تشهد الساحة الدولية تباينا واضحا في سرعة وفعالية استجابة التكتلات
الإقليمية للأزمات، حيث تبادر بعض الكيانات إلى عقد اجتماعات عاجلة لمناقشة
التداعيات، بينما تتسم مواقف أخرى بقدر من الحذر أو التأخر.
في هذا السياق، يمكن فهم الموقف الإسلامي من خلال عدة اعتبارات موضوعية؛
أولها أن الدول الإسلامية، كغيرها من دول العالم، تتحرك وفق مصالحها الوطنية، وهو
ما يجعل التنسيق الجماعي أكثر تعقيدا في ظل اختلاف الأولويات.
كما تلعب التحالفات الدولية دورا مهما في تحديد سقف التحركات، خاصة بالنسبة
للدول المرتبطة بترتيبات أمنية واقتصادية مع قوى كبرى، ما يفرض عليها مراعاة
توازنات دقيقة. إضافة إلى ذلك، فإن التباينات السياسية والإقليمية داخل العالم
الإسلامي تسهم في إبطاء أي تحرك جماعي، حيث تُفسَّر بعض الأزمات ضمن سياقات النفوذ
والصراع الإقليمي.
ولا يمكن إغفال أن المؤسسات الإقليمية الإسلامية تواجه تحديات تتعلق بآليات
اتخاذ القرار وفاعلية التنفيذ، وهو ما يحد من قدرتها على الاستجابة السريعة.
في المقابل، تبرز الحاجة إلى تطوير آليات العمل المشترك وتعزيز مفهوم
المصالح الجماعية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من التنسيق، خاصة في ظل التحديات
المتزايدة التي تواجه المنطقة.
إن بناء موقف جماعي أكثر فاعلية لا يتطلب فقط توافقا سياسيا، بل أيضا إرادة
مشتركة لإعادة تفعيل الأطر المؤسسية بما يتناسب مع طبيعة المرحلة.
هذا ليس صمتا.. هذا انهيار
حين تُستهدف دول إسلامية: لا اجتماع، لا موقف، لا رد؛ وحين تُمس مصالح
القوى الكبرى: اجتماعات طارئة خلال ساعات! وهذا التباين في المواقف
تجاه الأزمات الإقليمية يكشف حقيقة مهمة: التحرك الجماعي لا يعتمد فقط على
وحدة
الهوية، بل على تقاطع المصالح ووضوح الأولويات.
لذا، إذا نظرنا الى العالم الإسلامي نجد أن التحدي ليس نقص الإمكانيات،
بل صعوبة التنسيق واختلاف الحسابات السياسية هو التحدي الحقيقي. إذن ما
نحتاجه اليوم بالتحديد هو تفعيل حقيقي للمؤسسات المشتركة وبناء أرضية مصالح
جماعية، وتطوير آليات استجابة سريعة للأزمات، فالعالم لا يحترم ولا يعترف ولا يلين
مع المتأخرين
كيف إذن ننظر للعلاج الممكن في هذه الظروف الصعبة التي نحياها؟
أولا: على مستوى الإنسان المسلم (نفسيا وعمليا)
المشكلة الأساسية هنا ليست نقص
التعاطف، بل تحول المشاعر إلى بديل عن
الفعل.
نفسيا:
- الوعي
قبل الانفعال: ليس كل ما يُعرض هو الصورة الكاملة، والاندفاع غير المنضبط يُستثمر
ضد قضايا عادلة.
- تحرير
النية من الاستقطاب بمعنى إخلاص النية: فلا تجعل موقفك تابعا لمحور سياسي، بل
لمعيار الحق والعدل.
- الصبر الاستراتيجي: التغيير في قضايا كبرى لا يحدث باللحظة، بل بتراكم
طويل، ومن يفهم ذلك يفكر ولا يندفع.
عمليا:
- إتقان
موقعك: طبيب، باحث، إعلامي.. قوة الأمة تُبنى من جودة الأفراد لا فقط من حماسهم،
ولا يستهين أحد بذلك فهذا تملكه أنت وحدك.
- دعم واعٍ لا فوضوي: التبرع، التوعية، الضغط المدني.. لكن دون الوقوع في
التضليل أو العشوائية فلا تدعم سياسة الأعداء في الفرقة والاخلاف.
- بناء وعي لا إعادة تدوير غضب: كن واعيا وأنت تشارك محتوى يفسر ويحلل، لا
فقط يثير.
الخلاصة الفردية:
انتقل من "رد الفعل" إلى "المساهمة"؛ فالقضايا الكبرى
لا تُخدم بالصوت العالي فقط، بل بالفعل المتراكم.
ثانيا: على مستوى الشعوب (الدور المجتمعي)
الشعوب اليوم تمتلك أدوات تأثير غير مسبوقة، لكنها غالبا غير منظمة.
نفسيا:
- الخروج
من ثنائية الإحباط/الاندفاع، إما يأس كامل أو حماس لحظي.. وكلاهما غير منتج.
المطلوب هو نفس طويل ومنهج واضح والله ولى الصابرين.
- إدراك
أن الضغط التراكمي يصنع فرقا، حتى في الأنظمة المغلقة، الرأي العام يؤثر ولو بشكل
غير مباشر.
عمليا:
- بناء
رأي عام واعٍ ومستمر، ليس موسميا مرتبطا بالأحداث، بل خطاب دائم يربط القضايا
ببعضها.
- تنظيم
العمل المدني: جمعيات، مبادرات، منصات إعلامية.. العمل الفردي محدود التأثير.
- الضغط الذكي لا التصادمي دائما، باستخدام أدوات مثل: الحملات الإعلامية، المقاطعة
الاقتصادية المدروسة، والتأثير عبر النخب (أكاديميين، إعلاميين).
- حماية القضية من التسييس الضيق، فحين تتحول القضايا الكبرى إلى أدوات
صراع داخلي، تفقد قوتها.
الخلاصة المجتمعية: الشعوب الفاعلة لا تكتفي بالغضب، بل تنظم هذا الغضب
ليصبح قوة ضغط مستمرة وهذا دور النخب والقيادات الشعبية المحبوبة
ثالثا: على مستوى الحكام (بين المبادئ والمصالح)
هنا تقع أعقد معادلة: ليس من الواقعية مطالبة الدول بالتحرك فقط بدافع
القيم، ولا القبول بأن تتحرك فقط بدافع المصالح.
نفسيا (في منطق الدولة):
- إعادة
تعريف المصلحة: المصلحة الحقيقية ليست قصيرة الأجل فقط (أمن/اقتصاد)، بل تشمل: الاستقرار
طويل المدى، والشرعية الشعبية، والمكانة الإقليمية، وفهم أن تجاهل القضايا الكبرى
مكلف. الصمت قد يحقق هدوءا مؤقتا، لكنه يراكم فقدان الثقة داخليا وخارجيا.
عمليا:
- الحد
الأدنى الواقعي الممكن: مواقف سياسية موحدة (حتى لو رمزية في البداية)، تنسيق
دبلوماسي جماعي، استخدام أدوات الضغط الاقتصادي أو القانوني عند الإمكان، لملمة
شعوبها وخلق حالة تأييد بوقف سياسات التعسف والقهر والإهمال لطبقات الشعب لخلق
قاعدة مؤيدة لمواقف السلطة الحاكمة.
- تفعيل المؤسسات بدل تهميشها: الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي
يمكن أن تكون أدوات.. إذا وُجدت إرادة من الحكام.
- تنويع
التحالفات: الارتهان الكامل لطرف واحد يُفقد الدولة هامش الحركة.
- إدارة التوازن لا الانحياز المطلق: السياسة الذكية ليست صداما دائما ولا
خضوعا دائما، بل قدرة على المناورة.
الخلاصة السياسية: أن الدولة الرشيدة لا تختار بين المبادئ والمصالح، بل
تعيد تعريف مصالحها بحيث لا تتصادم جذريا مع مبادئها.
مما سبق نتأكد أن الأزمة ليست في غياب الخير أو التعاطف، بل في تفكك
الأدوار:
- الفرد يشعر.. دون تأثير.
- الشعوب تغضب.. دون تنظيم.
- الدول تحسب.. دون رؤية مشتركة.
والحل ليس مثاليا ولا فوريا، بل يبدأ بإعادة ضبط المعادلة:
- مبادئ بلا قوة = ضعف.
- مصالح
بلا قيم = فقدان بوصلة.
- والتوازن بينهما = بداية الفاعلية.
فهل من مستمع عاقل يفهم خطورة المرحلة التي نعيشها اليوم في ظل الهجوم على
سبع دول إسلامية، وأن موقفه الآن يرسم ويحدد شكل مستقبله القريب؟ فالأعداء واضحون في
مستهدفاتهم واستراتيجيتهم وخططهم، لكن من يجرؤ على التحدي والحفاظ على مستقبل وطن
وأمة؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.