في البحث عن "مشروع عربي"

سيف الإسلام عيد
"لا يخفى على عاقل متبصر بأمور العرب أن هذا المشروع قد وُئد"- ويكيميديا كومنز
"لا يخفى على عاقل متبصر بأمور العرب أن هذا المشروع قد وُئد"- ويكيميديا كومنز
شارك الخبر
منذ أن بدأت الحرب على إيران (حربا الاثني عشر يوما- 2025، والأربعين يوماً- 2026)، بدأ معهما استقطاب عربي حول جدية المعركة أولاً، ثم استقطاب حول الاصطفاف مع إيران من عدمه. انتهت الحرب الأولى سريعاً باتفاق غير واضح  لم يصمد طويلاً حتى بدأت حرب إقليمية جديدة في أواخر / شباط/ فبراير من هذا العام، كانت إيران من ناحية لاعباً رئيساً فيها، واقتيدت الولايات المتحدة عبر وكيلتها في الشرق الأوسط "إسرائيل" إلى حرب انضمت إليها دول الخليج كساحة للمعركة، وثارت ثائرة النقاش مرة أخرى عن الاصطفاف العربي في هذه الحرب، بين مصطف مع إيران بوصفها مشروعا يقف أمام الهيمنة الأمريكية الصهيونية في المنطقة، وبين من يعتبر نفسه جزءاً من المشروع من في ناحية، وبين من يقف ضد المشروع الإيراني بوصفه توسعياً لا فرق بينه وبين المشروع الصهيوني والأمريكي.

ولكل وجهة نظر، تقلّبت في بعض الأحيان، وأحيلت في أحيان كثيرة إلى نقاش بعضه مفيد في طرح الآراء عن المشاريع المتنافسة، وإلى معارك كلامية خاوية يعلو الصوت فيها دون أن يكون له فعل يسنده، ودون أن يمتد إلى جوهر ما يمكن أن تصل إليه مثل هذه المعارك النقاشية، التي من الممكن أن تبدو مفيدة إذا وُجّهت دفتها إلى سؤال رئيس: أين مشروعنا؟ أين المشروع العربي؟

كان وأد المشروع العربي مباشرة في هذه المرة بأياد ورؤية عربية، رأت أن حالة الارتهان للمشاريع الكبرى أفضل بكثير من إنتاج مشروع عربي خالص قادر على المنافسة على الأقل إقليمياً

يخبرنا الواقع الذي لا مفر منه أن هناك فريقاً متصهيناً عربياً ضئيل الحجم والتمثيل، جليّ النفوذ قويّ العلاقات، متبجح في الظهور، قد برز مؤخراً يطرح نفسه في صفّ المشروع الأمريكي الصهيوني في هذه الحرب، يمدّ يده نحو الاستسلام ويعد بمظاهر تنموية ووعود خاب مسعاها مذ أعلنت مصر عام 1979 أن السلام مع إسرائيل يجلب التنمية والاستقرار، وأعلن السادات آنذاك سقوط المشروع العربي الطامح للوحدة والاتحاد أمام خطر العدو الدخيل إلى الأرض العربية، رغم ما شاب هذا المشروع من عوار؛ أكثره داخلي بسبب الميل نحو الاستبداد وإكثار السجون والمعتقلات والانشغال بتدبير المؤامرات العربية ضد العرب أنفسهم، لكنه في نهاية المطاف استُبدل بمشروع وطني آخر سقط كذلك في نهاية المطاف، فلا المشروع العربي الوحدوي قد نجح، ولا المشاريع القُطرية قد أثبتت نجاحها في تقديم نموذج جذّاب مستقل صادق الوعود.

كانت الثورات العربية أواخر عام 2010 وبداية 2011، تمثل نواة مشروع عربيّ يقوم على بناء دولة ديمقراطية تمثيلية، ومواطنة لا تفرق بين انتماءات مواطنيها، وتنادي بحرية الرأي، وتسعى لحفظ كرامة مواطنيها، ولم يكن المشروع -أعني الثورات العربية- قُطرياً بأي حال من الأحوال، إذ إن انتشاره بداية من تونس ثم مصر إلى اليمن وليبيا وسوريا في موجته الأولى مثّل مشروعاً عربياً مشتركاً، ورغبة مشتركة لدى المواطنين العرب في قيام دولتهم ذات القيم سالفة الذكر. تنبني نواة هذا المشروع في مرحلتها الأولى والتي تمت بالفعل على التخلص من الأنظمة السلطوية العربية التي تتشارك نفس الميول نحو مواطنيها، وبدا وكأنه عمل منظم بين الشعوب العربية التي ساقها التأثر مما أطلقته تونس من شرارة، ولكن التماثل في أسباب الثورات تقريباً الدافع وراء القيامة المشتركة للمواطنين العرب آنذاك، أبرزها السلطوية والفساد والطائفية والطبقية والاعتقال السياسي وتغييب الآلاف في السجون السياسية.. إلخ..

استمر مشروع الثورات العربية ينازع الظهور في موجات ثلاث: الأولى في 2010/ 2011، والثانية في السودان والجزائر عام 2019، والثالثة ضد الطائفية في لبنان والعراق أواخر 2019، ومن غير المعقول ألا نحكم عليه بأنه قد فشل في التحقق أو النجاح الجزئي، فقد بات الأمر ضرباً من التأريخ.

فلا يخفى على عاقل متبصر بأمور العرب أن هذا المشروع قد وُئد بموجاته الثلاث في مهده، وقد نختلف في أسباب فشله أو وأده، بين أسباب داخلية حالت دون إقناع النخب السياسية العربية بأنها تملك فرصة تاريخية لم تتكرر منذ مرحلة ما بعد الاستعمار منتصف القرن الماضي للاستقلال الحقيقي، وأن الثورات العربية فرصة لتأسيس حقيقي ثانٍ للدول العربية متخلصة من ارتهانها للمشاريع الغربية أو الشرقية، وأنها يجب أن تملك رؤيتها القائمة على إرثها الحضاري وثقافتها ولغتها المشتركة وإرساء دولة ديمقراطية حقيقية، بالإضافة إلى أسباب داخلية أخرى تتعلق بفقر خيال النخب العربية المصطفة مع الثورات العربية، وضعف ثقافتهم السياسية، وعلى جانب آخر احتكار المؤسسة العسكرية للحكم في مصر مثلاً، أو الحالة الطائفية في سوريا، أو القبلية في ليبيا واليمن. وأسباب خارجية أكثرها وضوحاً محور الثورات المضادة الذي سعى في تأجيج هذه الأسباب الداخلية المذكورة وغيرها مما لا يسع المجال لذكرها هنا.

كان وأد المشروع العربي مباشرة في هذه المرة بأياد ورؤية عربية، رأت أن حالة الارتهان للمشاريع الكبرى أفضل بكثير من إنتاج مشروع عربي خالص قادر على المنافسة على الأقل إقليمياً، وبدأت موجة عنيفة عام 2013 تستهدف مشروع الثورات العربية في عدة بلدان أولها مصر، وبطرائق مختلفة، وعبر ديناميات داخلية وأسباب خارجية، فاستحال مشروع الثورات العربية إلى ماضٍ تتنافس كتب التأريخ ودراسة أسباب فشل الانتقال الديمقراطي في منطقتنا؛ في دراسته والاستفادة منه.

كان السابع من أكتوبر 2023 كاشفاً لغياب أي مشروع عربي قائم، ومُبيّناً لحقيقة مفادها أن الدولة العربية بشكلها الحالي آيلة للسقوط، إذ أنها غير قادرة على التصدي لهيمنة المشروع الصهيوني، وبدا أن هذا الافتراض يثبت صحته عبر 3 سنوات لم تسعَ فيها دولة عربية لمواجهة هذه الحقيقة، ولم تقاومه سوى فواعل من دون الدولة، أي حركات مقاومة. وبحثت دول عربية عن تحالفات مع المشروع الصهيوني التوسعي دون أدنى اعتبار للخطر الداهم الناجم عن أمرين، أولهما: أنه لا يوجد مشروع عربي يستمد رؤيته مما تمتلكه هذه البقعة من الأرض من ميراث حضاري عربي وإسلامي، ويقوم على قيم جامعة وحدوية للدول العربية، ويراعي الاختلافات في أشكال أنظمة الحكم، وثانيهما: أن هذه المواجهة لا تعتبرها عدد من الدول العربية أولوية،
فوّت العرب على أنفسهم بأنفسهم فرصة قيام مشروع عربي نهضوي ديمقراطي يُنتج دولة المواطنة والاستقلالية والدستور ونبذ الطائفية، قادر على المنافسة على الأقل على المستوى الإقليمي في وجه مشروع توسعي صهيوني وآخر إيراني
ويعتبر هذا الفريق من الدول، سواء المُشكّل لمحور الثورات المضادة أو الناتج عن نجاح هذا المحور، أن ثمة أولويات أخرى غير الخطر التوسعي الداهم، مما دعاها للوقوف بشكل ضعيف أو مخيب لآمال المواطنين العرب مما حدث من إبادة جماعية في فلسطين بعد السابع من أكتوبر.

بعبارة أخرى، لم يكن هناك مشروع عربي يصطف خلفه المجادلون بشأن حرب إيران الأخيرة، ولم تسع الدول العربية لإدراك هذا النقص، ولم تقدم حتى الجماعات السياسية سواء إسلامية أو علمانية مشروعاً عربياً قادراً على اجتذاب النخب نحو المطالبة بتحقيقه، وبدا أن مشروع الثورات العربية الذي مُني بحالة الهزيمة لم تُشفَ جراحاته حتى الآن.

خلاصة ما أسعى لقوله أن حالة الاستقطاب التي تشكّلت عبر مؤيد أو معارض للمشروع الإيراني مفادها واضح، أننا لا نملك مشروعاً عربياً ديمقراطيا واقعياً ننافح عنه، ونصطف خلفه، ونسانده وندعمه في وجه المشاريع المتنافسة، وأن كل المشاريع التي حاولت تقديم نفسها في العقود الماضية على أنها مشاريع إسلامية تتعدى المشروع العربي -المنشود أو المتخيل- لم تكن واقعية بأي قدر، واصطدمت في أول عتبة تطبيقية قابلتها مما أصابها بدهشة استحالة التطبيق بالشكل المروّج له/ المتخيل، وأن المشاريع العلمانية العربية تبقى حتى الآن طيّ النقاشات بين نخبها لا بين المواطنين، وقد فشلت هي الأخرى في الخروج من مجتمعاتها الضيقة.

فوّت العرب على أنفسهم بأنفسهم فرصة قيام مشروع عربي نهضوي ديمقراطي يُنتج دولة المواطنة والاستقلالية والدستور ونبذ الطائفية، قادر على المنافسة على الأقل على المستوى الإقليمي في وجه مشروع توسعي صهيوني وآخر إيراني، هو مشروع الثورات العربية، الذي لم يُكتب له السطوع، ولم ير العرب من يومها مشروعاً تحررياً مغايراً، وربما حتى انتظار ثورات تحررية جديدة!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)