تونس بين مجاز "السلطات" وحقيقة "الوظائف"

عادل بن عبد الله
"كانت الديمقراطية كانت مشروعا مؤجلا"- الأناضول
"كانت الديمقراطية كانت مشروعا مؤجلا"- الأناضول
شارك الخبر
لعل من أهم ميزات "الكيانات الوظيفية" -أي الكيانات التي تشكلت على أعين الاستعمار بوصفها تعبيرا زائفا عن الدولة-الأمة بالمفهوم الغربي- هو قدرة سردياتها التأسيسية على حجب حقيقتها، وعلى تقديم أنفسها لعموم المواطنين والمواطنات باعتبارها "دولا" متحققة بالمعاني الاصطلاحية الغربية للدولة. ولا شكّ عندنا في أن تونس لا تخرج عن هذا الإطار النظري/التاريخي العام الذي حكم الفضاء الجغرا-سياسي العربي وما زال يهيمن عليه. فالدستور الأول للجمهورية المؤرخ في غرة حزيران/ يونيو 1959 ينصّ منذ توطئته على "إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب وقوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلطات"، ثم يعرّف البلاد في فصله الأول بأنها "دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها".

إننا أمام دستور يُبشّر بالانتقال من الاستعارة الرعوية ومركزة السلطة وحكم الفرد إلى الاستعارة المواطنية وتفريق السلطات وحكم الشعب. وهو مشروع تحديثي/تغريبي طموح يعد بالقطيعة مع مظاهر التخلف والجهل المقدسّ، كما يعد ببناء جمهورية المواطنة الممأسسة وغير الخاضعة لمزاج الحاكم وللمصالح الجهوية والفئوية، ولكنه كان واقعيا يُمهّد لهيمنة الأقليات الأيديولوجية باعتبارها "النخبة" الممثلة للشعب ولإرادته/مصالحه الحقيقية. فماذا تحقق من هذا "المشروع"، خاصة في مستوى تفريق السلطات منذ الاستقلال "الصوري" عن فرنسا؟ وهل وُجدت في تونس "سلطات" حقيقية مستقلة عن السلطة التنفيذية قبل هيمنة سردية "تصحيح المسار"؟ وما هو دور منظومة الاستعمار الداخلي في منع استقلالية السلطات وفي تحويلها جميعا إلى وظائف في خدمة نواتها الصلبة في المستوى الداخلي، وخدمة المصالح المادية والرمزية لرعاتها الإقليميين والدوليين في مستوى العلاقات الخارجية اللامتكافئة؟

هل وُجدت في تونس "سلطات" حقيقية مستقلة عن السلطة التنفيذية قبل هيمنة سردية "تصحيح المسار"؟ وما هو دور منظومة الاستعمار الداخلي في منع استقلالية السلطات وفي تحويلها جميعا إلى وظائف في خدمة نواتها الصلبة في المستوى الداخلي، وخدمة المصالح المادية والرمزية لرعاتها الإقليميين والدوليين في مستوى العلاقات الخارجية اللامتكافئة؟

لفهم منطق النظام التونسي الذي أعقب مرحلة الاستعمار المباشر وأسّس لمنظومة الاستعمار الجديد، قد يكون علينا أن نذكّر بأن الدستور قد خُتم بعد ثلاثة أعوام من الأمر المتعلق بإصدار مجلة الأحوال الشخصية (13 آب/أغسطس 1956) وتوقيع "بروتوكول الاستقلال" (20 آذار/مارس 1956)، وبعد عامين من قرار إعلان الجمهورية يوم 25 تموز/يوليو 1957. إننا أمام أحداث تأسيسية مركزية لما سيُسمى لاحقا "النمط المجتمعي التونسي"، أي النمط المجتمعي الخاضع بنيويا للمصالح الرمزية والاقتصادية لفرنسا ووكلائها المحليين. وهي أحداث احتكرت فيها نخبة الاستقلال بقيادة "الزعيم" الحبيب بورقيبة تمثيلَ الإرادة الشعب دون الرجوع إليها. فوثيقة الاستقلال وملاحقها السرية ما زالت محل غموض عند الأغلب الأعم من النخب قبل عموم المواطنين، أما تزامن "الاستقلال" مع إصدار مجلة الأحوال الشخصية فهو أمر دال من جهة علاقة السلطة بالمستعمر السابق وعلاقتها بالإرادة الشعبية على حد سواء.

إن التزامن بين "الاستقلال" وبين "مجلة الأحوال الشخصية" لم يكن مجرد مصادفة، إنها رسالة سياسية لا يمكننا الجزم بأنها إملاء فرنسي ولكنا نستطيع الجزم بأنها كانت رسالة طمأنة للمستعمر أو للماضي الذي لا يمضي. كما أن تقدم إصدار المجلة على إرساء الدستور نفسه هو أمر يؤسس لعلاقة بنيوية بين "السلطة التنفيذية" الممركزة في شخص "الزعيم"، وبين باقي السلطات في مرحلتي الحكم الدستورية والتجمعية. فإرادة "الزعيم" مقدمة على كل السلطات، بل مقدمة على الإرادة الشعبية ذاتها لأنها تتحرك بمنطق التفويض المطلق والنهائي وغير القابل للمراجعة أو السحب. لقد كانت تلك المرحلة هي المرحلة التي أسست لمنطق "التحديث الفوقي" الذي تعيد فيه السلطة -أو النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي- هندسة المجتمع التونسي بدءا من الأسرة بمنطق الإكراه الذي لا علاقة له بإرادة الشعب ولا بأي شراكة من باقي السلطات أو رقابة منها.

لو أردنا تعريف "الكيان الوظيفي" تعريفا مختزلا لقلنا إنه ذلك الكيان الذي يضمن للمستعمر الغربي تحقيق أكبر ما يمكن من المصالح بأقل تكلفة ممكنة مقابلَ اعتراف "دولي" كاذب بأننا في حضرة "دولة حرة، مستقلة وذات سيادة". كما أن الكيان الوظيفي يرفع عن المستعمر الإحراجَ الأخلاقي والسياسي عن ممارسات النخب التابعة، ويضمن له تحقيق ما لم يكن في استطاعته تحقيق -أو ما لا يحتاج إليه- في مرحلة الاستعمار المباشر، مثل مجلة الأحوال الشخصية وسائر المجلات الاقتصادية. فما تسمى بنخبة الاستقلال ستتكفل بهذه الوظيفة بشرعيتي النضال والتحديث، وفي ظل دستور وقوانين هي في الحقيقة مجرد محاكاة زائفة لمعان/ مؤسسات حقيقية في الغرب، ولكن تلك المعاني والمؤسسات تحتاج إلى إلغاء نفسها والتحول إلى مجرد مجازات خارج مجالها التداولي الأصلي لضمان هيمنتها ولحماية مصالحها الاقتصادية.

بصرف النظر عن الدوافع الفردية -مثل حب الزعامة والتفرد بالحكم- فإن بنية منظومة الاستعمار الجديد أو منظومة الاستعمار الداخلي التي ستتشكل بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا كانت تمنع بصورة بنيوية وجود "السلطات" واستقلالها، كما تمنع أي احتكام حقيقي للإرادة الشعبية فيما يتعلق بالخيارات الكبرى للدولة. فعقل السلطة يتحرك ببناء تقابل جذري بين ما جاء في توطئة الدستور الأول للجمهورية، وهو ما يعني أن منظومة الاستعمار الجديد التي أسست شرعيتها نظريا على "إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب وقوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلطات" كانت محُوجة إلى "تَونسة" هذا المشروع السياسي بصورة لا يبقى فيها من مرجع المعنى الغربي إلا مقام "شُبّه لهم"، وهو مقام سيكون دور النخب الوظيفية -خاصة في اليسار الماركسي والقومي- شرعنته وكأنه حقيقة لا تقبل التشكيك.

لقد كانت الديمقراطية كانت مشروعا مؤجلا في ظل هيمنة الحزب الحاكم، وسيادة الشعب هي مجرد مجاز لتحصين إرادة "الزعيم" الذي احتكر تمثيل تلك الإرادة، وحوّل ذلك الاحتكار إلى حكم مدى الحياة؛ وقاعدة التفريق بين السلطات هي مجرد دعوى لا محصول تحتها واقعيا؛ أما "النظام السياسي المستقر" فلا يحتاج إلى أكثر من الدعاية الأيديولوجية والإكراه الأمني والحماية الخارجية، ولن يحتاج إلى التفريق بين السلطات ولا إلى الديمقراطية التمثيلية ولا إلى الإرادة الشعبية غير المزيفة والمتلاعب بها.

افتراض إمكانية استقلال السلطات عن السلطة التنفيذية هو افتراض يصادر على استقلال السلطة التنفيذية ذاتها عن منظومة الاستعمار الداخلي، تلك المنظومة التي تتحرك جوهريا ضد أي مشروع ديمقراطي حقيقي لأن مصالح مكوناتها تتعارض جذريا مع الإرادة الشعبية ومع منطق المساءلة والمحاسبة والحكومة والشفافية

إن تباكي الكثير من النخب على تحول السلطات إلى وظائف في عهد "تصحيح المسار" هو أمر يحتاج إلى نقد جذري. فهذا التباكي يفترض وجود مراحل سابقة كانت فيها السلطات (أي السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة الإعلامية باعتبارها سلطة رابعة) مستقلة عن السلطة التنفيذية منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، مرورا بمرحلة المخلوع وعشرية الانتقال الديمقراطي التي أعقبت "الثورة". وإذا كنا نعلم جيدا أن المتباكين على حال السلطات في ظل النظام الحالي لا يدّعون وجود استقلالية مطلقة للسلطات من قبل، بل يقارنون الوضع الحالي بأوضاع سابقة عرفت استقلالية جزئية لتلك السلطات، فإننا نرد على أصحاب هذا المنطق بأنهم لم يفهموا أن الاستقلالية الجزئية لم تكن مكسبا حقيقيا للسلطات، بل نتيجة تسويات مؤقتة أو توازنات ضعف بين الفاعلين الجماعيين وبين النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي. كما أننا نرد على منطق المتباكين بأن استقلال السلطات عن السلطة التنفيذية أو عدم استقلالها هو أمر يخفي إشكالية أعمق، ألا وهي استقلالية السلطة التنفيذية قبل غيرها عن النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي.

كانت كل السلطات "التنفيذية" منذ تأسيس منظومة الاستعمار الجديد دائما في خدمة السلطة الحقيقية في البلاد: النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الداخلي (المركّب المالي-الأمني-الجهوي). وهو وضع اتخذ أشكالا متباينة واحتاج إلى واجهات/سرديات سياسية مختلفة، ولكنه ظل ثابتا بنيويا في تونس وغيرها من الكيانات الوظيفية التي مسّها "الربيع العربي". ولذلك فإن افتراض إمكانية استقلال السلطات عن السلطة التنفيذية هو افتراض يصادر على استقلال السلطة التنفيذية ذاتها عن منظومة الاستعمار الداخلي، تلك المنظومة التي تتحرك جوهريا ضد أي مشروع ديمقراطي حقيقي لأن مصالح مكوناتها تتعارض جذريا مع الإرادة الشعبية ومع منطق المساءلة والمحاسبة والحكومة والشفافية. وهو ما يجعلنا نرى في أي مشروع سياسي يتحدث عن التحرر الوطني وبناء مقومات السيادة واستقلالية السلطات دون أن يضع الصراع/التناقض الرئيس في مدار العلاقة مع النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار ولسرديتها البورقيبية مجردَ مشروعٍ زائف لا هدف له إلا تأبيد وضعية "الإذلال المزدوج": إذلال الخارج لمنظومة الحكم التابعة، وإذلال منظومة الاستعمار الداخلي ونخبها الوظيفية لعموم المواطنين والمواطنات.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)