لم يعد السؤال في
سوريا اليوم: من يحكم؟ بل كيف يُحكم السوريون؟ فبعد أشهر على سقوط نظام الأسد
الابن، بدأت المسافة تتسع تدريجيا بين خطاب "الدولة الجديدة" وبين واقع
يومي يزداد قلقا وهشاشة.
السويداء تغلي على وقع أزمة ثقة متصاعدة،
والساحل ما يزال مثقلا بالخوف والأسئلة المؤجلة، بينما يتراجع
الاقتصاد بصورة تدفع
السوريين أكثر فأكثر نحو العجز واللايقين.
في السويداء، لم يعد الأمر يتعلق فقط
بخلاف سياسي مع السلطة الجديدة، بل بحالة احتقان متزايدة تعكس هشاشة العلاقة بين
المركز والأطراف في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. فملف الامتحانات، ومنع الطلاب
من تقديمها داخل المحافظة، لم يُقرأ محليا بوصفه إجراء إداريا عاديا، بل تحوّل إلى
جزء من نقاش أوسع يتعلق بطريقة إدارة الدولة للتوترات الداخلية وحدود قدرتها على
احتواء الأزمات دون تعميق
الانقسام.
تبدو الأزمة السورية اليوم أعمق من مجرد انتقال سياسي أو إعادة توزيع للقوة. إنها أزمة تتعلق بشكل الدولة نفسها، وبقدرتها على التعامل مع المجتمع بوصفه شريكا في إعادة بناء المجال العام، لا مجرد مساحة ينبغي إدارتها أمنيا
ومع ذلك، تبدو الصورة أكثر تعقيدا من
اختزالها في ثنائية الدولة والمجتمع أو في منطق الاتهام المتبادل، إذ تتداخل في
المشهد السوري عوامل سياسية وأمنية ومجتمعية متعددة، تجعل أي مقاربة للمرحلة
الراهنة بحاجة إلى قدر كبير من الحذر والتوازن، خصوصا في ظل غياب مسار واضح وشامل
للعدالة الانتقالية.
وفي الساحل، ما تزال الأسئلة مفتوحة حول
كيفية تحقيق
العدالة وضمان عدم تحوّل الانتهاكات أو المحاكمات إلى مصدر جديد
لإعادة إنتاج الخوف والانقسام. فالمجتمعات الخارجة من الحروب لا تحتاج فقط إلى
الاستقرار الأمني، بل إلى منظومة قانونية وسياسية قادرة على بناء شعور عام بأن
العدالة تُمارس بمعايير واضحة تشمل الجميع.
هنا تبدو أفكار الفيلسوفة السياسية حنة
آرندت أكثر قربا من المشهد السوري؛ فالسلطة، وفق آرندت، تفقد معناها السياسي حين
تتحول من فضاء للمشاركة العامة إلى أداة لإدارة الخوف والطاعة.
وربما لهذا السبب تبدو الأزمة السورية
اليوم أعمق من مجرد انتقال سياسي أو إعادة توزيع للقوة. إنها أزمة تتعلق بشكل
الدولة نفسها، وبقدرتها على التعامل مع المجتمع بوصفه شريكا في إعادة بناء المجال
العام، لا مجرد مساحة ينبغي إدارتها أمنيا. الأخطر أن المجال العام السوري، الذي
انفجر بعد سنوات طويلة من الصمت، بدأ يواجه مجددا محاولات التضييق والإغلاق، سواء
عبر الخطاب المتشدد أو عبر إدارة الخلاف بمنطق الغلبة لا السياسة.
وهنا تحضر أفكار الفيلسوف يورغن هابرماس
حول "الفعل التواصلي" والمجال العام. فالدولة الحديثة لا تكتسب
مشروعيتها من القوة وحدها، بل من قدرتها على بناء مساحة تفاهم وثقة مع المجتمع.
أما حين يتحول الحوار إلى أوامر، والسياسة إلى إدارة أمنية، تبدأ المسافة بالتوسع
بين السلطة والمواطن.
لقد أظهرت تجارب المنطقة خلال العقد
الأخير أن المجتمعات التي دخلت المجال العام واختبرت معنى الاحتجاج والمشاركة
السياسية، لم تعد قابلة بسهولة للعودة إلى أنماط السلطة المغلقة مهما اختلفت
الشعارات. وربما كانت التجربة التونسية، رغم أزماتها وتعثراتها، مثالا واضحا على
مجتمع ما يزال يقاوم إعادة إنتاج السلطة المطلقة.
أما السوريون الذين دفعوا أثمانا كارثية
خلال سنوات الحرب، فلن يكونوا أقل حساسية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الخوف بصيغ
جديدة، حتى وإن جاءت تحت عناوين الاستقرار أو إعادة بناء الدولة.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم الأزمة الاقتصادية
بصورة غير مسبوقة؛ ارتفاع أسعار المحروقات والنقل والخدمات، وغياب أي رؤية
اقتصادية واضحة، كلها تدفع السوريين للتساؤل: أين تتجه البلاد فعليا.
حتى الآن، لا تبدو مؤشرات بناء الدولة واضحة بما يكفي، فالاستثمار الحقيقي ما يزال غائبا، بينما تتقدم شبكات النفوذ والفاعلون غير الرسميين على حساب المؤسسات والقانون
وهنا يبرز سؤال لا يقل خطورة: هل التقارب العربي- السوري، وخاصة مع
الإمارات، يهدف فعلا إلى الاستثمار في استقرار سوريا وإعادة إعمارها؟ أم أن البلاد
تتحول تدريجيا إلى مساحة لإدارة النفوذ والصفقات تحت عنوان "الاستقرار"؟
ولعل أكثر ما يثير القلق اليوم، أن الحذر
لم يعد يقتصر على الداخل السوري فقط، بل بدأ يمتد تدريجيا إلى بعض العواصم
الأوروبية التي كانت ترى في المرحلة الجديدة فرصة محتملة للاستقرار وإعادة الإعمار.
حتى الآن، لا تبدو مؤشرات بناء الدولة
واضحة بما يكفي، فالاستثمار الحقيقي ما يزال غائبا، بينما تتقدم شبكات النفوذ
والفاعلون غير الرسميين على حساب المؤسسات والقانون.
ولعل الفيلسوف والمؤرخ ابن خلدون كان
مبكرا في فهم العلاقة بين العمران والسلطة؛ فالدول لا تنهار فقط بسبب الفقر أو
الحروب، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الثقة والعدالة والمعنى المشترك بين الحاكم
والمجتمع.
فسوريا التي خرجت من واحدة من أكثر الحروب
دموية في تاريخها الحديث، لا تواجه اليوم خطر الانقسام فقط، بل خطر تحوّل الخوف
إلى بنية حكم جديدة تُدار باسم الاستقرار. وعند هذه اللحظة تحديدا، لا يعود إسقاط
النظام كافيا، إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن التحول إلى مساحة قانون ومشاركة
وثقة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد إسقاط أي
نظام، ليس الفشل في إسقاطه، بل الفشل في بناء الدولة التي حلم الناس بها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.