أوجلان وأكراد سوريا.. قصة "الأب الروحي" الذي أنكر أبناءه

مصطفى الخليل
"مفارقة عبثية: كيان كردي سوري يقدس رجلا يقول إن لا وجود لهم في هذه الأرض"- جيتي
"مفارقة عبثية: كيان كردي سوري يقدس رجلا يقول إن لا وجود لهم في هذه الأرض"- جيتي
شارك الخبر
عادة ما تخفي ألقاب السياسة البرّاقة خلفها وجوها أكثر قتامة؛ من أبرز هؤلاء عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني وزعيمه، الذي ظل لعقود "الأب الروحي" لفئة واسعة من الأكراد، والمُنظِّر الذي بشّر بمفاهيم "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية" كبديل للدولة القومية. لكن، عند تفكيك خطابه إزاء أكراد سوريا، تتكشف حقيقة صادمة: هذا "الأب الروحي" كان عدوا خفيا لهم؛ لا بل أنكر وجودهم التاريخي في سوريا مطلقا، وسعى إلى تطويعهم واستثمارهم وقودا لمشروعه هو ومشروع حليفه حافظ الأسد، في واحدة من أقذر صفقات البراغماتية السياسية التي عرفتها المنطقة في العصر الحديث.

جذور العداء: مشروع يساري ضد مشروع كردي محافظ

لفهم جذور هذا العداء الخفي، لا بد من العودة إلى الأسس الفكرية التي قام عليها مشروع حزب العمال الكردستاني منذ تأسيسه في 1978. فجذر مشروعه الأساسي يقوم على محاربة تيار اليمين الكردي المحافظ بكل تمثلاته الدينية والعشائرية، واستبداله بنموذجه اليساري العلماني. وفي صدارة أهداف هذا المشروع، يأتي تصفية إرث الشيخ سعيد بيران، الذي قاد عام 1925 انتفاضة كبرى ضد الجمهورية التركية الوليدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، مطالبا بإعادة الخلافة العثمانية وتطبيق الشريعة الإسلامية، إلى جانب رفضه لسياسات التتريك ومطالبته بالحقوق القومية للأكراد. أوجلان، الذي يحتقر هذا النموذج من القيادة الدينية التقليدية، يحمّل الشيخ سعيد مسؤولية فشل الحركة الكردية وتشتيتها لعقود.

أوجلان هنا يُجرّد أكراد سوريا من صفة "مجتمع أصيل" له حقوق وطنية في سوريا، في طمس كامل لتاريخهم؛ ويختزلهم في "لاجئين" هاربين، بلا جذور ولا حق لهم في تقرير مصيرهم. بالنسبة له، لا توجد قضية كردية سورية تستحق الاعتراف، بل فقط "أكراد سوريون" يُصنفون كأقلية هامشية، لا كشعب له امتداد تاريخي في هذه الأرض

هذه الكراهية للشيخ سعيد، وكل ما يمثله، شكّلت العدسة التي أراد أوجلان أن ينظر أتباعه من خلالها إلى أكراد سوريا، الذين ينحدر بعضهم من موجات النزوح التي أعقبت فشل انتفاضة 1925 وما تلاها. في عقل أوجلان وحزبه، كان الأكراد السوريون عبئا مزدوجا: عبء اللجوء الذي أفقدهم أصالتهم؛ وعبء انتماء كثير منهم لتيار محافظ يعاديه في العمق.

أوجلان: الكرد السوريون ليسوا سوريين!

هذه النظرة الفوقية تجسدت بوضوح حين مارس أوجلان محوا معرفيا كاملا -عن وعي وعمد مكتمل الأركان- حين أعلن أن الوجود الكردي في سوريا ليس وجودا أصليا، بل جماعات لاجئة طارئة على الجغرافيا السورية. ففي كتاب يوثّق حواراته المطولة مع الكاتب نبيل ملحم، "سبعة أيام مع آبو" (الصادر أواخر التسعينيات عن دار الفارابي)، يسجّل أوجلان موقفه الذي لا لبس فيه:

"غالبية الشعب الكردي في سوريا قد نزح من كردستان الشمالية.. إن هذا الطرح ليس موضوعيا، وهو ليس مفهوما دقيقا، التسمية الأصح هو أن نقول عنهم الأكراد السوريون، فهؤلاء قد فرّوا من ظلم واستبداد العثمانيين والجمهوريات التركية".

أوجلان هنا يُجرّد أكراد سوريا من صفة "مجتمع أصيل" له حقوق وطنية في سوريا، في طمس كامل لتاريخهم؛ ويختزلهم في "لاجئين" هاربين، بلا جذور ولا حق لهم في تقرير مصيرهم. بالنسبة له، لا توجد قضية كردية سورية تستحق الاعتراف، بل فقط "أكراد سوريون" يُصنفون كأقلية هامشية، لا كشعب له امتداد تاريخي في هذه الأرض. الأب الروحي، وانطلاقا من هذه الرؤية، لم يخذل أبناءه سياسيا فحسب، بل أعدم وجودهم التاريخي بجرة قلم.

صفقة الدم: تحالف القمع والإرث المسموم

ولأن هذه النظرة لم تكن قناعة فكرية مجردة فحسب، بل تحولت إلى ممارسة سياسية على الأرض، فإنها تقودنا مباشرة إلى كواليس الصفقة المشبوهة التي أُبرمت بين أوجلان ونظام حافظ الأسد. وهنا تكمن النقطة الأكثر إثارة للشك: توقيت هذا التحالف. ففي فترة حرجة من تاريخ سوريا، وتحديدا إبَّان الصراع الدموي الذي خاضه نظام البعث مع جماعة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، والذي بلغ ذروته في مجزرة حماة 1982، فتح الأسد أبواب دمشق لأوجلان. والتحالف الذي يتبلور في ذروة تصفية المعارضة الإسلامية لا يمكن أن يكون بريئا أو عابرا؛ نظام يذبح شعبه في مدينة حماة، ويستضيف في الوقت ذاته زعيم منظمة كردية يسارية تنشط في تركيا، يثيرُ أسئلة عميقة حول طبيعة هذه الصفقة وأهدافها الخفية والبعيدة الأمد.

منذ عام 1980، وجد الطرفان في بعضهما ضالتهما: الأسد الذي كان يبحث عن ورقة ضغط دائمة في خاصرة تركيا، وتصفية حساب مع خصومه الإسلاميين وحلفائهم الأتراك؛ وأوجلان الذي كان يبحث عن ملاذ آمن وقواعد خلفية. وهكذا، بينما كان أوجلان وأعضاء حزبه يتمتعون بالرعاية والأمن التام في دمشق ومعسكرات البقاع، كان الأكراد السوريون يُمنعون من التحدث بلغتهم أو الدراسة بها، وتُجرّم احتفالاتهم بعيد النوروز من قبل الأجهزة الأمنية. وبينما كانت المخابرات السورية تحمي أوجلان وجماعته، كان الشبان الكرد يُساقون إلى زنزانات النظام البعثي الوحشية؛ تُكوى أجسادهم، وتُسحق عظامهم، بتهمة المطالبة بالجنسية، أو الانتماء القومي.

الإرث المزدوج لم يمت مع رحيل الأسد الأب أو اعتقال أوجلان؛ بل كرّس الطرفان شقاقا قوميا مزمنا يحتاج السوريون لعقود لتجاوزه. كلاهما عمّد الانقسام بين العرب والكرد، وحوّله إلى قنبلة موقوتة تنفجر في كل منعطف تمر به البلاد

ولم يكن صمت أوجلان عن هذا القمع مسألة حياد؛ بل كان ثمنا مدفوعا بإدراك المُنظّر العميق. لقد طَوّع أيديولوجيته لخدمة رواية النظام، فحين أعلن في كتابه "مانيفستو الحضارة الديمقراطية" (2004) أن الدولة القومية هي "أصل العدوان"، وحين بشّر بـ"الأمة الديمقراطية" كسلسلة مجالس محلية، كان يقدم غطاء فكريا لمصادرة حق الأكراد السوريين في أي خطاب قومي، ويحوّلهم إلى أداة صامتة في مشروعه العابر للقوميات، بينما يُريح حليفه في دمشق بأن "قضيته" لا تهدد خريطة سوريا؛ شرعنة اضطهاد الأكراد في سوريا كانت هي الثمن الذي دفعه أوجلان ليبقى "الأب الروحي" آمنا حرا طليقا.

هذا الإرث المزدوج لم يمت مع رحيل الأسد الأب أو اعتقال أوجلان؛ بل كرّس الطرفان شقاقا قوميا مزمنا يحتاج السوريون لعقود لتجاوزه. كلاهما عمّد الانقسام بين العرب والكرد، وحوّله إلى قنبلة موقوتة تنفجر في كل منعطف تمر به البلاد. أوجلان لم يكن ضحية براغماتية، بل كان شريكا في هندسة هذا الانقسام، اختار أن يكون "أبا روحيا" للأكراد الأتراك على أشلاء الأكراد السوريين. وحين تحول أتباعه في سوريا، بعد عام 2011، إلى قوة عسكرية وسياسية، وقاموا بتطبيق أفكاره في "الإدارة الذاتية" التي تنكر تنظيراته لوجودهم، نشأت مفارقة عبثية: كيان كردي سوري يقدس رجلا يقول إن لا وجود لهم في هذه الأرض!

قصة أوجلان مع أكراد سوريا شهادة على خيانة مزدوجة: خيانة فكرية، حين أنكر وجودهم؛ وخيانة سياسية، حين صمت على سحقهم وشيطنتهم، خاصة في حقبة الثمانينيات. الإرث الذي خلّفه الحليفان -البعث وأوجلان- إرث مقايضة رخيصة دفع الأكراد السوريون ثمنها دما وهوانا، وسيظل السوريون يكابدون سمومه طويلا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل