هل كان وصول الإسلاميين في
تونس إلى السلطة بعد 2011 خيرا لهم وللبلاد
وانتصارا للديمقراطية، أم كان شرّا عليهم وعلى البلاد وعلى
الديمقراطية ذاتها؟
بعد تجربة حماس في غزة إثر فوزها في انتخابات 2005، تبيّن أن الديمقراطية حين
تُوصل إسلاميين إلى السلطة ستجعلهم في مرمى الاستهداف داخليا وخارجيا، خاصة إذا ما
أرادوا تطبيق "مشروعهم" وإذا ما استعصوا على "الوصفة" الدولية
التي تمنع أي كيان سياسي من الاستثمار في الديمقراطية لممارسة "السيادة"،
وللإسهام بأي شكل وبأيّ مقدار في المجهود التحرري لأمتنا من قوى الهيمنة العالمية.
كان يُنظَر للإسلاميين على أنهم تيار الهوية وعلى أنهم مناضلون وضحايا وعلى
أنهم أكثر من يربط السياسة بالأخلاق، لذلك ظلوا يمثلون حُلما مخبوءا لجمهور واسع
من الناس، ولذلك فازوا في انتخابات الربيع العربي.
حصل تشوّهٌ كبير في صورة الإسلاميين، وليس يعني عموم الناس إن كان ما قيل حقيقة أم كذبا، بل كل ما كانوا يشاهدونه أن الإسلاميين عجزوا عن حماية الديمقراطية وعن ضبط الفوضى وعن معالجة أزمة اجتماعية
في مقال لي بموقع تونسنيوز سنة 2008 بعنوان "الإسلاميون وفخاخ
الديمقراطية" نبّهت إلى أن "السماح" بوصولهم إلى السلطة قد يكون فخّا
لتوريطهم في أزمات اجتماعية وأخلاقية وأمنية لن يقدروا على مواجهتها.
طيلة عشر سنوات ظل قادة
النهضة ومناضلوها يركضون خلف حُلم مستحيل، لقد فُرضت
عليهم معارك دامية في ساحات متباعدة ومتداخلة لم يقدروا فيها على شيء، بل لقد
عجزوا حتى عن إثبات براءتهم مما يُوَجّه إليهم من "شُبهات" ومن
"اتهامات"، حتى سلّموا أمرهم إلى الغيب وقالوا "حسبنا الله ونعم
الوكيل".
لقد حصل تشوّهٌ كبير في صورة الإسلاميين، وليس يعني عموم الناس إن كان ما قيل
حقيقة أم كذبا، بل كل ما كانوا يشاهدونه أن الإسلاميين عجزوا عن حماية الديمقراطية
وعن ضبط الفوضى وعن معالجة أزمة اجتماعية لا تكفّ عن الاستفحال (لا يسأل الناسُ
عمن يتسببون في الأزمات إنما ينتظرون ممن يتصدّر المشهد أن يتصرف).
تهشّم "المرآة" في وجوه الإسلاميين جعل نظرتهم لأنفسهم لا تنبع من
ذواتهم التي ظلت واثقة ممتلئة، وإنما صارت تنبع من انعكاس صورتهم تلك في المرآة
المهشمة في مزاج ووعي عموم الناس.
تلك الصورة "ستسمح" بالاستفراد بهم وسَوقهم إلى السجون في انتظار
إعداد الملفات، وترك فسحة زمنية غير قصيرة يقوم فيها جزء من إعلام مؤدلج ومستعمَل
لمزيد النفخ في غضب الناس، لينتهي أولئك القادة بغير "أهل" إلا بعض
الأصوات الخافتة، بل حتى القضاةُ صاروا يخشون تبرئة من لا قرينة على تورّطه، لقد
هدّد قيس سعيد "قضاء الوظيفة" بقولته الشهيرة: "ومن يُبَرّئهم فإنه
معهم".
من تابعوا الأحكام الأخيرة في قضية ما يُعرَف إعلاميا بـ"الجهاز
السري" يلحظون أنها أحكامٌ "مُغلّظة"، وقد كتب كثيرون يعبرون عن
استغرابهم من الجمع بين "المؤبد" وعدة سنوات و"مراقبة إدارية"
على نفس الشخص.
"وصفة" التعاطي مع قادة حركة النهضة قد انتقلت من مرحلة "تهشيم المرآة" لكسر الصورة في أعين الناس إلى مرحلة "تهشيم الإرادة" لكسر ما عُرف عن أولئك الإسلاميين من اصطبار في المحن والأزمات والشدائد
في عالم السياسة، لا شيء يحدث عبثا، إنما يحصل كل شيء وفق تقديرات وتحوّطات
وحسابات يُستشار فيها ذوو اختصاصات متعددة ومنها علماء النفس. وفي معركة السلطة لا
يُحتَكم غالبا إلى منطق ولا يُنظَر في مدى معقولية الأفعال، إنما يُحتكم إلى مبدأ
"الغلبة" ويُنظَر إلى مدى اقتدار الحاكم على ضبط المشهد.
وفي رأيي، إن "وصفة" التعاطي مع قادة حركة النهضة قد انتقلت من
مرحلة "تهشيم المرآة" لكسر الصورة في أعين الناس إلى مرحلة "تهشيم
الإرادة" لكسر ما عُرف عن أولئك الإسلاميين من اصطبار في المحن والأزمات
والشدائد.
تلك الأحكام قد تكون إجراء قانونيا، وإعدادا نفسيا، تمهيدا لمحاولة عملية
"الدفن" السياسي، وقد يُراد من خلالها من أولئك القادة إما الاعتذار
وطلب العفو من الغالب، وإما الامتنان الكبير لمن "سيُسَرّحهم" ذات
انفراجة حين تُعلن تونس صراحة أنها لم تعد قادرة على تحمّل أزمة اشترك الجميع في
إنتاجها، وتحتاج معالجة بعقل بارد وبطرائق هي من مقتضيات فنون السياسة وليس من
تطبيقات نوازع الغَلبة.
وفي السياسة أيضا ثمة قانون التاريخ الذي لا يتأخر عن التجلّي؛ لا في شكل
معجزات وإنما في شكل معادلات منطقية تتأكد فيها العلاقة السببية بين المقدمات
والمآلات.
وفي السياسة أيضا ثمة جوهر "الإنسان" حين لا تطمسه الأهواء وحين لا
تكسره العواصف وحين لا يكتفي بترديد "فاقضِ ما أنت قاض"، دون تحسس
لرطوبة الجدار بحثا عن قفل الباب من حيث يتسرّب ضوء يشير إلى رحابة الحياة وجمال
الوجود واتساع الممكنات.
x.com/bahriarfaoui1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.