى تيارين كبيرين أو ثلاثة تيارات يكون بينها التداول على الحكم تداولا هادئا محكوما بقوانين وأعراف وبقيم أخلاقية تجعل من السياسة فنا ومن الحكم مسؤولية ومن الديمقراطية تمدّنا وتحضّرا ورُقِيّا، فلا يكون الفائز حاكما لمناصريه فقط وإنما يكون خادما لجميع الناس باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق وفي الواجبات.

المجتمعات التي لم تغادر واقع التبعية والتخلف، ما زالت السياسة فيها عملا سيئا، لم تَرْقَ بعد إلى أن تكون "فنّا" أو عِلما أو عملا معقولا يَصدر عن عقل ويُفهَم بالعقل ويُحتَكم فيه إلى العقل. أليس العقل هو أعدل الأشياء قِسمة بين الناس؟ أليست قيم العدل والكرامة والحرية والمساواة قيما فِطرية لا يختلف حول حقيقتها جميع الآدميين؟ هي قيم مركوزة في فطرة الخَلق قبل أن تصير دينية أو فلسفية أو تشملها التشريعات والدساتير.

لا ينتهي حُكم في بلدان التخلف والتبعية إلا نهاية مأساوية، فإما أن تُطيح بالحاكم عاصفة شعبية وإما أن تُطيح به دوائر قريبة منه قد تكتفي بنزع السلطة منه، وقد تتجاوز ذلك نحو نزع روحه إرضاء لغريزة انتقامية كامنة لدى جمهور واسع من المظلومين والمقهورين ممن مورست عليهم السياسة بما هي تسلط وإذلال وإيذاء لا بما هي رعاية وخدمة.

في مجتمعات "البداوة السياسية" تُصبح كلمة "تداول" مفزعة لكل من هو في السلطة، إنها تُشعره بكونه سيرحل ذات يوم، بل وتُشعره بالخوف من كل من يتكلم في "التداول" يظل يتوجّس منه ويتوقع منه غدرا وتآمرا.

علاقة التوجس بين من يحكم ومن يريد أن يحكم، هي التي ستجعل المشهد غير سياسي، بل سيكون كما مرجل يزداد غليانا كلما وقع تحريكه حيث لا تتوقف فعلا عمليات التحريك من داخل ومن خارج.

مجتمعات "البداوة السياسية" تلك يخشى فيها الحاكم مفردة "التداول" ويشتغل فيها الساعون إلى الحكم على مفردة "الانتقال"، والمفردات تختلفان في الدلالة اللغوية وأيضا في مدارات التأويل بل وحتى في التأثيرات النفسية.

فالتداول فيه معنى تناوب الفاعلين على الفعل بكيفيات قد تكون مختلفة ولكن على نفس الأرضية أو في نفس السياق، سياق دولة لها سياساتها الكبرى ومخططاتها الاستراتيجية ومشاريعها المستقبلية، فهو تداول لا يُخلّ باستقرار ولا ينتقل بالسياسة من مدار إلى آخر، وهو ما يجعل عموم الناس مطمئنين نفسيا ولا يشعرون بخوف مما هو آت ولا يتوقعون تهديدا لمصالحهم ولمواطنيتهم.

أما "الانتقال" في مجتمعات "البداوة السياسة"، فهو يعني الذهاب من حالة إلى أخرى ومن مرحلة سابقة إلى مرحلة جديدة، وهذا الانتقال لا يكون إلا بإحداث قطيعة مع مرحلة سابقة، ولا تكون القطيعة إلا إدانة، ولا تكون الإدانة إلا مقدمة للمحاسبة، ولا تكون المحاسبات غالبا إلا مقدمة للانتقام والإقصاء وقطع مسالك العودة.

السياسة السيئة لا تسمح بعلاقات منطقية بين السياسيين، علاقات تنافُسٍ تحكمها الأفكار والنقد والمنافسة والاحتكام إلى إرادة الناس من خلال الصناديق الانتخابية، لا تسمح للسياسيين لا بالصبر ولا بالتواضع، فمن يحكم يريد أن يظل في السلطة، لا يقبل نقدا ولا يتواضع لحق ولا يُسلّم بتداول، ومن هم خارج الحكم يستعجلون نهاية مرحلة ويصرفون جهدهم لتحقيق الانتقال قبل إعداد البدائل، وقبل عرض المراجعات الشجاعة على الشعب وقبل تحقيق التجاوز الحقيقي للخصام والعداء، وقبل التأكد من توفر وعي مُواطني وإرادة شعبية لمواجهة أي تدخل خارجي، وقبل ضبط ميثاق أخلاقي في إدارة الاختلاف وفي ضمان جدّية التوافق من أجل الناس وقد أتعبتهم الخيباتُ، ومن أجل الوطن وقد صار مُستهدَفا في سيادته.

أسوأ ما قد يقع فيه المستعجلون على الانتقال، هو المراهنة على دعم خارجي من قوى ومنظمات تزعم إيمانا بـ"كونية الإنسان" وتدّعي انتصارا للديمقراطية، وهي لا تخفي انتصارها لأنظمة مستبدة طالما هي ضامنة لمصالحها، وهي أيضا لا تخفي مشاركتها في عمليات الإبادة في أكثر من مكان

"الاستبدال" حالة ثورية وحضارية في آن، إنها ليست مجرد حلول سلطة مكان سلطة، فذاك تبدّل شكلي لا يمسّ جوهر الحالة ولا أعماق الناس ولا بِنية الحكم، "الاستبدال" دورة حضارية يمكن أن تحصل في أمة أو في شعب حين تتوفر الشروط الكاملة لتلك الدورة، شروط ذهنية ونفسية ومادية، فلا تكفي الشعارات وخطاب التهريج لاستثارة عواطف الناس فيخرجون كما الهشيم في الشوارع مادة قابلة للاحتراق ولا يكون منها حتى رماد ناهيك عن سماد.

ذاك "الاستبدال" يستدعيه التاريخ تلقائيا حين تتوفر عوامله، ولن تتوفر تلك العوامل إلا بوضوح رؤية وبصبر ومداومة لتحقيق "التعبئة" بمفهومها المعنوي لا الكمّي، تعبئة ذهنية ونفسية حتى لا يكون الناس مجرد "جموع جمة" كما يقول الشابي، وإنما يكونون على درجة عالية من الوعي بما هم فيه وبما يريدون، فلا تختلط عليهم السبل ولا تتشابه أمامهم الرؤى ولا يحتال عليهم مخاتلون ومنقلبون، ويكونون ممتلئين بذواتهم، واثقين مُوقنين لا ينتابهم شك ولا يقربهم يأس ولا يهابون تهديدا ولا وعيدا حتى وإن كان حصارا خارجيا، فوضعية "الاستبدال" لن تكون بإشراف قوى الاستكبار ولا بدعم مؤسسات الشر.

وإن أسوأ ما قد يقع فيه المستعجلون على الانتقال، هو المراهنة على دعم خارجي من قوى ومنظمات تزعم إيمانا بـ"كونية الإنسان" وتدّعي انتصارا للديمقراطية، وهي لا تخفي انتصارها لأنظمة مستبدة طالما هي ضامنة لمصالحها، وهي أيضا لا تخفي مشاركتها في عمليات الإبادة في أكثر من مكان داخل عالمنا العربي والإسلامي، وداخل كل بلد يريد أن يكون حرا وسيدا على ثرواته كما حصل مع رئيس فنزويلا.

 x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل