البلاد العربية: من الأزمات الدبلوماسية إلى الخصومات "البَيْناسِيّة"

بحري العرفاوي
"لماذا لم تتحول الأزمات الدبلوماسية إلى خصومات بين عموم الناس أي بين شعوبنا العربية؟"- موقع الجامعة العربية
"لماذا لم تتحول الأزمات الدبلوماسية إلى خصومات بين عموم الناس أي بين شعوبنا العربية؟"- موقع الجامعة العربية
شارك الخبر
منذ نشأة "دول الاستقلال" في عالمنا العربي، ظل الانقسام بينها كما لو أنه مُقَدّرٌ لا تستطيع منه فكاكا، فبعضها يدور في الفلك الغربي وبعضها مرتبط بالفلك الشرقي، بحكم وجود قطبين عالميين يتقاسمان النفوذ ويتحكمان في سياسات العالم وفي إدارة الصراعات بواسطة الوكلاء، هكذا انتهى العالم بعد الحربين العالميتين حين استوى على قانون الغَلبة.

كانت الأنظمة العربية الرسمية هي التي تتعامل مباشرة مع قيادات القطبين، كل نظام يتلقى خارطة طريقه إما من الاتحاد السوفييتي وإما من الولايات المتحدة الأمريكية، وكل ما يبدو من اختلافات في أيديولوجيات أنظمة الحكم العربية، إنما هي تعبير عن مدار التحرك لكل نظام في سياق دولي، بل حتى القضية الفلسطينية، وهي قضية الأمة، لم تكن عامل توحيد لمواقف تلك الأنظمة، بل ظل كل نظام يزعم صواب رؤيته للحل ويتهم غيره إما بالديماغوجية وإما بالعمالة، وكلما توغل العدو في مزيد من الأراضي العربية، كلما تعمّقت الأزمات الدبلوماسية بين تلك الأنظمة فيشتغل الإعلام في كل بلد يدافع عن حِكمة نظامه ويهاجم الآخرين، وقد تتطور الأزمات الدبلوماسية إلى قطع للعلاقات الرسمية وسحب للسفراء، بل وربما انفلتت الأعصاب فتحصل مواجهات بين الجيوش وتُغلق حدود بين دولتين أو أكثر.

أصبحت الأمزجة العامة حاضرة بكثافة في كل حدث وكل حديث، وأفلتت الأزمات من بين أيدي النظام الرسمي وصارت في متناول الجميع حتى صار كل حدث تترتب عنه انقسامات في الرأي العام العربي لا على قواعد ومعايير ثابتة ومشتركة، وإنما على أساس "الأهواء" والأمزجة

تلك الأزمات الدبلوماسية كان متحَكّما بمستوياتها وبتداعياتها لكونها كانت تحت "السيطرة" الرسمية، فالأنظمة هي التي تفتعلها وهي التي تتحكم في مساراتها، ولم يكن عموم الناس يتدخلون في توجيه تلك الأزمات ولا في الضغط من أجل إيجاد تسويات تجنبا للانقسام وحفاظا على مقومات وحدة الأمة العربية؛ حتى النخب الفكرية، ورغم رفعة مكانة بعضها، لم يكن لها تأثير في صنع السياسات أو منع الأزمات.

بعض الأزمات الدبلوماسية تستمر عقودا، ولكنها تظل أزمات بين الأنظمة الرسمية ولا تتحول إلى "فتنة" بين الشعوب، فثمة عوامل ثقافية ودينية وتاريخية ظلت تمثل كيمياء الأخوة العربية تمنع تحول الأزمات الدبلوماسية بين الحكومات إلى عداوات بين الشعوب.

لماذا لم تتحول الأزمات الدبلوماسية إلى خصومات بين عموم الناس أي بين شعوبنا العربية؟ هل لأن الشعوب لم تكن تُستَدعى للمشاركة في صنع السياسات الرسمية؟ هل لأن تلك الأنظمة كانت تخشى تمزّق الوشائج العاطفية بين الشعوب؟ هل لأن وسائل التعبير ومنسوب الحرية لم يكونا يسمحان للمواطن العربي بالانخراط في تلك الأزمات وبالمشاركة في الخصومات؟

بعد انهيار كل جدران التواصل بفضل الثورات المعرفية في عوالم الاتصال، صار العالم ليس فقط قرية واحدة بل "علبة كبريت" تزدحم فيها أعواد ثقاب ويرى الجميعُ الجميعَ، وتُدار كل تفاصيل الظواهر، سياسية وثقافية ودينية واقتصادية، أمام أعين الجميع، ويُتاحُ لكل فرد، بفضل تلك الوسائل، أن ينخرط بالتعبير عن "مواقفه" من كل القضايا سواء كانت صغيرة أو كبيرة.

لقد أصبحت الأمزجة العامة حاضرة بكثافة في كل حدث وكل حديث، وأفلتت الأزمات من بين أيدي النظام الرسمي وصارت في متناول الجميع حتى صار كل حدث تترتب عنه انقسامات في الرأي العام العربي لا على قواعد ومعايير ثابتة ومشتركة، وإنما على أساس "الأهواء" والأمزجة، بحيث لا يمكن معها الإحتكام إلى منطق أو إلى معايير.

كيف نتعاون في رسم خارطة سير نحو تحرر حقيقي ونحو سيادة وطنية ونحو علاقات تحتكم إلى الحق وإلى العدالة وإلى مبدأ الكرامة الإنسانية؟

انتقلنا من الأزمات الدبلوماسية إلى الخصومات "البَيْناسِيّة" أي بين الناس، إذ صار جموع الناس ومن وراء الحواسيب يخوضون معارك شرسة تُستَعمل فيها كل "الأسلحة" الممنوعة أخلاقيا والقاصرة معرفيا والمنفلتة عاطفيا، يُستَعمل السّباب والتخوين والتحقير والتكفير بما يسيء للعلاقات ويقطع صِلات الرحم وواجب الجيرة ورابط الزمالة ووفاء الصداقة، حتى صار جموع مواطني كل بلد كما لو أنهم "جالياتٌ" لدولة أخرى لها خياراتها السياسية وعلاقاتها الدولية، لقد انهار معيار الحقيقة ومعيار الوطنية وصارت الأهواء هي المُحرّك الأساسي للخصومات بين عموم الناس، بعد أن كانت الأزمات دبلوماسية بين أنظمة حكم لا تتجاوزها بسوء نحو علاقات الأخوة التاريخية بين شعوبنا العربية المسلمة.

هذه الخصومات "البَيْناسِيّة" لا تكشف فقط عن خلل ذهني أو عن أزمة أخلاقية، وإنما تكشف عن حقائق مرعبة تعبّر كلها عن نجاح الأعداء في تحويل شعوبنا إلى "جموع جمة"، أي إلى كتل بشرية لا تؤلف بينها كيمياء عَقدية أو فلسفية أو وطنية، وإلى "حقل" لهشيم قابل للاشتعال في كل حين، حيث تنساق "جموعٌ جَمّةٌ" بكل سهولة نحو كل دعوات الفوضى لا يقدر على كبحها لا عقل راجح ولا خطيبٌ رصين ولا سياسي بصير.

كيف يمكننا منع اغتيال الحقائق الكبرى؟ كيف نتعاون في رسم خارطة سير نحو تحرر حقيقي ونحو سيادة وطنية ونحو علاقات تحتكم إلى الحق وإلى العدالة وإلى مبدأ الكرامة الإنسانية؟ كيف ندافع عن المعنى الإنساني المخبوء في أعماقنا فلا نكون أدواتٍ بيدِ أحدٍ ولا أعواد ثقاب في حقول يُرادُ لها أن تكون هشيما؟

 x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل