كنا
في الجزء الأول من المقال قد بسطنا القول في أهم الأكاذيب التأسيسية للسرديات
السياسية الكبرى التي حكمت
تونس منذ توقيع بروتوكول الاستقلال الصوري عن فرنسا في 20 آذار/مارس 1956،
وقد بدأنا بأكاذيب سردية الاستقلال والتحديث بمرحلتيها الدستورية والتجمعية، ثم
فككنا أكاذيب سردية التأسيس للثورة بعد هروب المخلوع في 14 كانون الثاني/يناير 2011 وانتهينا بالأكاذيب التأسيسية لسردية
"تصحيح المسار" أو "التأسيس الثوري الجديد" التي ما زالت تحكم
تونس منذ 25 تموز/يوليو 2021.
وقد أشرنا في عاقبة الجزء الأول من المقال إلى أن الأكاذيب التأسيسية لا تكتسب
فعاليتها إلا حين تسندها أكاذيب مشتقة أو فرعية تعمل على تقوية قدرتها الإقناعية،
وبالتالي توسيع قاعدتها الشعبية.
إنّ
الأكاذيب المشتقة -مثلُها في ذلك كمثل الأكاذيب التأسيسية- هي أكاذيب ذات وظيفة
مزدوجة: دفاعية وهجومية في الآن نفسه. وهي تعمل على إعادة كتابة تاريخ الأفكار
والأشخاص والكيانات، وهندسة الحاضر والمستقبل بصورة يتداخل فيها العقلاني مع
المخيالي. ولا يكون مطلوب هذه الأكاذيب المشتقة هو "الحقيقة في ذاتها"
ولا يكون عقل أصحابها عقلا حواريا بالمعنى الهابرماسي
أصبحت حركة النهضة ذاتها مجرد مؤشر كاذب على الديمقراطية التمثيلية. وهو أمر نتج عن استمراء الحركة لواقع الهوة بين التمثيل الشعبي والسيطرة على مراكز القرار، فعاشت البلاد في كذبة كبيرة أصبحت فيها حركة النهضة مجرد شاهد زور على خيارات لم يتجرأ عليها المخلوع نفسه
للكلمة، أي عقلا يؤمن بأن
الحقيقة تعقب الحوار العمومي ولا تسبقه، بل يكون عقلا يؤمن -حسب سياقات قوة السلطة
وضعف المعارضة- بأحادية الصوت/ الحقيقة ولا يجد حرجا في توظيف أجهزة الدولة -أي
أدوات القمع المادي والأيديولوجي- لفرض سرديته باعتبارها التجسيد الأوحد للحقيقة
سياسيا وللمصلحة العمومية اجتماعيا.
وسنحاول
في هذا الجزء من المقال أن نحيط بأهم الأكاذيب المشتقة في السرديات التأسيسية
الثلاث التي هندست الواقع التونسي وما زالت تفعل، سواء من موضع السلطة أو من موضع
المعارضة الراديكالية أو الموالاة النقدية.
بعد
الحصول على الاستقلال الصوري/المشروط من فرنسا، عملت الآلة الدعائية للنظام
البورقيبي على إخفاء ذلك الواقع بتكريس سردية الاستقلال التام بدءا من الدستور
ذاته. كما عملت تلك الآلة الدعائية على شرعنة سردية الدولة-الأمة بإعادة كتابة
تاريخ تونس وتحجيم الهوية العربية الإسلامية؛ باعتبارها مكوّنا تراثيا لا قداسة له
ولا مكانة تفضيلية في مكونات الهوية الجماعية التي تجد جذورها في قرطاج. كان مجاز
الاستقلال التام -أي الدولة الحرة ذات السيادة- يحتاج إلى مجاز
"الوطنية"، أي النظام الذي تجاوز المحددات التقليدية للسلطة في زمن
البايات ولم يستبدل القبلية والعروشية بالجهوية، وكان ذلك كله يحتاج إلى
"زعيم" يحتل مركز السلطة ومركز الذاكرة الجماعية على حد سواء. ولمّا
كانت "الزعامة" صناعة فقد احتاج "الزعيم" إلى الأكاذيب
المشتقة للتغطية على طبيعة منظومة الاستعمار الجديد التي قدمت نفسها لعموم
المواطنين باعتبارها منظومة التحرير والتنوير، أو منظومة "اللحاق بركب الدول
المتقدمة" لا منظومة الإذلال المزدوج وإعادة بناء شروط التبعية والتخلف
و"تَونسة" خارطة التنمية الاستعمارية.
في
عهد "الزعيم"، أصبح "الاستقلال" عملا فرديا أو على الأقل عملا
بطوليا لم يكن ليحصل لولا عقل "المجاهد الأكبر"؛ في عهد
"الزعيم" غُطّيت بنود الاستقلال وأخفيت ملحقاته السرية للتغني بالقدرات
الإقناعية لرأس السلطة بحيث أصبحت السياقات الإقليمية والدولية مجرد فائض معنى لا
قيمة له لفهم الأحداث والخيارات الكبرى للقوى الاستعمارية؛ في عهد
"الزعيم" أصبحت مغامرة بنزرت غير المدروسة عيدا للجلاء يحتفل به
التونسيون منذ 1963 يوم 15 تشرين الأول/ أكتوبر من كل سنة دون أن يكون لهم الحق في طرح السؤال التالي: هل كان
أن يضحيَ "الزعيم" بكل أولئك المدنيين الأبرياء للحصول على الجلاء
التام، بل هل كان خروج آخر جندي فرنسي من تونس يعني خروج البلاد من وضعية
الاستعمار في كل أبعاده الثقافية والتشريعية والاقتصادية.. الخ؟
كان
ثالوث الزعيم-الحزب-الوطن (على حد توصيف الراحل محمد أركون) يحتاج إلى تَونسة
المرجعية اللائكية للنظام، أي إلى توريدها على مقاسه ومقاس المصالح المادية
والرمزية لفرنسا. فالتونسيون لا يحتاجون إلى جمهورية تقبل بمبدأ التداول على
السلطة وتقطع مع عبادة الأشخاص وتوفر الشروط الفكرية والموضوعية لانبثاق
الديمقراطية التمثيلية الحقيقية، بل هم يحتاجون إلى "جملوكية" يرث فيها
"الزعيم" سلطات الباي مدى الحياة، ويعمل على تفكيك أشكال التضامن
التقليدية لبناء استعارة وطنية ليس تحتها إلا حقيقة جهوية ريعية. وكان ذلك كله
يحتاج إلى كذبة "تحرير المرأة" في ظل كيان وظيفي لا يتمثل كل مواطنيه إلا
باعتبارهم ذوات خاضعة للذكر المهيمن بالوكالة ولإملاءات الذكر الحقيقي، أي فرنسا.
كانت
منظومة الاستعمار الجديد تحتاج إلى بعض الأكاذيب المشتقة، مثل أبوّة الزعيم لكل
التونسيين دون تمييز جهوي وأيديولوجي، وعزم النظام على بناء مقومات السيادة بكل
أبعادها لا إعادة إنتاج شروط التبعية فكريا وموضوعيا، واستثنائية العقل الفردي
التونسي وتفوقه على العقل العربي والأفريقي والإسلامي، وارتباط تونس استراتيجيا
بمحيطها العربي الإسلامي وليس بالغرب، وإرساء منظومة تشريعية عقلانية تجبّ ما
قبلها من منظومة تشريعية دينية، وبناء إدارة لخدمة المواطن وليس لتنفيذ إملاءات
السلطة وحماية عائلاتها الريعية، ووجود أمن جمهوري لخدمة المواطن لا لخدمة الدولة،
ووجود نخبة وطنية تمثل الشعب وليس مجرد أقليات
أيديولوجية وقوى نوعية تستمد سطوتها
من ارتباطها بالدولة لا بالإرادة الشعبية، ووجود "رجال دولة" لا
"رجال نظام".. الخ؛ وهي أكاذيب هيمنت وما زلت تهيمن على الأغلب الأعم من
"العقول الحداثية" حتى بعد "
الثورة".
بعد
"الثورة" اجتاحت مرحلة الانتقال الديمقراطي سلاسل من الأكاذيب المشتقة
التي كانت تتحرك بصورة عامة في اتجاهين: اتجاه ارتكاسي واتجاه تقدمي. ونحن نعني
بالاتجاه الارتكاسي كل تلك الأكاذيب المشتقة التي كانت تهدف إلى العودة إلى ما قبل 14 كانون الثاني/يناير 2011 وترفض الانفتاح على المكوّن الإسلامي في الحقل السياسي القانوني. ويمكننا وصف هذا
الاتجاه بأنه ما فوق أيديولوجي، بحكم تشكله من سرديات أيديولوجية متباينة ولكنها
تشترك في رفض الإسلاميين وفي اعتبارهم العدو الأساسي لما يُسمّى بـ"النمط
المجتمعي التونسي"، أي النمط المجتمعي الفرنسي المُتونس، وهو ذلك النمط الذي
أسسته منظومة الاستعمار الداخلي في مرحلتها الدستورية وكرّسته في مرحلتها
التجمعية.
وقد
احتاج هذا الاتجاه إلى الكثير من الأكاذيب المشتقة سواء منها تلك التي أنتجتها
أجهزة الدولة وأذرعها الوظيفية زمن المخلوع (كذبة أحداث باب سويقة، كذبة مخطط
انقلاب 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987،
كذبة ارتباط الإسلاميين بالصهيونية والإمبريالية على عكس النظام
"الوطني" السيادي، كذبة وطنية نظام المخلوع وهو ما عرّضه لمؤامرة
"الربيع العبري".. الخ)، أو تلك الأكاذيب الجديدة التي صُنعت بعقول
اليساريين الوظيفيين وبدعم المنظومة القديمة ورعاتها الإقليميين والدوليين (كذبة
الجهاز السري، كذبة التسفير، كذبة التعويضات، كذبة سيطرة
النهضة لا المنظومة
القديمة على الحكم، كذبة إمكانية بناء ديمقراطية حقيقية تكون ضد الإسلاميين لا
بالشراكة معهم، كذبة أن النقابات الأمنية المسيسة والمؤدلجة هي طليعة "الأمن
الجمهوري" وليست مجرد أداة في يد الدولة العميقة، كذبة رفض المحاور الإقليمية
للتغطية على العلاقة المؤكدة بمحور الثورات المضادة، كذبة رفض التطبيع مع الارتهان
للقوى الإقليمية المطبعة والتحالف الاستراتيجي معها، كذبة وجود عائلة ديمقراطية،
كذبة استحالة تحول الإسلامي إلى ديمقراطي مع قبول ذلك في سرديات سياسية ليس في
أدبياتها ولا تواريخها ولا مواقفها قبل الثورة وبعدها ما يبرهن على ديمقراطيتها
المدّعاة.. الخ).
أما
الاتجاه التقدمي في مرحلة الانتقال الديمقراطي فهو عندنا كل تلك القوى التي آمنت
بحق الإسلاميين في العمل السياسي القانوني وباستحالة بناء ديمقراطية حقيقية إلا
معهم أو ضدهم، لكن دون الالتجاء إلى الاستراتيجيات الانقلابية والتحريض على
"البيان رقم واحد". ورغم تقدمية هذا الاتجاه الذي تحتل مركزه حركة
النهضة، فإنه قد ساهم في استراتيجيات الكذب السياسي وفي إفشال الانتقال الديمقراطي
وغلق "الفاصلة الديمقراطية". وبصرف النظر عن التبريرات التي يقدمها
النهضويون لعقلنة خيارات الحركة وجعلها من باب الضروريات أو "أفضل ما في
الإمكان"، فإن الحركة قد كذبت على التونسيين منذ المرحلة التأسيسية عندما
قدّمت نفسها باعتبارها صوت المهمشين جهويا وأيديولوجيا دون أن ترى في ذلك ما
يتناقض مع اعتبار اليسار الوظيفي وبقايا التجمع -أي الذراع الأيديولوجية لمنظومة
الاستعمار الداخلي- شركاء في بناء الانتقال الديمقراطي، بل مرجع المعنى والحَكم في
مدى وطنية الحركة وديمقراطيتها. وهو ما أخرجها من سردية الاستعلاء الايماني إلى
واقع الاستضعاف الديمقراطي.
في
واقع "الاستضعاف الديمقراطي"، أصبحت حركة النهضة ذاتها مجرد مؤشر كاذب
على الديمقراطية التمثيلية. وهو أمر نتج عن استمراء الحركة لواقع الهوة بين
التمثيل الشعبي والسيطرة على مراكز القرار، فعاشت البلاد في كذبة كبيرة أصبحت فيها
حركة النهضة مجرد شاهد زور على خيارات لم يتجرأ عليها المخلوع نفسه (تقنين جمعية
للمثليين، رفع الاحترازات على اتفاقية سيداو) وحوّلت الربيع العربي إلى ربيع
لليسار الوظيفي وورثة التجمع دون أنصار الثورة من مختلف المرجعيات الأيديولوجية.
ولعل الكذبة
الكذب المشتق أصبح أكثر من مجرد هامش من هوامش العمل السياسي. فالكذب هو مركز السرديات الكبرى المتنازعة، ولا فضل لإحدى تلك السرديات على الأخرى إلا بمقدار حاجة منظومة الاستعمار الداخلي إليها
الأعظم عند النهضويين هي أن سياسة التوافق وعدم فتح ملفات البوليس
السياسي والفشل في تغيير العقيدة الأمنية أو إصلاح الإدارة؛ كان ثمنا عادلا لتجنيب
البلاد مآلات الربيع العربي في سوريا أو مصر أو ليبيا وغيرها. وهي كذبة مشتقة من
الخيار الاستراتيجي المتمثل في التطبيع مع المنظومة القديمة وخدمة منظومة
الاستعمار الداخلي مع ادعاء معارضتها، وهو ادعاء لم تسلم منه سردية تصحيح المسار
ذاتها.
لو
أردنا اختزال سردية "تصحيح المسار" في نواتها الصلبة لقلنا إنها تلك
السردية التي تلغي الحاجة للأجسام الوظيفية اليسارية دون إلغاء الحاجة إلى خزانها
البشري وأكاذيبها المشتقة، وهي تلك السردية التي تلغي الحاجة إلى الحزب الحاكم -مثل
التجمع- مع استصحاب عقليته في عبادة الزعيم وفي سائر دواليب الدولة بمنطق الولاء
لا بمنطق الكفاءة. ولذلك لم تكن هذه السردية في حاجة إلى صناعة أكاذيبها المشتقة
الخاصة، بل كان يكفي أنصار هذه السردية توظيف الأكاذيب التي صنعها اليسار الوظيفي
خلال عشرية الانتقال الديمقراطي لضرب حركة النهضة، واستعمال بعض عناصر النقد
النهضوي لليسار الوظيفي لضرب هذا اليسار وتسفيه اعتراضات الأجسام الوسيطة -خاصة
النقابات والمنظمات المدنية- أمام الرأي العام. ولكن ذلك كله يحتاج إلى بعض
الأكاذيب المشتقة "الإيجابية"، أي تلك الأكاذيب التي تؤمثل
"الزعيم" ونظامه بعد شيطنة خصومه.
في
زمن "ما بعد الحقيقة" وسيطرة وسائل الإعلام و"كلاب الحراسة
الجدد" على حد تعبير سارج حليمي، فإن الكذب المشتق أصبح أكثر من مجرد هامش من
هوامش العمل السياسي. فالكذب هو مركز السرديات الكبرى المتنازعة، ولا فضل لإحدى
تلك السرديات على الأخرى إلا بمقدار حاجة منظومة الاستعمار الداخلي إليها. وهو وضع
نرجعه إلى طبيعة الكيانات الوظيفية -أو ما يسمى مجازا دولا مستقلة ذات سيادة- فهذه
الكيانات لا يمكن أن تستمر وأن تؤديَ الدور الموكول إليها في النظام العالمي إلا
بأكاذيب تأسيسية وأخرى مشتقة يكون هدفها خطابيا هو تحقيق انتظارات المواطنين
المشروعة، أما واقعيا فإن هدفها الأوحد هو إعادة إنتاج شروط بقاء الكيان الوظيفي
وعدم تهديد المصالح المادية والرمزية لنواته الصلبة ورعاتها الإقليميين والدوليين.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.