حين يصمت العالم الإسلامي عند استهدافه عجزا لا مفاجأة

محمد جمال حشمت
"ضعف في الفاعلية، حيث تقتصر أدوارها غالبا على إصدار بيانات لا تُترجم إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع"- إكس
"ضعف في الفاعلية، حيث تقتصر أدوارها غالبا على إصدار بيانات لا تُترجم إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع"- إكس
شارك الخبر
لم يكن العالم الإسلامي في ظرف يحتاج فيه إلى وحدة الموقف مثلما هو الآن في وقته المناسب، فهناك عدوان غاشم على دولة إسلامية بلا مبررات حقيقية بل رغبة من الأعداء في العلو والاستكبار والهيمنة، وهناك اعتداء على المسجد الأقصى الذي كان سببا في إنشاء منظمة التعاون الإسلامي التي تجمع الدول الإسلامية كلها، فلم تصَلّ فيه صلاة ولم يُرفع فيه أذان خلال شهر رمضان الماضي، ولم تصلّ فيه صلاة العيد، في الوقت الذي اجتمعت فيه الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن لإدانة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ولم تتم الدعوة لاجتماع واحد لمنظمة التعاون الإسلامي حتى الآن!! رغم كل ذلك فالحديث الأخطر لرئيس وزراء الكيان ووزير الحرب الأمريكي من استهداف كل الإسلام الشيعي والسني وحتمية قيام دولة إسرائيل الكبرى على أراضي ست دول عربية لم يهز شعرة في جسد الأمة المخدرة! فلماذا هذا الصمت وهذا السلوك الغريب الذي نراه من الدول الإسلامية التي هي محط اهتمامنا في هذا المقال؟

لم يعد صمت العالم الإسلامي تجاه الأزمات الكبرى سلوكا مفاجئا، بل أصبح نمطا متكررا يعكس خللا بنيويا عميقا في طبيعة هذا النظام الإقليمي. فبينما تتسارع دول أخرى لعقد اجتماعات طارئة دفاعا عن مصالحها، يبدو العالم الإسلامي عاجزا حتى عن الاتفاق على الحد الأدنى من التنسيق السياسي، رغم وحدة الدين وتشابه التحديات.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تقاعس ظرفي، بل نتيجة تراكمات طويلة أدت إلى تفكيك فكرة "الأمة" كفاعل سياسي، واستبدالها بدول قُطرية تتحرك وفق حساباتها الضيقة، لا وفق انتمائها الحضاري.

تفكك تدريجي لفكرة العمل الجماعي الإسلامي، وتآكل مستمر في ثقة الشعوب بهذه المؤسسات، وفتح المجال أمام قوى أخرى -رسمية وغير رسمية- لملء هذا الفراغ بطرق قد تزيد من تعقيد المشهد

- أول هذه الأسباب هو ارتهان القرار السياسي لمنظومات التحالف الدولية. كثير من الدول الإسلامية، خصوصا في مناطق حساسة، أصبحت جزءا من ترتيبات أمنية تقودها قوى كبرى، ما يجعل مواقفها مقيدة بسقف هذه التحالفات. في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب تبني موقف جماعي قد يُفسَّر كتصادم مع هذه القوى.

- ثانيا، الاستقطاب الإقليمي الحاد، خاصة بين القوى الكبرى في العالم الإسلامي، جعل أي صراع يُقرأ من زاوية النفوذ لا من زاوية الانتماء. فبدل أن يُنظر إلى أي اعتداء باعتباره تهديدا مشتركا، يتم تفسيره ضمن صراعات المحاور، ما يفقده بعده الأممي الجامع.

- ثالثا، هناك خوف عميق من الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، فكثير من الأنظمة تفضل إدارة الأزمات بأقل قدر من التصعيد، حتى لو جاء ذلك على حساب التضامن أو الموقف المبدئي. هذا الخوف يعكس هشاشة داخلية لدى بعض الدول، سواء اقتصاديا أو سياسيا.

- رابعا، تحول المؤسسات الإقليمية إلى أطر شكلية. فكل من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تعاني من ضعف في الفاعلية، حيث تقتصر أدوارهما غالبا على إصدار بيانات لا تُترجم إلى سياسات حقيقية على أرض الواقع!

أما النتيجة، فهي أخطر من مجرد صمت مؤقت، نحن أمام تفكك تدريجي لفكرة العمل الجماعي الإسلامي، وتآكل مستمر في ثقة الشعوب بهذه المؤسسات، وفتح المجال أمام قوى أخرى -رسمية وغير رسمية- لملء هذا الفراغ بطرق قد تزيد من تعقيد المشهد.

في المقابل، تتحرك تكتلات أخرى في العالم بسرعة لحماية مصالحها، حتى عندما لا تكون مهددة بشكل مباشر، وهو ما يبرز الفجوة بين من يملك رؤية جماعية ومن يعيش في إطار ردود الفعل الفردية.

الواقع أن ما نراه ليس "سلوكا غريبا"، بل نتيجة منطقية لتحول عميق: من أمة تتخيل نفسها كيانا واحدا، إلى دول تتصرف كجزر منفصلة. ولن يتغير هذا الواقع إلا بإعادة بناء مفهوم الأمة الواحدة والمصالح المشتركة، لا الاكتفاء بالخطاب العاطفي الذي لم يعد يترجم إلى فعل.

ليس غريبا أن يجتمع الاتحاد الأوروبي سريعا لمناقشة أي أزمة تمس مصالحه.. لكن الغريب أن يغيب أي تحرك إسلامي جماعي، رغم أن الصراع يدور في قلب المنطقة!

المشكلة ليست في "الحدث"، بل في بنية النظام نفسه، فلم تعد هناك "أمة سياسية" بعد إسقاط الخلافة العثمانية، بل دول متفرقة والتحالفات الدولية تقيد القرار، والصراعات الإقليمية تُقدَّم على أي تضامن، والمؤسسات المشتركة تحولت إلى بيانات بلا أثر. لذلك يُدان ما يمس التوازنات الدولية بسرعة ويُتجاهل ما يمس الكيان الإسلامي ككل والنتيجة الحتمية تفكك، وضعف، وفقدان للقدرة على التأثير، ويتضح أن المشكلة ليست في قلة الموارد بل في غياب الإرادة والرؤية المشتركة.

ما قد يبدو متناقضا في المصالح للوهلة الأولى، هو في الحقيقة يعكس نمطا متكررا في سلوك النظام الإقليمي العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، وليس حادثة استثنائية. ويمكن فهم هذا الموقف عبر تفكيك مجموعة من العوامل المتشابكة: السياسية، والأمنية، والبنيوية، بل وحتى النفسية.

أولا: تآكل فكرة "الكتلة الإسلامية" كفاعل سياسي موحد

منذ نهاية الحرب الباردة، لم يعد هناك شيء اسمه موقف إسلامي جماعي بالمعنى الحقيقي؛ منظمة التعاون الإسلامي مثلا بقيت إطارا رمزيا أكثر منها أداة فاعلة، والدول تتصرف وفق حساباتها القُطرية الضيقة، لا وفق هوية جامعة. لذلك، حتى لو وُجد خطاب يتحدث عن "أمة"، فإن الفعل السياسي محكوم بالدولة الوطنية ومصالحها المباشرة.

ثانيا: هيمنة منطق التحالفات الأمنية

كثير من الدول الإسلامية، خصوصا في الخليج، ترتبط باتفاقيات أمنية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة والغرب؛ هذه العلاقة تجعل هامش الحركة محدودا جدا، فالدولة التي تعتمد على مظلة أمنية خارجية تجد صعوبة في اتخاذ مواقف جماعية قد تُفسَّر كتصادم مع حليفها الأساسي. لذلك رأينا سرعة في إدانة أي تهديد مباشر لهذه المنظومة (مثل استهداف قواعد)، مقابل صمت أو حذر في قضايا أخرى.

ثالثا: الاستقطاب المذهبي والسياسي

الانقسام السني-الشيعي، والخلافات السياسية الحادة (إيران- دول عربية، تركيا - بعض الدول.. إلخ) لعبت دورا كبيرا في تفكيك أي تعاطف تلقائي. فبعض الدول لا ترى في الصراع مجرد "عدوان على دولة مسلمة"، بل جزءا من صراع نفوذ إقليمي معقّد. هذا الإدراك يضعف الحافز لعقد مؤتمر جامع أو اتخاذ موقف موحد.

رابعا: الخوف من التصعيد الشامل

العديد من الأنظمة تدير مواقفها بمنطق "إدارة المخاطر" لا "قيادة الصراعات"، وأي خطوة جماعية قد تُفسَّر كاصطفاف واسع قد تؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة، وهو ما تحاول هذه الدول تجنبه بشدة، خصوصا في ظل هشاشة اقتصادية أو داخلية لدى بعضها.

خامسا: ضعف الإرادة السياسية مقارنة بردود الفعل الشكلية

الاجتماعات الطارئة -سواء في الجامعة العربية أو غيرها- كثيرا ما تكون ذات طابع رمزي أو بروتوكولي، فسرعة الانعقاد لا تعني بالضرورة قوة الموقف، بل أحيانا تعكس رغبة في "إدارة الصورة" أمام المجتمع الدولي أكثر من صياغة سياسة حقيقية.

سادسا: أزمة الأولويات والشرعية الداخلية
الصراعات داخل العالم الإسلامي نفسه أصبحت أولوية على أي تهديد خارجي، فبدل أن يكون العدوان عامل توحيد، أصبح مادة إضافية للاستقطاب، وهنا تتحول "الهوية" من عامل قوة إلى عبء يتم تجاهله

بعض الأنظمة تواجه تحديات داخلية (اقتصادية، اجتماعية، سياسية)، ما يجعلها أقل ميلا للانخراط في ملفات خارجية معقدة قد تفتح جبهات جديدة أو تثير حساسيات داخلية.

المشهد لا يعكس فقط "تخاذلا" بقدر ما يعكس تحولا عميقا في طبيعة النظام السياسي الإسلامي من فكرة الأمة إلى منطق الدولة، ومن التضامن إلى الحسابات، ومن المبادرة إلى رد الفعل. وهذا التحول هو ما يفسر الصمت في مواقف، والحركة السريعة في مواقف أخرى.

باختصار، وبكل الألم أعتقد أن هذا ليس صمتا.. بل إعلان وفاة للعمل الإسلامي المشترك. ما يحدث اليوم في العالم الإسلامي لا يمكن تفسيره بالحذر السياسي أو تعقيدات المشهد، بل هو أقرب إلى اعتراف غير معلن بانتهاء فكرة "الأمة" ككيان سياسي له وزن أو إرادة.

حين تُستهدف دولة مسلمة فلا ينعقد مؤتمر إسلامي، وحين تُمس مصالح قوى دولية تتحرك الاجتماعات خلال ساعات، فنحن لا نتحدث عن ازدواجية.. بل عن اختلال عميق في بوصلة القرار. الحقيقة الصادمة أن كثيرا من الدول الإسلامية لم تعد ترى نفسها جزءا من مشروع جماعي، بل مجرد وحدات وظيفية داخل نظام دولي أكبر؛ تتحرك عندما يُطلب منها، وتصمت عندما يُراد لها الصمت.

الأكثر خطورة أن الصراعات داخل العالم الإسلامي نفسه أصبحت أولوية على أي تهديد خارجي، فبدل أن يكون العدوان عامل توحيد، أصبح مادة إضافية للاستقطاب، وهنا تتحول "الهوية" من عامل قوة إلى عبء يتم تجاهله. أما المؤسسات التي يفترض أن تجمع هذا العالم، فقد تحولت إلى كيانات رمزية بلا تأثير؛ بيانات تُكتب، وتصريحات تُطلق، لكن لا قرار يُصنع ولا موقف يُبنى.

النتيجة المباشرة لهذا المشهد ليست فقط الضعف، بل فقدان الاحترام الدولي، فالعالم لا يحترم كيانا لا يحترم نفسه، ولا يتعامل بجدية مع مجموعة لا تستطيع حتى أن تجتمع عند الأزمات التي تلحق بهم! الحقيقة المؤلمة: لم تعد هناك "أمة" تتحرك.. بل دول خائفة أو مقيدة أو منشغلة بصراعاتها.

السؤال الأخير: ما الذي نقترح فعله إزاء هذا الوضع على مستوى الأفراد والشعوب والحكام لاستعادة الدور الحضاري للأمة؟ هذا سيكون في المقال القادم إن شاء الله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)