أخبار متعددة
متفرقة أثارت لديّ شغفا لربط الأمور ببعضها (منها
فضائح إبستين، وجود غرف في الجزيرة
تدار منها دول وأموال وشركات، ورود اسماء لساسة وعلماء ورجال أعمال ورموز فنية وإعلامية،
ارتباط إبستين ومساعدته بالصهيونية والكيان، ورود اسم الرئيس الشرعي لمصر د. محمد مرسي
أكثر من 234 مرة في الإيميلات الخاصة بإبستين؛ هجوما وتحريضا، الانقلاب على الشرعية
في مصر وحظر الإخوان المسلمين في الشرق الاوسط ثم في أمريكا وأوروبا، فضيحة الداعم
الأول للكيان والعدو اللدود للإخوان؛ ليندسي جراهام الذي دعا إلى ضرب غزة بالنووي).
لذا لا بد من فهم الارتباط بين السياسات والأشخاص والنظم التي تتحكم في دول عربية وإسلامية
عديدة نقول وبالله التوفيق.
نعم لقد أثارت
الملفات المرتبطة بجزيرة إبستين جدلا عالميا واسعا، ليس فقط بسبب طبيعة الجرائم
الأخلاقية
المنسوبة إلى شبكات نافذة، بل بسبب ما كشفته من تقاطعات بين السلطة والمال والإعلام
والسياسة. وفي المقابل، يتجدد النقاش حول كيفية تعامل المنظومة الدولية مع الحركات
ذات المرجعية الإسلامية، ومع قيادات سياسية عبّرت عن مواقف واضحة تجاه قضايا حساسة،
وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
فهل نحن أمام
وقائع منفصلة؟ أم أن ثمة خيطا ناظما يجمع بين أزمة أخلاقية داخل دوائر نفوذ، وصراع
سياسي على تعريف الشرعية، وتنافس حضاري حول من يملك حق الحديث باسم "القيم العالمية"؟
ماذا تكشف
هذه الأزمة؟
أولا: أزمة
أخلاق في مراكز القوة
كشفت فضيحة
إبستين -وفق ما تداولته التحقيقات والتقارير الإعلامية- عن اختلال أخلاقي خطير داخل
دوائر تضم شخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية بارزة.
والإشكال هنا
لا يكمن فقط في الفعل الإجرامي ذاته، بل في أمرين أعمق:
1. طبيعة الحماية
أو التواطؤ المحتمل الذي أتاح استمرار الانتهاكات فترة طويلة.
2. الفجوة
بين الخطاب والممارسة؛ إذ تتصدر هذه النخب خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الفردية
عالميا. إن أي منظومة حضارية عندما تفصل بين القوة والأخلاق، وتُضعف آليات المحاسبة،
تفتح الباب لتغوّل النفوذ. وهذه سنة إنسانية عامة لا تختص بثقافة دون أخرى.
ثانيا: فلسطين
كمحكّ أخلاقي
القضية الفلسطينية
تمثل اختبارا حقيقيا لصدقية الخطاب الحقوقي الدولي، فبينما تُرفع شعارات العدالة وحق
تقرير المصير، يبقى التعامل مع فلسطين محكوما في كثير من الأحيان بحسابات استراتيجية
وتحالفات سياسية.
في هذا السياق،
برزت مواقف قيادات ذات مرجعية إسلامية -ومنهم الرئيس محمد مرسي- بوصفها مواقف صريحة
داعمة للحقوق الفلسطينية.
وهنا لا يمكن
فصل الجدل حول هذه المواقف عن شبكة المصالح الإقليمية والدولية، حيث تُفهم أحيانا باعتبارها
تحديا لتوازنات قائمة، لا مجرد تعبير عن رؤية أخلاقية أو سياسية.
ثالثا: تصنيف
الحركات الإسلامية.. قرار قانوني أم سياسي؟
تعامل الدول
مع جماعات ذات مرجعية إسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، يختلف من دولة إلى أخرى:
• بعض الدول صنفتها كمنظمة إرهابية.
• أخرى لم تتخذ هذا التصنيف.
• وبعضها يتعامل معها كتيار سياسي ضمن المجال العام.
هذا التباين
يكشف أن المسألة ليست حكما قانونيا عالميا موحدا، بل قرارا سياسيا مرتبطا بالسياق المحلي
والتحالفات الدولية.
وهنا يبرز
سؤال مشروع: هل يجري تقييم هذه الحركات
بناء على أفعال مثبتة قضائيا بمعايير دولية موحدة؟ أم بناء على موقعها من خارطة المصالح
الجيوسياسية؟
رابعا: صراع
السرديات الحضارية
ما نراه اليوم
يمكن قراءته ضمن صراع أوسع بين سرديتين:
1. سردية ليبرالية
غربية تعتبر نفسها مرجعية القيم الكونية.
2. وسردية
إسلامية ترى في منظومتها الأخلاقية بديلا متماسكا قادرا على ضبط العلاقة بين السلطة
والقيم.
فضائح النخب
الغربية تعزز خطابا ناقدا يقول إن التفوق الأخلاقي المعلن ليس دائما متسقا مع الواقع،
لكن من الإنصاف أيضا التأكيد أن فساد بعض النخب لا يعني سقوط
حضارة بأكملها، كما أن
وجود انحرافات في أي مجتمع لا ينفي صلاحية منظومته القيمية من حيث المبدأ.
خامسا: قراءة
سننية أعمق
إذا نظرنا
إلى المشهد من زاوية السنن الاجتماعية:
• سنة التدافع: الصراع بين القيم والمصالح أمر دائم في التاريخ.
• سنة الابتلاء بالسلطة: كل تمكين سياسي هو اختبار أخلاقي.
• سنة انكشاف الفساد: عندما تتراكم القوة بلا رقابة، يبدأ التآكل من الداخل.
الانكشاف الأخلاقي
لا يعني نهاية فورية لمنظومة، لكنه مؤشر على خلل يحتاج إلى تصحيح عميق. وفي المقابل،
لا يكفي امتلاك خطاب أخلاقي لكي يتحقق التفوق الحضاري؛ بل لا بد من نموذج عملي عادل
وشفاف.
خلاصة الأمر
أن هناك ارتباطا بين السقوط والتدني في قيم أمريكا والغرب، وهذا السقوط له علاقة وثيقة
بما يحدث للإخوان كنموذج يحمل قيم الإسلام ويؤكد الربط بين المنفذين في الغرب والشرق،
وأن القضية لا هي جنائية ولا إرهابية بل هي اضطهاد وظلم وافتراء وبحث عن ضحية تتحمل
الإجرام الذي مورس على شعوب المنطقة، وحرمانها من حقوقها وكرامتها وحرياتها، وحماية
للاستبداد الذي يتحكم في المنطقة تحت إشراف أمريكا والغرب وكيانهما الاستعماري في فلسطين!
ما يحدث اليوم
ليس مجرد فضائح أخلاقية منفصلة، ولا مجرد صراع سياسي حول حركات بعينها.
إنه تداخل
بين:
• أزمة قيم داخل دوائر نفوذ.
• صراع على تعريف "الإرهاب" و"الشرعية".
• اختبار عالمي لصدقية الخطاب الحقوقي.
• وتنافس على من يملك حق تمثيل الأخلاق في المجال العام.
اللحظة الراهنة
تفرض سؤالا جوهريا: هل ستقود
هذه الانكشافات إلى مراجعة أخلاقية حقيقية داخل مراكز القوة؟ وهل للدول الإسلامية وقفة
تراجع فيها نفسها وسياستها وسلوكها مع شعوبها، وهو ما لا يخدم سوى الغرب وحضارته التي
تنهار لكي تهيئ نفسها للدور الحضاري القادم الذي سيأتي على ركام هذه الحضارة التي اهتمت
بالجسد والماديات وأهملت الروح والإنسانيات فكان مصيرها مثل ما سبقها من أمم؟ أم ستبقى
القيم أداة انتقائية في معركة المصالح؟