تركيا وتعزيز الاقتصاد الإسلامي

أشرف دوابة
"تقديم بديل تمويلي أكثر عدالة وكفاءة وأقرب إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي"- جيتي
"تقديم بديل تمويلي أكثر عدالة وكفاءة وأقرب إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي"- جيتي
شارك الخبر
في وقت تتزايد فيه أزمات الديون العالمية وتتعمق الاختلالات المالية في الاقتصادات الكبرى، عاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليطرح رؤية مختلفة للنظام المالي المعاصر، وذلك خلال مشاركته في القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي التي عقدت في إسطنبول مطلع حزيران/ يونيو 2026. ولم تكن تصريحاته مجرد حديث نظري عن الاقتصاد الإسلامي، بل اقترنت بإعلان خطوة عملية مهمة تمثلت في دمج البنوك التشاركية الحكومية الثلاثة في تركيا ضمن كيان مصرفي واحد، في محاولة لتعزيز مكانة التمويل الإسلامي داخل الاقتصاد التركي.

أردوغان أكد في كلمته أن الفائدة أو الربا ليست مجرد أداة مالية، بل هي سبب رئيس في فقدان البركة وازدياد الظلم والاستغلال داخل الاقتصاد. كما انتقد النظام المالي العالمي القائم على الديون والفوائد، مشيراً إلى أن العالم لم يتعلم الدروس الكافية من الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأن الحلول التي اتبعت آنذاك لم تعالج جذور المشكلة، بل اكتفت بتأجيلها.

ولعل اللافت في حديثه استشهاده بارتفاع المديونية العالمية إلى نحو 350 تريليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي اليوم. فالاقتصاد الدولي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض لتمويل الاستهلاك والاستثمار وحتى سداد الديون السابقة، مما يجعل النظام المالي أكثر هشاشة وأقرب إلى الأزمات المتكررة.

هذه الخطوة تستهدف تكوين بنك تشاركي ضخم قادر على المنافسة بصورة أكبر مع البنوك التقليدية، والاستفادة من وفورات الحجم، وخفض التكاليف التشغيلية، وزيادة القدرة على تمويل المشروعات الكبرى

لكن أهمية تصريحات أردوغان لا تكمن في نقد الربا فقط، وإنما في ربط ذلك بخطوات مؤسسية عملية. فقد أعلن عن دمج البنوك التشاركية الحكومية الثلاثة: زراعة كاتيليم ووقف كاتيليم وهالك كاتيليم؛ في مؤسسة مصرفية واحدة. وهذه الخطوة تستهدف تكوين بنك تشاركي ضخم قادر على المنافسة بصورة أكبر مع البنوك التقليدية، والاستفادة من وفورات الحجم، وخفض التكاليف التشغيلية، وزيادة القدرة على تمويل المشروعات الكبرى.

وتأتي هذه الخطوة في وقت شهد فيه قطاع التمويل التشاركي في تركيا نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. فبحسب البيانات الرسمية ارتفعت حصة البنوك التشاركية من إجمالي أصول القطاع المصرفي من أقل من 5 في المئة قبل عقد تقريباً إلى نحو 9.5 في المئة حالياً، كما ارتفعت مساهمتها في التمويل المقدم للاقتصاد التركي بصورة واضحة. ورغم أن هذه النسبة لا تزال أقل من الطموحات المعلنة، فإنها تعكس اتجاهاً تصاعدياً مستمراً.

اقتصادياً، يمكن النظر إلى قرار الدمج باعتباره محاولة لتجاوز مشكلة التشتت التي عانت منها المؤسسات المالية الإسلامية في كثير من الدول. فغالباً ما تعمل هذه المؤسسات بأحجام صغيرة نسبياً مقارنة بالبنوك التقليدية الكبرى، مما يحد من قدرتها على المنافسة وتطوير المنتجات واستقطاب العملاء. أما عندما تتحد الموارد والخبرات ورؤوس الأموال تحت مظلة واحدة، فإن فرص النمو تصبح أكبر بكثير.

ومع ذلك فإن نجاح هذه التجربة سيظل مرهوناً بقدرتها على تقديم نموذج مختلف فعلاً عن البنوك التقليدية، لا مجرد تغيير في الأسماء أو الصيغ القانونية. فالتحدي الحقيقي أمام المصارف الإسلامية ليس فقط زيادة حصتها السوقية، بل تقديم بديل تمويلي أكثر عدالة وكفاءة وأقرب إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي القائمة على المشاركة في الربح والخسارة وربط التمويل بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، وهو ما يحتم عليها في تمويلاتها عدم الركون لسجن المرابحة فقط، والخروج من ضيق عقود التمويل بالمعاوضات إلى سعة عقود التمويل بالمشاركات.

هل تستطيع تركيا أن تحول هذه التصريحات والإجراءات إلى نموذج اقتصادي متكامل يثبت أن التمويل القائم على المشاركة والعدالة ليس مجرد خيار أخلاقي، بل أيضاً خيار اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة؟

كما أن التجربة التركية ستواجه اختباراً مهماً يتعلق بالسياسات النقدية وأسعار الفائدة السائدة في الاقتصاد. فطالما ظل النظام المالي العام قائماً على الفائدة، فإن المصارف التشاركية ستظل تعمل داخل بيئة تتأثر بها بشكل أو بآخر، حتى وإن اختلفت الصيغ والعقود المستخدمة. ولذلك فإن تطوير الاقتصاد الإسلامي يحتاج إلى رؤية أشمل تتجاوز المؤسسات المصرفية لتشمل الأسواق المالية وأدوات الاستثمار والسياسات الاقتصادية الكلية.

ومع ذلك فإن ما جرى في إسطنبول يحمل دلالة مهمة؛ فبعد عقود طويلة كان الحديث عن الاقتصاد الإسلامي يقتصر في الغالب على المؤتمرات والندوات الأكاديمية، ثم بدأت بعض الدول تتجه إلى اتخاذ خطوات مؤسسية أوسع لتعزيز حضوره في الواقع العملي. وقد لا يكون دمج البنوك التشاركية التركية نهاية الطريق، لكنه بلا شك خطوة تستحق المتابعة، خاصة في عالم تتفاقم فيه الديون وتتكرر فيه الأزمات الناتجة عن الاعتماد المفرط على الفائدة والاقتراض.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع تركيا أن تحول هذه التصريحات والإجراءات إلى نموذج اقتصادي متكامل يثبت أن التمويل القائم على المشاركة والعدالة ليس مجرد خيار أخلاقي، بل أيضاً خيار اقتصادي أكثر استقراراً واستدامة؟ السنوات المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.

x.com/drdawaba


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل