مصر بين فخ الديون وتدوير الاستدانة

أشرف دوابة
"المواطن يعيش يوميا تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وتدهور قيمة العملة المحلية"- عربي21
"المواطن يعيش يوميا تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وتدهور قيمة العملة المحلية"- عربي21
شارك الخبر
نشرت وكالة رويترز قبل أيام خبرا يفيد اعتزام مصر طرح أذون خزانة دولارية بقيمة 400 مليون دولار لأجل عام، وذلك بالتزامن مع استحقاق أذون سابقة بقيمة 485.5 مليون دولار. وقد يمر هذا الخبر باعتباره إجراء ماليا عاديا تلجأ إليه الحكومات بصورة دورية، غير أنه في حقيقته يكشف عن حقيقة أعمق تتعلق بمسار الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وهي الاعتماد المتزايد على الاقتراض الجديد لسداد التزامات قديمة، أو ما يعرف اقتصاديا بتدوير أو ترقيع الديون.

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه لا يعالج أصل المشكلة، وإنما يؤجلها فقط إلى موعد لاحق. فالقرض الجديد لا يطفئ الدين القديم، بل يحل محله دين آخر يضاف إليه عبء جديد من الفوائد والتكاليف المالية. ومع تكرار هذه العملية عاما بعد عام تتحول الديون إلى كرة ثلج تتضخم باستمرار، بينما تتآكل قدرة الاقتصاد على التحرر من هذا العبء.

وتتضح خطورة الوضع عند النظر إلى الأرقام الرسمية نفسها، فعندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في عام 2014 كان الدين الخارجي المصري يبلغ نحو 46 مليار دولار، أما اليوم فقد تجاوز 161 مليار دولار،
عندما تتراكم الديون بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج والصادرات والدخل القومي، فإنها تتحول إلى عبء يهدد الاستقرار الاقتصادي نفسه
أي أن مصر أضافت خلال أحد عشر عاما أكثر من 115 مليار دولار من الديون الخارجية وحدها. وبعبارة أخرى، فإن الدين الخارجي تضاعف أكثر من ثلاث مرات ونصف خلال فترة قصيرة نسبيا في عمر الدول والاقتصادات.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين ذهبت كل هذه الأموال؟ لقد قيل للمصريين مرارا إن الاقتراض ضروري لتحقيق التنمية وإنشاء البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة وتحفيز النمو الاقتصادي، غير أن المواطن الذي يعيش يوميا تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية وتدهور قيمة العملة المحلية؛ يتساءل بحق عن حجم العائد الذي تحقق من وراء هذه المديونية الضخمة.

إن المشكلة الحقيقية ليست في الاقتراض ذاته -مع تحفظنا على الربا في هذه القروض- فكل دول العالم تقترض بدرجات متفاوتة، وإنما المشكلة في توظيف القروض ومدى قدرتها على خلق موارد جديدة تمكن من سدادها مستقبلا. فحين يذهب الاقتراض إلى قطاعات إنتاجية وصناعية وتصديرية قادرة على توليد تدفقات نقدية وعملات أجنبية، يصبح الدين أداة للتنمية. أما عندما تتراكم الديون بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج والصادرات والدخل القومي، فإنها تتحول إلى عبء يهدد الاستقرار الاقتصادي نفسه.

وخلال السنوات الماضية شهدت مصر توسعا كبيرا في تنفيذ مشروعات ضخمة استهلكت مئات المليارات من الجنيهات. وقد تكون بعض هذه المشروعات ذات أهمية من الناحية العمرانية أو الخدمية، لكن الاقتصاد لا يقاس بحجم الإنفاق ولا بعدد المشروعات ولا بضخامة المباني، وإنما يقاس بقدرته على زيادة الإنتاج الحقيقي ورفع الصادرات وتوفير فرص العمل المستدامة وتحسين مستويات المعيشة. وهذه المؤشرات لا تزال بعيدة عن تحقيق الطفرة التي تبرر هذا الحجم الضخم من الاقتراض.

والأخطر من ذلك أن خدمة الدين أصبحت تستنزف جانبا متزايدا من موارد الدولة. فكل عام يذهب جزء هائل من الموازنة العامة لسداد فوائد وأقساط الديون، وهي أموال كان يمكن أن توجه إلى التعليم أو الصحة أو البحث العلمي أو دعم القطاعات الإنتاجية. ومع اتساع حجم الدين تتسع تلقائيا فاتورة خدمته، فيدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الاقتراض ثم الاقتراض لسداد الاقتراض.

رغم الارتفاع المتنامي في الدين العام فإن المواطن المصري لم يشهد تحسنا مماثلا في دخله أو قدرته الشرائية أو مستوى معيشته. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإثارة نقاش جاد حول جدوى النموذج الاقتصادي القائم

وفي النهاية فإن الحكومة لا تدفع هذه الفاتورة من جيبها الخاص، بل يتحملها المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالضرائب والرسوم ترتفع، وأسعار الخدمات العامة تزداد، والدعم يتراجع، والتضخم يلتهم الدخول والمدخرات. ولذلك فإن الديون ليست مجرد أرقام في تقارير البنك المركزي أو وزارة المالية، بل هي عبء يومي يشعر به المواطن عند شراء الطعام والدواء ودفع فواتير الكهرباء والمياه والنقل.

كما أن الاعتماد المستمر على الاقتراض الخارجي يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الدولية، فأي ارتفاع في أسعار الفائدة العالمية أو تراجع في تدفقات النقد الأجنبي أو اضطراب في الأسواق المالية قد يضاعف الضغوط على المالية العامة وسعر الصرف، وعندها تجد الدولة نفسها مضطرة إلى مزيد من الاقتراض لسد الفجوات الجديدة، فتتسع الدائرة أكثر فأكثر.

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن استمرار سياسة تدوير الديون لا يمكن أن يشكل استراتيجية تنموية طويلة الأجل. فقد تؤجل هذه السياسة الأزمة لبعض الوقت، لكنها لا توفر حلا حقيقيا لها. والحل لا يكمن في البحث عن دائن جديد أو قرض جديد أو إصدار جديد من السندات والأذون، وإنما في بناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد الثروة من الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير والاستثمار الحقيقي.

إنه رغم الارتفاع المتنامي في الدين العام فإن المواطن المصري لم يشهد تحسنا مماثلا في دخله أو قدرته الشرائية أو مستوى معيشته. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإثارة نقاش جاد حول جدوى النموذج الاقتصادي القائم على التوسع المستمر في الاستدانة. فالأمم لا تبنى بالقروض، وإنما تبنى بالإنتاج، والاقتصادات لا تنهض بتدوير الديون، وإنما تنهض بتوليد الثروة الحقيقية. أما الاستمرار في ترحيل الأعباء من عام إلى آخر فقد يؤخر لحظة المواجهة، لكنه لا يلغيها، بل يجعل كلفتها أكبر على الأجيال القادمة وسيادة الدولة وعلى مستقبل الاقتصاد المصري كله.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)