مثلَ
الأغلب الأعم من المفاهيم السياسية وغيرها من المفاهيم المهيمنة على السجال
العمومي
التونسي بعد الثورة، عرف مفهوم "رجل الدولة" توظيفات سياسية
جعلته جزءا من الصراع الهوياتي/الأيديولوجي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي وما
بعدها. فالتوازنات السياسية بين ممثّلي المنظومة القديمة وحلفائهم في اليسار
الوظيفي من جهة وبين الأطراف الوافدة على العمل السياسي القانوني من جهة ثانية -أي
ما يسمى بالقوى الثورية والإصلاحية- كانت منذ البدء تميل واقعيا إلى الطرف الأول.
فهذا المكوّن المرتبط عضويا بالمنظومة القديمة فرض على الجميع إدارة المرحلة
التأسيسية بمنطق "استمرارية الدولة"، أي بمنطق عدم القطيعة مع الرساميل
البشرية والفكرية لنظام الحكم في مرحلتيه الدستورية والتجمعية. وهو خيار فرضه
أساسا الخوف من العمق الشعبي لحركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، فقامت أغلب
القوى "الديمقراطية" بتذويب خلافاتها التاريخية والتوحد ضد ما تعتبره
تهديدا وجوديا للمشترك الوطني "الحداثي" أو ما يُسمّى بـ"النمط
المجتمعي التونسي".
كان
اعتماد منطق استمرارية الدولة هو الباب الملكي الذي شرعن التطبيع مع
"كفاءات" المنظومة القديمة، وجعل من اللامفكر فيه استبعادهم من مراكز
القرار بصورة نسقية، بل كان هو الباب الذي دخل منه المرحوم الباجي قائد السبسي
لإدارة المرحلة التأسيسية؛ وفاءً للبورقيبية لا إيمانا بالثورة ومطالبها. فقد
اختزل المرحوم الباجي قائد السبسي شهداء الثورة في شخصين هما التجمعي المرحوم لطفي
نقّض والوطدي المرحوم شكري بلعيد، وهما شخصيتان تشتركان في معاداة النهضة والإسلام
السياسي بصفة عامة. كما أنه قد عمل على التحرك ضد منطق العدالة الانتقالية القائم
على تفكيك بنية
الفساد، فتحوّل فساد المنظومة القديمة معه من فساد بنيوي -يتعلق
ببنية النظام ذاته ومنطق تشريعاته- إلى فساد مُشخصن، وأصبحت جرائم رموز المنظومة
القديمة -خلال حكمه لمرحلة التوافق- قضايا حق عام لا قضايا سياسية، وعمل على تبييض
"رجال الدولة" في عهد المخلوع وفتحَ المجال أمامهم لإعادة التموضع
سياسيا من خلال ما يُعرف بـ"قانون المصالحة في المجال الإداري".
لم
يكن الأمر يتعلق فقط بتلبيس تكتيكي في مستوى المفاهيم، بل كان خيارا استراتيجيا
لمنظومة الاستعمار الداخلي ولحلفائها في اليسار الوظيفي بمباركة عبثية -أو على
الأقل بسلبية كبيرة- من أكبر ضحايا هذا الخيار: حركة النهضة. فخيار "استمرارية
الدولة" هو الخيار الأصلي الذي اشتُقت منه سائر الخيارات الفرعية مثل جعل
البوقيبية، وهي أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي التي قامت الثورة ضدها، وكذلك
التطبيع مع رموز الفساد في المنظومة القديمة وأعوانهم في مراكز القرار والتنفيذ
الأساسية داخل أجهزة الدولة؛ باعتبارهم "رجال دولة" لا رجال منظومة حكم
فاسدة بنيوية وتشتغل بالتناقض الجذري مع مفهوم الدولة ذاته. ولو ضربنا صفحا عن كون
"الدولة" في الفضاء العربي هي مجرد "كيان وظيفي" ثم سلّمنا
جدلا أو اعتباطا بأنها "حرة مستقلة ذات سيادة"، فهل إن ما يسميهم ورثة
المنظومة القديمة وحلفاؤهم "رجال دولة" كانوا حقا رجال دولة، أي تحكمهم
أولوية المصلحة العامة على المصلحة الشخصية والقضايا الصغرى؟ وهل كانوا يخدمون
الدولة أم يخدمون النواة الصلبة في نظام الحكم في الكيان الوظيفي الذي يُسمّى
مجازا دولةً؟
بصورة
إجمالية، يُعرّف رجل الدولة في الغرب -حيث توجد دول حقيقية ذات تراث مؤسّسي مستقر-
بأنه ذلك الشخص الذي تحكمه المصلحة العامة وله الكفاءة المطلوبة لممارسة مهامه من
موقعه داخل التراتبية الإدارية. وهو يقيَّم من خلال شرطين: أولا التمثيل، أي تمثيل
مصلحة المواطن لدى الدولة وتمثيل الدولة لدى المواطن، ثانيا، الخدمات العامة التي
يقدّمها. ونحن أمام تعريفٍ لا يمكن أن ينفصل عن الواقع السياسي، أي عن وجود رقابة
وحَوكمة وقدرة واقعية للمواطن على تغيير "رجال الدولة" متى خالفوا
انتظاراتهم المشروعة أو انقلبوا على العقد السياسي/الاجتماعي المنظّم للدولة-الأمة،
والأهم من ذلك كله وجود ثقافة مواطنية ومؤسسات تمنع أي فاشل من البقاء في موقعه
بمنطق القوة والغلبة أو بمنطق الولاء دون الكفاءة. فهل تتوفر هذه الشروط في
"رجال الدولة" التونسيين سواء قبل الثورة أو بعدها؟
لفهم
حقيقة "رجال الدولة" في تونس بعيدا عن مجازات السرديات الرسمية، يجب أن
نستحضر الإطار العام الذي يتحرك فيه هؤلاء منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا وبناء
الدولة-الأمة. بحكم غياب الديمقراطية، فإن النظام الحاكم كان هو المسؤول عن اختيار
"رجال الدولة" وتصعيدهم إلى مراكز القرار والتنفيذ الأساسية. وكان رجل
الدولة الأول -لا المواطن الأول- هو "الزعيم"، وهو الحَكَم الأوحد
والحكم الأعلى بين المتنازعين على المراكز المتقدمة في السلطة التنفيذية، بدءا من
"الوزير الأول" مرورا بكل الوزراء وكبار المسؤولين المدنيين والأمنيين
والعسكريين. وهو ما يعني أن الدولة واقعيا قد اختُزلت في "رجل دولة"
أوحد هو الرئيس. أما البقية فإن صعودهم وبقاؤهم رهينان برضا "الزعيم"
وفهمه للمصلحة العامة -وهي واقعيا مصلحة منظومة الاستعمار الجديد- ولا علاقة
لمساراتهم المهنية بالمصلحة العامة كما يتمثّلها العقل السياسي الغربي. ولذلك
كانوا أساسا "رجال الزعيم" ورجال المنظومة الحاكمة في "الكيان
الوظيفي"، ولم يكونوا يستطيعون غير ذلك مهما كان صدقهم ووطنيتهم. فالتفكير أو
التحرك خارج المعنى الذي ضبطه "الزعيم" للمصلحة الوطنية يعني نهاية
المسار المهني، وقد يعني الاتهام بالخيانة واللاوطنية.
بعد
الثورة، استمر المنطق ذاته ولكن بهندسة جديدة. فبحكم غياب المركز -أي الزعيم- أصبح
رجال الدولة -أي رجال المنظومة- رجال الأحزاب ورجال الكيانات القوية داخل المجتمع
المدني، خاصة اتحاد الشغل، بل رجال المحاور الإقليمية، خاصة محور الثورات المضادة.
وهو ما أوجد نوعا من الانسداد الإداري الذي يعكس في جوهره الأزمةَ السياسية
البنيوية وفشلَ الانتقال الديمقراطي بدءا من المرحلة التأسيسية. أما بعد غلق
"الفاصلة الديمقراطية" بإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 وهيمنة سردية "تصحيح المسار"، فإن
عودة البلاد لمنطق "الزعيم" وللنظام الرئاسوي لم تستطع أن تعيد
"رجال الدولة" للدور الوظيفي ذاته زمن المخلوع. فالولاء الخطابي للرئيس
لم يمنع هذا الأخير من اعتبار الإدارة أو السلطة التنفيذية عاملا من عوامل إفشال
مشروعه السياسي، ولذلك لم يعرف التاريخ التونسي رئيسا يهاجم أداته التنفيذية أو
رجال دولته بصورة نسقية كما يفعل الرئيس
قيس سعيد. وهو أمر يمكن أن نفسره بعدة
أسباب، لعل أهمها محاولة الرئيس التبرؤ من سوء الأداء الذي يفقده مشروعيته بصورة
متصاعدة، وكذلك يمكن تفسير العلاقة المتوترة بين الرئيس وبين "رجال
الدولة" بغياب "النخب البديلة" في تصحيح المسار، وهو ما يجعل
الرئيس يختار رجال دولته من مخزون المنظومة القديمة وحلفائها. ولا شك عندنا في أن
ذلك هو ما يدفعه إلى التوجس خيفةً من الإدارة، خاصة رجال الدولة ونسائها الذين
يختارهم هو نفسه.
إن
مفهوم "رجال الدولة" هو منتج من منتجات دولة "الاستعمار الجديد"،
أما مصاديقه فهم مجرد أدوات تنفيذ لإرادةٍ لا علاقة لها بالمصلحة العامة إلا من
منظور "الزعيم" ومن ورائه منظومة الاستعمار الداخلي. وقد نجحت هذه
المنظومة في فرض المفهوم وكأنه بداهة لا تحتاج إلا إلى التسليم الجماعي. ورغم أن
"رجال الدولة" ليسوا سياسيين يفكرون في كسب الانتخابات القادمة -خاصة في
ظل المنظومة الحالية- فإنهم أيضا لا يستطيعون -بحكم ارتهانهم لقضاياهم الصغرى- أن
يُفكروا في المصلحة العامة ولا في الأجيال القادمة كما يفعل رجل الدولة الحقيقي،
حسب اللاهوتي ورجل السياسة الأمريكي جيمس فريمان كلارك. ولا شك عندنا في أن
"مشروع التحرير الوطني" يحتاج إلى قاعدة فكرية نقدية تنطلق من تفكيك
المفاهيم المهيمنة على السجال عمومي والتعامل معها من منظور "ما بعد
استعماري"، ولا شك عندنا أيضا في أن مفهوم "رجال الدولة" هو من
أولى المفاهيم بهذا الجهد النظري.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.