العدالة الانتقالية واختبار الدولة في سوريا

براءة زيدان
"تبرز العدالة الانتقالية بوصفها الاختبار الحقيقي لأي تحول سياسي محتمل"- سانا
"تبرز العدالة الانتقالية بوصفها الاختبار الحقيقي لأي تحول سياسي محتمل"- سانا
شارك الخبر
بعد سنوات من الحرب والانهيار، لم يعد السؤال في سوريا متعلقا فقط بمن يحكم، بل بطبيعة الدولة التي يمكن أن تنشأ من تحت هذا الركام. فالسجال الدائر بين الدولة العلمانية والدولة الدينية يبدو أحيانا أقل أهمية من سؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن بناء دولة عادلة أصلا؟

خلال السنوات الماضية، اختُزل النقاش العربي حول مستقبل سوريا في ثنائية حادة بين "العلمانية" و"الدولة الدينية"، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في طبيعة السلطة نفسها وحدودها وعلاقتها بالمجتمع والقانون. فالعلمانية، في معناها السياسي، لا تعني العداء للدين، بل تنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي بما يمنع احتكار السلطة باسم المقدس. لكنها في الوقت نفسه ليست وصفة جاهزة قابلة للاستيراد أو النسخ الحرفي، إذ نشأت ضمن ظروف تاريخية واجتماعية خاصة بالمجتمعات الأوروبية.

وفي المقابل، فإن تحويل الدين إلى مرجعية مباشرة للحكم يفتح الباب أمام إشكاليات معقدة تتعلق بالتأويل ومن يمتلكه، كما يمنح السياسة بعدا مقدسا يصعب مساءلته أو نقده. وهنا تصبح المشكلة مرتبطة بإمكانية إنتاج سلطة مغلقة لا تخضع للمحاسبة الفعلية.

ماذا عن الضحايا؟ وماذا عن المفقودين؟ وكيف يمكن لمجتمع عاش سنوات طويلة من العنف والانتهاكات أن يستعيد ثقته بالدولة؟

أما الديمقراطية، فلا تُختزل في صناديق الاقتراع وحدها، بل تقوم على معادلة أكثر تعقيدا: أغلبية تحكم ضمن إطار دستوري يحمي الحقوق الأساسية ويقيّد السلطة ويمنع تحولها إلى أداة هيمنة جديدة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بما يجب أن يبقى خارج دائرة الصراع السياسي أصلا، وفي مقدمة ذلك كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

لكن بالنسبة إلى السوريين، يبرز سؤال أكثر إلحاحا: ماذا عن الضحايا؟ وماذا عن المفقودين؟ وكيف يمكن لمجتمع عاش سنوات طويلة من العنف والانتهاكات أن يستعيد ثقته بالدولة؟

هنا تبرز العدالة الانتقالية بوصفها الاختبار الحقيقي لأي تحول سياسي محتمل، لأنها لا تتعلق بالعقاب وحده، بل بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من العنف والانقسام. فالعدالة الانتقالية ليست ملفا قانونيا منفصلا، بل شرطا تأسيسيا لإعادة بناء الدولة نفسها.

حتى الآن، تبدو الخطوات المرتبطة بهذا المسار محدودة ومجزأة، بينما ما تزال قضايا أساسية معلّقة، مثل كشف مصير آلاف المفقودين، وبناء آليات واضحة للمحاسبة، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

تكمن المشكلة في أن اختزال الجرائم في أفعال فردية معزولة قد يخفي الطابع البنيوي للعنف، إذ لا يكون الفاعل الفرد غالبا سوى جزء من منظومة أوسع من القرارات والسياسات والأجهزة. لذلك، فإن مساءلة الأفراد وحدهم دون معالجة البنية التي أنتجت العنف قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.

ومن هنا يظهر قصور القانون الجنائي التقليدي في التعامل مع هذا النوع من الجرائم، لأنه يركّز غالبا على الفاعل المباشر ويتعامل مع الجريمة بوصفها حادثة منفصلة، بينما يقدّم القانون الجنائي الدولي مقاربة أوسع تنظر إلى الانتهاكات باعتبارها جرائم منهجية تمتد فيها المسؤولية عبر التسلسل الهرمي لتشمل المنفذين وصناع القرار معا.

ومع ذلك، فإن العدالة الانتقالية تتجاوز حتى فكرة العقاب وحدها، لأنها تقوم على مسار متكامل يشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ومن دون هذا التكامل، تبقى العدالة ناقصة، ويظل المجتمع أسير ذاكرة مفتوحة على الألم والخوف.

التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم لا يكمن فقط في اختيار نموذج سياسي أو دستوري جديد، بل في بناء دولة قادرة على حماية المجتمع من إعادة إنتاج العنف ذاته

في هذا السياق، لا تعود العدالة مجرد قضية قانونية، بل تتحول إلى ضرورة اجتماعية وأخلاقية لإعادة بناء الثقة العامة. فالمجتمع الذي عاش سنوات طويلة من العنف المنهجي لا يمكن أن يتعافى عبر تجاهل الماضي أو القفز فوقه، بل عبر مواجهته والاعتراف به.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم لا يكمن فقط في اختيار نموذج سياسي أو دستوري جديد، بل في بناء دولة قادرة على حماية المجتمع من إعادة إنتاج العنف ذاته. فالدولة التي تعجز عن محاسبة نفسها أو حماية مواطنيها تبقى معرضة للعودة إلى الحلقة ذاتها مهما تغيّرت الشعارات والأسماء.

وربما يمكن اختصار الحد الأدنى المطلوب اليوم في ثلاث ركائز أساسية: إطار دستوري يضع كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية خارج دائرة الصراع السياسي، ومسار عدالة انتقالية شامل يعالج إرث الانتهاكات على مستوى الحقيقة والمحاسبة والإصلاح، وحياد الدولة تجاه الدين بما يمنع توظيفه سياسيا دون إقصائه من المجال الاجتماعي.

في النهاية، لا تحتاج سوريا اليوم إلى مزيد من المعارك الأيديولوجية بقدر ما تحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات. فقبل الحسم في شكل الدولة، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول الماضي إلى مستقبل دائم؟

من دون الإجابة عن هذه الأسئلة، سيبقى أي تحول سياسي ناقصا ومعرضا للانهيار، لأن العدالة ليست تفصيلا لاحقا في بناء الدول، بل أحد شروط بقائها الأساسية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل