فضائح إبستين عرّت الوجه الآخر للعالم

مهند سامر
"لا يزال المتداول جزءا محدودا من الصورة"- جيتي
"لا يزال المتداول جزءا محدودا من الصورة"- جيتي
شارك الخبر
كيف يختار الإعلام ما نراه؟

نعيش في عالمٍ لا تُخفى فيه الحقائق دائما، بل تُدار فيه. الوثائق قد تُنشر، والأسماء قد تُذكر، لكن السرد وهو ما يصنع الوعي يبقى مُنتقى بعناية. هنا، لا يُمحى الواقع، بل يُعاد ترتيبه، وفيه تُعاد تعريف المصطلحات، وتُبيَّض الصفحات، وتُقدَّم العناوين كما يريد أصحاب القرار، لا كما هي الحقيقة. لذا، في هذه المسافة تُهذَّب الحقائق، وتُستبعد السياقات، وتُختزل القضايا إلى قصصٍ آمنة لا تُربك موازين القوة.

وثائق مكشوفة.. وسرد مغلق

بعد أكثر من 20 سنة على فتح أول تحقيق بحق إبستين، عرّاب العلاقات العامة والدعارة النخبوية، تفجّرت الفضيحة، فلم تستطع نفوذه الصمود أكثر من ذلك مع كثرة القضايا والمدّعين، حتى صُدموا من الحقيقة التي ظنّوا أنهم يتعاملون مع متحرّش أو مغتصب متسلسل، لا عرّابا للدعارة السياسية. فلا يمكن لعقلٍ أن يتخيّل فظاعة ما كان يفعله من يُسمّون بصفوة المجتمع هناك، والتي لم يُنشر منها حتى الآن إلا جزءٌ صغير،
الأفلام باحت مبكرا بما لا يمكن قوله سياسيا، وعرضت انحراف الإبستينيين بوصفه حكاية لا ملفا قابلا للمساءلة. بهذا المعنى، لا تفضح السينما المنظومة بقدر ما تُفرّغ الفضيحة من خطرها
لتضع العالم أمام معضلةٍ أخلاقية وأزمة فضائح سياسية لن تتوقف، وقد شاهدنا قليلا من تداعياتها حتى الآن. لربما هي سابقة؛ فقد سمعنا عن بيع الأطفال من أفريقيا إلى فرنسا تحت غطاء الجمعيات الإنسانية، وعن رحلات صيد الأثرياء لأطفال البوسنة والهرسك؛ ما بال هؤلاء والأطفال؟

من السينما بوصفها اعترافا آمنا

لم أكن أظنّ أن ما تنتجه هوليوود الأمريكية أو بوليوود الهندية بمبالغتها يجانب الحقيقة أو يعرض حتى جزءا منها، فالسينما، على عكس الخبر، تستطيع أن تلمّح دون أن تُسمّي، وأن تكشف دون أن تُدين. ولربما سيأتي وقت ندين باعتذارٍ لأصحاب نظريات المؤامرة، حيث يتبيّن أن جزءا من ادّعائهم صحيح. فهناك جزيرة عذارى، وهناك بيع وشراء لقاصرات، وهناك مستوى مرعب من الانحلال المرتكب من نخب العالم.

وإشكالٌ كبير؛ أن جزءا من سلوك هذه النخب الحاكمة مع شعوبها، أو في سياسات بلدانها، قد يُبنى عليه. ولعلّنا نعرف أكثر في المستقبل القريب عن الطقوس التي كانت تُمارَس، وأخشى أن يكون هناك فضائيون فعلا كما طرحت الأفلام الغربية! فالأفلام باحت مبكرا بما لا يمكن قوله سياسيا، وعرضت انحراف الإبستينيين بوصفه حكاية لا ملفا قابلا للمساءلة. بهذا المعنى، لا تفضح السينما المنظومة بقدر ما تُفرّغ الفضيحة من خطرها، وتعيد تقديمها كترفيه أو صدمة أخلاقية منفصلة عن الواقع السياسي.

حين تُكشف بعض الجرائم وتُطمس أخرى
العالم لا يخفي وجهه الآخر، بل يعرضه بحذر؛ وثائق تُنشر، وأفلام تُنتج، وحقائق تُقال، لكن دون أن تتحوّل إلى وعيٍ جمعي قادر على المحاسبة. والمشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في هندسة السرد

المفارقة أن العالم الذي يتقبّل ولو جزئيا فضائح هذه النخب، لا يتقبّل بسهولة الحديث عن الجرائم المستمرة حين تمسّ بنية القوة ذاتها. هنا لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل أيّ حقيقة يُسمح لها بأن تصبح رواية؟ وتُعيد في الأذهان أن ما يحدث مع فلسطين ليس انحيازا عارضا أو خطأ تحريريا، بل نمطا مستقرا. هذا النمط ذاته الذي يفصل الجريمة عن سياقها، ويجرّد الضحية من بُعدها السياسي، ويحوّل المأساة إلى حدثٍ بلا تاريخ وبلا مسؤول. فكما تُجزّأ جرائم إبستين إلى قصةٍ أخلاقية معزولة، تُجزّأ فلسطين إلى مشاهد إبادة بلا جذور.

ما يحدث مع فلسطين ليس انحيازا عارضا، بل نمطا مستقرا

العالم لا يخفي وجهه الآخر، بل يعرضه بحذر؛ وثائق تُنشر، وأفلام تُنتج، وحقائق تُقال، لكن دون أن تتحوّل إلى وعيٍ جمعي قادر على المحاسبة. والمشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في هندسة السرد. لنفهم لماذا يصرّ نتنياهو على أن معركته القادمة هي معركة الرواية؛ ففي زمن الوثائق المفتوحة، يصبح الوعي هو المعركة الحقيقية، وحرب الرواية، كما في فلسطين، ليست استثناء، بل التعبير الأوضح عن كيفية عمل هذا العالم حين يخاف من صورته الكاملة.

الصدمة لم تكن في الجريمة ذاتها فقط، بل في حجم ما لم يُنشر بعد. فحتى اليوم، لا يزال المتداول جزءا محدودا من الصورة، جزءا كافيا لإحداث ارتباكٍ أخلاقي عالمي، لكنه غير كافٍ لكشف الامتدادات السياسية كاملة. وهنا لا يظهر الإعلام عاجزا، بل انتقائيا ينقل ما لا يهدّد البنية، ويتوقّف عند الحدّ الذي لا يفرض مساءلة شاملة. ويبقى السؤال هنا: هل قالوا كل الحقيقة، أم أن ما كُشف غيضٌ من فيض فقط؟
التعليقات (0)