من بين
الفضائل القليلة التي رسّختها الرأسمالية الحديثة -رغم تناقضاتها الكثيرة- أنها
أرست مبدأ عمليا مفاده أن سمعة المؤسسة تتقدم على مصلحة الفرد. فحين يتورط مسؤول
رفيع في
فضيحة فساد أو انحراف
أخلاقي، لا يُترك الأمر لمزاجه الشخصي؛ إما أن يبادر
بالاستقالة، أو تُبادر المؤسسة بإبعاده، حماية لثقة الجمهور وصيانة لاسمها من
التلوث. والبحث السريع في أرشيف الفضائح السياسية والمالية في الغرب يكشف سيلا من
الاستقالات والإقالات التي جاءت حفاظا على الحد الأدنى من المعايير المؤسسية.
غير أن
دولة
الإمارات، الأكثر انبهارا بالنموذج الغربي في ظاهره، لم تتعامل مع فضيحة
سلطان بن سليم بروح النموذج. فقد كان الرجل أول اسم عربي يُكشف عن علاقته بالمجرم
جيفري إبستين، حتى قبل أن تعلن وزارة العدل الأمريكية تفاصيل وثائقها. ومع ذلك،
سلكت الدولة المسار المألوف في خطابها الرسمي: الإنكار أولا، والتشكيك ثانيا، ثم
إعادة إنتاج الصورة القديمة للرجل بوصفه نموذجا قياديا ناجحا. هو المنهج ذاته الذي
تعتمده في نفي ما يتصل بأدوارها في ملفات إقليمية حساسة من السودان إلى اليمن
وليبيا وسوريا وتونس والصومال.
في آخر
ظهور اعلامي له في كانون الثاني/ يناير الماضي، تحدث ابن سليم لـ" The National"
حول التجارة العالمية، متقمصا دور القائد الملهم وصاحب الرسالة الأخلاقية، في مشهد
يكاد يجسد قول الشاعر: "خرج الثعلب يوما في ثياب الواعظين".
لكن منطق
السوق -الذي تُحسن الإمارات فهمه حين يتعلق بالمصالح- كان أكثر صرامة من الخطاب
الرسمي، فقد سارعت شركات وصناديق استثمار دولية إلى إعلان مقاطعتها لشركة موانئ
دبي. هنا لم يعد الإنكار كافيا، ولم تعد البلاغة الإعلامية تجدي؛ تحركت
البراغماتية، وأُعلنت إقالة ابن سليم، تجنبا لتداعيات أوسع في أسواق المال
والبورصات.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بشخص واحد أو منصب واحد، إنها تتصل بفكرة المساءلة ذاتها: هل تُفعَّل حين تضغط الأسواق، أم حين يضغط الضمير؟ وفي هذا الفارق الدقيق تتحدد طبيعة الأنظمة، مهما تشابهت شعاراتها مع النموذج الذي تعلن الإعجاب به
يبقى
السؤال معلقا: هل جاءت الإقالة بدافع أخلاقي، أم بوصفها إجراء احترازيا لحماية
السمعة التجارية؟ يصعب تجاهل أن البراغماتية أصبحت السمة الأبرز في إدارة السياسة
الإماراتية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تُقدَّم الحسابات الاقتصادية على ما عداها،
حتى حين يتعلق الأمر بقضايا ذات بعد أخلاقي واضح.
ثمّة
ملاحظة أخرى لا تقل أهمية؛ من الطبيعي أن ينقسم الرأي العام الإماراتي في تقييم
شخصية عامة (مثل ابن سليم أو هند العويس) على خلفية مراسلات مريبة مع شخصية
إجرامية دولية، غير أن اللافت، بعد جولة مطوّلة في حسابات ناشطين إماراتيين في
السوشيال ميديا، هو غياب أي نقد علني يُذكر. انقسم المؤثرون بين نفي التهم أو
تجاهل القضية بالكامل، والانصراف إلى ملفات إقليمية أخرى، وكأن المسألة لا تستحق
وقفة مراجعة داخلية.
أما
الدكتور عبد الخالق عبد الله، فقد اختار موقع الدفاع الصريح، مشيدا بإنجازات ابن
سليم. قد لا يثير هذا الموقف الاستغراب في سياق الاصطفافات المعروفة، لكنه يفتح
أسئلة محرجة: كيف يُقرأ محتوى المراسلات في ميزان الأخلاق؟ وكيف تُبرَّر ردود
الفعل تجاه مقاطع لأطفال يتعرضون للعنف الجسدي والجنسي؟ ثم ماذا يُقال في فضاء
أكاديمي عالمي، حيث المعايير الأخلاقية جزء من الشرعية العلمية، لا مجرد تفصيل
ثانوي؟
القضية،
في جوهرها، لا تتعلق بشخص واحد أو منصب واحد، إنها تتصل بفكرة المساءلة ذاتها: هل
تُفعَّل حين تضغط الأسواق، أم حين يضغط الضمير؟ وفي هذا الفارق الدقيق تتحدد طبيعة
الأنظمة، مهما تشابهت شعاراتها مع النموذج الذي تعلن الإعجاب به. لا شك أن
الاستقالة أو الإقالة تمثل الخطوة الأولى في سلسلة سقوط ابن سليم، فليس مستبعدا
عندي أن تقوم عائلات الضحايا بمقاضاته في المحاكم الأمريكية، لِمَ لا والرجل يقف
على ثروة كبيرة تتجاوز السبعة مليارات دولار.