يعتبر انتزاع السلطة المالية من يد الملكية في بريطانيا بدايةً تحول النظام
السياسي من ملكية مطلقة إلى ملكية مقيدة. حدث ذلك على عهد الملك "Jean sans Terre"، حين
أُجبِر على التوقيع على "الميثاق الأعظم" (Charta Magna) عام 1215،
ليُسمح لمجلس النبلاء بمشاطرته وظيفيتي التشريع وجباية الضرائب. والحال أن مسيرة
بريطانيا نحو
الديمقراطية دُشِنت تحديداً مع هذا التغير النوعي والعميق الذي مس
بنية سياسة وتدبير الشأن العام، صحيح أن التراكم التدريجي الذي شهدته الحياة
السياسية البريطانية على امتداد القرون اللاحقة (القرن 16-19) كان مفصلياً في
تأصيل مبادئ
البرلمانية الديمقراطية، لكن تظل، مع ذلك، وثيقةُ العهد الأعظم الحلقةَ
المحورية التي كتبت أولى حروف التغيير في سجل الديمقراطية في حياة الشعب
الإنجليزي.
كرس نص "الميثاق الأعظم" فلسفةً لمفهوم
المال العام. فمن جهة،
رسم خطوط التمييز بين "الذمة المالية العامة" و"الذمة المالية
الخاصة"، وأقام فواصل بينهما، ورتب عنهما، بالضرورة، نتائج قانونية وسياسية.
كما أدخل، من جهة أخرى، ثقافة مشاركة مؤدي الضرائب في معرفة طرف مساهماتهم في
تعزيز مصادر الثروة الوطنية. والواقع أن إدخال فكرة التمييز بين "المال العام"
و"المال الخاص" في بنية الثقافة السياسية، جعل الشعب البريطاني يطور
آليات حماية المال العام، وطرق السهر على صيانته، بدءاً من المصادقة على الموازنة
العامة السنوية، وحتى تفعيل وسائل الرقابة المالية العليا الأكثر عصرية ودقة.
أن هناك ارتباطاً عميقاً بين حماية المال العام والديمقراطية. فبقدر ما تتوفر شروط الديمقراطية الفعلية ومناخ التمتع لمنافعها، بالقدر نفسه تصبح حمايةُ المال العام ممكنةً، وتتقوى سلطة البرلمان في صيانة الإنفاق العام
ففي كل النظم الديمقراطية، تتولى البرلمانات سلطات واسعة في مجال حماية
المال العام، والتأكد من حسن التصرف فيه. فهي شريك في صياغة مشروع الموازنة العامة
السنوية، من خلال الصلاحيات الدستورية ذات الشأن، حيث تُشاطر الحكومة في مناقشة
بنود الميزانية العامة والميزانيات الفرعية والقطاعية، والتداول في شأنها،
والمساهمة في تقديم تعديلات وتغييرات في الموارد العامة المرصودة، أو الزيادة في
التكاليف العمومية أو النقصان منها، أو حتى إدخال تحويرات جوهرية في مشاريع قوانين
المالية من شأنها خلق ضريبة أو رسم جديدين.
كما أن الأمر لا يتوقف عند حد تقديم اقتراحات أثناء تنفيذ مراحل المسطرة
التشريعية، بل يمكن أن يمتد ذلك إلى حين المصادقة على قوانين المالية، ودخولها حيز
التنفيذ، أي إلى ما بعد بداية سريان تنفيذ بنود السنة المالية الجديدة. فسلطة
البرلمان في مجال حماية المال العام، لا تنحصر في مشاركته في وضع الموازنة العامة
إلى جانب الحكومة، بل تتعداها إلى التأكد من مشروعية الصرف الفعلي للإنفاق العام،
من خلال العديد من المؤسسات والآليات، من قبيل "المجالس والهيئات العليا
للحسابات"، ونظيراتها الجهوية والإقليمية، وعبر تقنيات "الافتحاص" (Audit)، و"الموازنات
المفتوحة"، و"لجان تقصي الحقائق"، ناهيك عن الدور المهم الذي يلعبه
الإعلام في التنبيه إلى مظاهر التبذير، أو سوء استعمال المال العام، وهو ما يسهم
في تكوين نوع من رقابة الرأي العام.
يمكن الإقرار، دون تردد، بأن هناك ارتباطاً عميقاً بين حماية المال العام
والديمقراطية. فبقدر ما تتوفر شروط الديمقراطية الفعلية ومناخ التمتع لمنافعها،
بالقدر نفسه تصبح حمايةُ المال العام ممكنةً، وتتقوى سلطة البرلمان في صيانة
الإنفاق العام. لذلك، لا يختلف اثنان في أن واقع البرلمانات
العربية في مجال
مراقبة المال العام محدود وضعيف، وإن بدرجات مختلفة من بلد عربي إلى آخر. فمن جهة،
يبدو أن ثمة التباساً في مفهوم "المال العام" ذاته في الثقافة السياسية
العربية السائدة، حيث ما زال الفصل بينه هذا الأخير ونظيره "المال الخاص"
غير واضح بما فيه الكفاية، وتعزز أمثلة كثيرة في الممارسة رجاحةَ هذا المعطى.
يُضاف إلى ذلك أن النصوص الدستورية والقانونية، إما أنها غير واضحة وتحتمل
تعدد القراءات، وإما ناقصة وفيها ثغرات لا تسعف ممثلي الأمة في ممارسة سلطة حماية
المال العام. ومما يلاحظ في بعض البلاد العربية وجود ومؤسسات عصرية خاصة بالرقابة
المالية العليا، لكن لا تؤدي الوظائف المنوطة بها على الوجه الأكمل، لاعتبارات
كثيرة خاصة بنوعية الموارد البشرية وطبيعة القيادات القيمة عليها، وبالإمكانات
المالية واللوجستية المخولة لها.
فلو أخذنا على سبيل المثال الآليات الدستورية التقليدية ذات الصلة
بالاختصاصات المالية للمؤسسة التشريعية، للاحظنا أن جل الدساتير العربية أفردت
مقتضيات خاصة بالسلطات المالية للبرلمان، حيث يحق لممثلي الأمة المشاركة في صياغة
القوانين المالية، أي الموازنات العامة تحديداً، إما من خلال نشاطه مداخل اللجان
البرلمانية ذات الصلة،
هناك حاجة إلى رفع كفاءة البرلمانات العربية لتقوم بدورها الطبيعي في حماية المال العام وصيانة شرعية إنفاقه وصرفه. ولعل المداخل الأساسية لإنجاز هذه المهمة، في ما نرى، ترتبط أولاً بإصلاح الدساتير والتشريعات والقوانين، ومواءمتها مع المبادئ الحديثة للحكامة المالية
وإما عبر الجلسات العام المخصصة للتصويت والمصادقة، والأمر
نفسه ينسحب على الإمكانات المتاحة لهم لتشكيل لجان تقصي الحقائق، والمساءلة،
والاستجواب، والتقارير المقدمة لهم من طرف المجالس والهيئات العليا للحسابات. غير
أن ما يلاحظ أن دور البرلمان ضعيف في واقع الممارسة، لأسباب موضوعية وذاتية.
فالسائد أن السلطة التنفيذية (الحكومة تحديداً) تستفرد بالقانون المالي من
بدايته إلى نهايته، حيث يتقدم به وزير المالية كمشروع قانون، وتكون مناقشات النواب
داخل اللجان المختصة وفي الجلسات العامة محدودة، إما بسبب القوانين الدستورية
والإجرائية المقيدة لهم، أو بالنظر للتأويلات المعطاة لها ممن قبل الحكومة أو
الفضاء الدستوري. ثم إن هناك أسباباً ذات علاقة بطبيعة النخبة البرلمانية نفسها،
حيث تعوزها الخبرة والكفاءة في تدبير القضايا المالية، والمساهمة الفعالة في
صياغتها وإعدادها، والإشراف على متابعة تنفيذها. ويمكننا التأكيد على معطى آخر يحد
من قدرة البرلمانيين على ممارسة صلاحياتهم في مجال حماية المال، يتعلق الأمر بعدم
انغراس فكرة الخبرة في ثقافتهم. فمن المعروف أن البرلمانات في النظم الديمقراطية
تعتمد بشكل مركزي على بيروقراطية إدارية وفريق مميز من الخبراء وذوي المهارات
الفنية في القضايا المالية، تُسنِدها في ذلك القوانين والتشريعات التي تشدد على
أهمية الخبرة وترصد لها أموالاً للتنفيذ.
هناك حاجة إلى رفع كفاءة البرلمانات العربية لتقوم بدورها الطبيعي في حماية
المال العام وصيانة شرعية إنفاقه وصرفه. ولعل المداخل الأساسية لإنجاز هذه المهمة،
في ما نرى، ترتبط أولاً بإصلاح الدساتير والتشريعات والقوانين، ومواءمتها مع
المبادئ الحديثة للحكامة المالية. ثم إن الأمر يتطلب، علاوة على تنقيح النصوص،
استنبات ثقافة حماية المال العام وشفافية صرفه، من أعلى هرم الدولة إلى أسفل
مراتبه، والحال أن ذلك يتطلب خطوات شجاعة وجريئة من قبل النخب العربية ومجتمعاتها
على حد سواء.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.