ثمن الطموح: حين تتصرّف الدول الصغيرة كإمبراطورية

سناء العوض
جيتي
جيتي
شارك الخبر
قراءة في مشروع أبوظبي ومآلاته الإقليمية

في لحظات الفراغ الإقليمي وعدم اليقين الوجودي، يبرز وهم اللحظة التاريخية عند بعض القادة السياسيين الذين يتجاوزون حد الطموح المعلوم إلى الخيال الجامح. هكذا يمكن فهم السلوك السياسي لقيادة أبو ظبي خلال العقد الأخير؛ سلوكٌ تجاوز منطق حماية دولة صغيرة ناجحة اقتصاديًا، إلى محاولة إعادة تشكيل محيط إقليمي واسع، مستندًا إلى المال، وشبكات النفوذ، وتحالفات دولية ترى في الفوضى المُدارة أداة أقل كلفة من التدخل المباشر.

لا يبدو هذا المشروع بوصفه سلسلة تدخلات متفرقة، بل كخطة هرمية تستهدف دولًا مركزية، لكلٍ منها وظيفة محددة في إعادة رسم موازين القوة. في هذا السياق، يحتل السودان موقع النقطة الأولى. فإلى جانب هشاشته السياسية، يمثل مستودعًا بشريًا لتوفير المقاتلين، وساحلًا استراتيجيًا يواجه السعودية ويمتد شمالًا نحو مصر، بما يمنح السيطرة على البحر الأحمر عمقًا جغرافيًا وبشريًا في آن واحد. السودان هنا ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة في مشروع أوسع.

أما مصر، فتمثل عقدة الشرايين الإقليمية. ليست الهدف إسقاط الدولة أو تغيير نظامها، بل تحييدها: النفاذ إلى مفاصل الاقتصاد، التأثير في مراكز النفوذ غير السياسية، وإبقاؤها منشغلة بأزماتها الداخلية، بما يقلّص قدرتها على لعب دورها التاريخي كقوة توازن عربية.

هذا المسار يخدم، في الوقت ذاته، مصالح أمنية لحلفاء خارجيين، ويزيل عقبة ديمغرافية وعسكرية أمام أي مشروع توسعي طويل النفس.

وتبقى السعودية التحدي الأعمق والأكثر حساسية، لم يكن الهدف مواجهتها مباشرة، بل إضعاف دورها القيادي تدريجياً من الداخل أولاً عبر تفكيك الأعمدة التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة: تماسك العائلة الحاكمة، التحالف الديني، والارتباط القبلي، مع توفير الدعم الخارجي المدروس من دوائر يملك فيها بن زايد ورجاله نفوذاً، ولذا يستطيع ان يلعب دور المسرّع والمشجّع، مقدّمًا نموذج “الدولة بلا وسائط اجتماعية” بوصفه الطريق الوحيد إلى الحداثة، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر تفكيك الدولة نفسها.

ويكتمل هذا التصور بمحاولة تجاوز القيد الجغرافي المحدود للدولة الإماراتية عبر التمدد غير المباشر داخل المجال السعودي ذاته. فالرهان هنا لا يقوم على ضمّ الأراضي بالقوة، بل على تفكيك المجال الاجتماعي المحيط بالدولة المركزية، انطلاقًا من افتراض أن البنى القبلية—بعد إضعاف الدولة—تصبح قابلة للترغيب بالمال أو الترهيب بالقوة. إنه منطق توسّع يسعى إلى اختراق الولاءات وإعادة تشكيل النفوذ داخل الجزيرة العربية، بما يسمح لدولة صغيرة جغرافيًا بأن تمارس دورًا أكبر من حجمها، دون تحمّل كلفة الاحتلال أو إدارة المجتمعات مباشرة.

الركيزة الأخرى لهذا المشروع ليست البر ولكن البحر، فمن اليمن إلى القرن الإفريقي، ومن الجزر إلى الموانئ، يتكرر النمط ذاته: نفوذ أمني–اقتصادي يهدف إلى التحكم في الشرايين البحرية، خصوصًا البحر الأحمر، بما يتماشى بوضوح مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في أمن الملاحة والطاقة والتجارة وإبعاد الصين. وهو هنا لا يسعى إلى حكم المجتمعات، بل إلى السيطرة على النقاط الحيوية و الاستراتيجية.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين مشروع عبد العزيز بن سعود ومشروع محمد بن زايد.

فالأول بنى حكمه من داخل المجتمع، متحالفًا مع الدين والبنى المحلية، ساعيًا إلى الاستقرار بعد التأسيس. أما الثاني فيصادم الموروث، ويتجاوز المجتمعات، ويعتمد على المال والضغط والقوة المجردة.

الأول كان مشروع دولة، والثاني مشروع نفوذ، والفرق بينهما هو الفرق بين الاستقرار المؤسس المتحكّم فيه والفوضى غير الخلّاقة.

هذا النهج يقود إلى مجموعة من التفاعلات التي ستنعكس سلباً على هذه الدولة الصغيرة الحديثة بما يهدد وجودها، وهو خطر لا يأتي من الداخل الإماراتي، حيث الضبط الاجتماعي والرفاه الاقتصادي، بل سيحيط بها من الخارج، فالدول الصغيرة تنجح في الاستمرار حين تكون وسيطًا ضروريًا للجميع، وليس حين تتحول إلى لاعب يراكم الخصومات والعداوات، ومع اتساع دوائر التدخل وارتفاع كلفة سلوكها العدواني، يبدأ ما يسميه علم السياسة “التحالف المضاد” بالتشكّل بصمت في البداية من قوى مختلفة، متناقضة أحيانًا، لكن تتفق مصالحها على تحجيم لاعب واحد تجاوز حجمه البنيوي.

لقد شهد التاريخ عدة نماذج مماثلة للطموح القاتل، فقد سبقت الإمارات دولٌ صغيرة وثرية مثل جنوة والبندقية وأثينا إلى محاولة تحويل التفوق التجاري والبحري إلى نفوذ سياسي مباشر، وانتهى الأمر بزوالها، لقد نجحت هذه المدن-الدول حين لعبت دور الوسيط وربطت بين القوى الكبرى، لكنها تعثّرت حين انتقلت من التجارة إلى السيطرة، ومن الوساطة إلى فرض الإرادة بالقوة، فأثينا فجّرت ضدها تحالفًا مضادًا أنهكها، أما البندقية فقد صنعت خصومات أكبر من قدرتها ومثلهما جنوة وجميعها تلاشت تدريجيًا كقوة مستقلة، وهناك نماذج عدة دوّنها التاريخ، كان القاسم المشترك بينها جميعاً صغر حجمها والطموح غير المشروع لقادتها، ويمكننا أن نقول هنا، أن الدول الصغيرة تزدهر حين تكون ضرورية للجميع، لكنها تدفع ثمنًا باهظًا حين تصبح مصدر قلق للجميع.

في النهاية، قد يشتري المال ولاءً مرحليّاً وقد تصنع الشبكات القدرة نفوذاً آنياً، لكن كليهما لا يمنحان شرعيةً، كما لا يصنعان استقرارًا أو يؤسّسا امبراطورية، والدولة التي تتصرف كإمبراطورية، دون عمق بشري أو عقد اجتماعي، غالبًا ما تكتشف—متأخرة—أن ما راكمته خارج حدودها صار أثقل من قدرتها على حمايته.

وسناء حمد العوض هي دبلوماسية وسياسية سودانية بارزة، شغلت منصب سفيرة السودان لدى مملكة تايلاند منذ عام 2017، وسبق لها أن كانت سفيرة في المملكة المتحدة ومديرة عامة للقضايا الدولية بوزارة الخارجية. تقلدت مناصب رفيعة منها وزيرة دولة بوزارة الإعلام، وتتمتع بخلفية أكاديمية في العلوم السياسية.
التعليقات (0)