التطور التشريعي في مصر.. لصالح مَن؟

محمد جمال حشمت
"ظل عدد التشريعات التي تنشئ ضمانات فعالة للمواطن محدوداً مقارنة بالتشريعات المنظمة لسلطات الدولة والإدارة والأمن"- الأناضول
"ظل عدد التشريعات التي تنشئ ضمانات فعالة للمواطن محدوداً مقارنة بالتشريعات المنظمة لسلطات الدولة والإدارة والأمن"- الأناضول
شارك الخبر
شاركت في اللجنة التشريعية والدستورية في البرلمان عند كنت عضوا فيه، وكان لي رأى فيها أنها جهة منفذة لما يقترح عليها من الحكومة ولم أر يوما تمريرا لقانون يحمى حق المصريين بحق، فقد كانت التشريعات كلها حكومية!

إذا نظرنا إلى التجربة التشريعية المصرية الممتدة منذ بدايات القرن التاسع عشر، فإن الصورة تبدو مركبة. فقد شهدت مصر صدور آلاف القوانين، إلا أن الجدل ظل قائماً حول السؤال الجوهري: لمن صيغت هذه القوانين؟ هل لحماية الفرد أم لحماية الدولة والسلطة؟

فالدولة الحديثة لا تقوم إلا على ركنين متكاملين: سلطة قادرة على حفظ الأمن والنظام العام، ومواطن يتمتع بحقوق مصونة لا يجوز الانتقاص منها إلا بالقدر الذي تفرضه الضرورة ووفق ضمانات قانونية وقضائية صارمة. وكلما اختل هذا التوازن، تحولت القوانين من وسائل لحماية المجتمع إلى أدوات لحماية الحاكم، ومن ضمانات للعدالة إلى وسائل للضبط والسيطرة.

ومن منظور قانوني حقوقي، يمكن تلخيص الحقيقة التشريعية في عدة محاور:
في الدول الديمقراطية يكون الأصل الفرد حر والقيود استثناء، أما في كثير من التشريعات المصرية الحديثة فقد يرى منتقدون أن التطبيق العملي جعل سلطة الإدارة هي الأصل، وحقوق المواطن تحتاج لإثبات أو إذن أو استثناء

1- تضخم التشريعات مقابل ضعف الضمانات، فقد صدرت في مصر آلاف القوانين والتعديلات خلال قرنين. في المقابل، ظل عدد التشريعات التي تنشئ ضمانات فعالة للمواطن محدوداً مقارنة بالتشريعات المنظمة لسلطات الدولة والإدارة والأمن. لذلك يصف بعض فقهاء القانون النظام التشريعي المصري بأنه "دولة قانون شكلاً، ودولة سلطة عملياً" في فترات عديدة من تاريخه.

2- السلطة التنفيذية هي المستفيد الأكبر خلال معظم الفترات، من المَلَكية إلى الجمهوريات المتعاقبة، فقد اتسعت صلاحيات السلطة التنفيذية عبر قوانين الطوارئ وقوانين التجمع والتظاهر وقوانين الصحافة والإعلام، وقوانين الأحزاب وقوانين الجمعيات الأهلية، وقوانين مكافحة الإرهاب، وأخيرا قوانين الإجراءات الجنائية التي تسمح بالحبس الاحتياطي لفترات طويلة في بعض الحالات، بينما لم تتطور بالوتيرة نفسها التشريعات المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة أو التعويض عن أخطاء السلطة.

 3- اختلال ميزان العلاقة بين المواطن والدولة؛ ففي الدول الديمقراطية يكون الأصل الفرد حر والقيود استثناء، أما في كثير من التشريعات المصرية الحديثة فقد يرى منتقدون أن التطبيق العملي جعل سلطة الإدارة هي الأصل، وحقوق المواطن تحتاج لإثبات أو إذن أو استثناء.

4- المشكلة ليست النصوص وحدها، فالدستور المصري، في أكثر من نسخة، تضمن نصوصاً واسعة عن حرية الرأي وحرية العقيدة والملكية والمساواة واستقلال القضاء. لكن الإشكال الذي يطرحه كثير من الحقوقيين يتمثل في كثرة الاستثناءات وإصدار قوانين تنفيذية تقيد بعض الحقوق، وتفاوت التطبيق العملي.

وعندما نحاول أن نبحث عن أرقام حقيقية نجد أنه يصعب إعطاء نسبة دقيقة؛ لأن ذلك يتطلب تصنيف آلاف التشريعات، لكن دراسات قانونية تشير بصورة عامة إلى أن غالبية التشريعات المصرية ذات طبيعة تنظيمية أو جنائية أو إدارية (80 في المئة تقريبا)، ونسبة صغيرة فقط تركز بصورة مباشرة على توسيع الحقوق والحريات المدنية والسياسية (20 في المئة تقريبا).

كما أن قوانين العقوبات والإجراءات الجنائية شهدت عشرات التعديلات، بينما لم يشهد قانون الإجراءات الإدارية أو قانون مسؤولية الدولة عن التعويض تطوراً مماثلاً.

مقارنة مع بعض الديمقراطيات في الدول الغربية:
التوازن بين حماية الدولة وحماية الفرد ظل في كثير من المراحل يميل لصالح توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، خاصة في التشريعات المرتبطة بالأمن والنظام العام، بينما لم تتطور الضمانات القانونية للمواطن بالسرعة نفسها

في كثير من الدول الديمقراطية توجد قوانين مستقلة تحمى حقوق الأفراد مثل:

1- قانون حرية تداول المعلومات.

2- قانون حماية البيانات الشخصية مع هيئات مستقلة قوية.

3- قوانين التعويض عن أخطاء الدولة.

4- قوانين مساءلة الشرطة.

5- قوانين حماية المبلغين عن الفساد وحماية الشهود.

6- آليات رقابة برلمانية وقضائية أكثر استقلالاً.

أما في مصر، فقد تطورت بعض المجالات، مثل حماية البيانات الشخصية، لكن يرى عدد من الباحثين أن منظومة الرقابة والضمانات المؤسسية لا تزال أقل اتساعاً من نظيراتها في كثير من الديمقراطيات.

وفي الحقيقة هذا مشروع ضخم لدراسة التشريعات في مصر خلال المائتي عام الماضية ويستحق الاهتمام من منظور حقوقي. لا يمكن القول إن التشريع المصري يهدف فقط إلى حماية السلطة، لأن المنظومة تضم أيضاً قوانين مهمة لحماية الأسرة والعمال والملكية والتعليم والصحة وغيرها، لكن يمكن القول إن التوازن بين حماية الدولة وحماية الفرد ظل في كثير من المراحل يميل لصالح توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، خاصة في التشريعات المرتبطة بالأمن والنظام العام، بينما لم تتطور الضمانات القانونية للمواطن بالسرعة نفسها.

وهذا لا يرجع إلى نصوص القوانين وحدها، بل إلى تفاعل أربعة عناصر معاً: صياغة التشريع، وطريقة تطبيقه، واستقلال القضاء، وفعالية الرقابة البرلمانية والمجتمعية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)