لم تعد
أزمة
القضاء في
ليبيا مسألة قانونية قابلة للنقاش، بل تحوّلت إلى خطر وجودي يهدد
بقاء الدولة نفسها. فعندما يختل ميزان
العدالة، لا يتوقف الأمر عند حدود المحاكم،
بل يمتد ليصيب فكرة الدولة في جوهرها، ويقوّض الثقة في كل مؤسساتها. اليوم، لم
يعد السؤال: ما الذي يحدث داخل القضاء؟ بل: هل لا يزال لدينا قضاء واحد أصلا؟
حين تدخلت
السياسة في صميم العدالة
بدأت
الأزمة عندما تم كسر أحد أهم أعمدة استقلال القضاء: تحييده عن الإرادة السياسية.
فقد تدخلت السلطة التشريعية بشكل مباشر في تشكيل قمة الهرم القضائي عبر تعيين رئيس
المجلس الأعلى للقضاء، في سابقة تمثل خروجا واضحا عن فلسفة قانون نظام القضاء.
لم يكن
ذلك مجرد إجراء إداري، بل لحظة مفصلية؛ انتقل فيها القضاء من كونه سلطة مستقلة إلى
كيان قابل لإعادة التشكيل وفق التوازنات السياسية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الشروخ
تتسع داخل المؤسسة القضائية.
حكم دستوري.. فتح باب
الأزمة بدل إغلاقه
انتقل فيها القضاء من كونه سلطة مستقلة إلى كيان قابل لإعادة التشكيل وفق التوازنات السياسية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الشروخ تتسع داخل المؤسسة القضائية
جاء حكم
الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي أدخلتها السلطات
التشريعية على قانون نظام القضاء، ليعيد -من حيث المبدأ- الاعتبار للشرعية
القانونية.
لكن
المفارقة أن الحكم، بدل أن يُنهي الأزمة، فتح بابا أوسع لها. فالسؤال لم يعد متعلقا
بصحة الحكم، بل بكيفية تنفيذه: هل تُلغى كل الأجسام التي تأسست على النصوص غير
الدستورية فورا؟ أم تُدار المرحلة بترتيبات انتقالية تحفظ استقرار المرفق القضائي؟
وهنا تكمن
الإشكالية الحقيقية: التطبيق الحرفي للحكم قد يؤدي إلى فراغ مؤسسي، بينما تجاهله
يقوض سيادة القانون. كما أُثير جدل واسع حول كون المحكمة -في نظر البعض- بدت
وكأنها "تحكم لنفسها"، وهو جدل رمزي، لكنه ترك أثرا حقيقيا على ثقة
الشارع في القضاء.
من أزمة
قانونية إلى خطر وطني
بعيدا عن
الجدل النظري، فإن الواقع اليوم يكشف صورة أكثر خطورة:
- مجلس أعلى للقضاء منقسم بين
الشرق والغرب.
- صعوبة انعقاد المجلس بنصاب كامل.
- تعدد في
مراكز القرار القضائي.
- تصاعد الشكوك حول شرعية بعض المجالس والهيئات والمحاكم.
وهنا
لم نعد أمام أزمة داخل مؤسسة، بل أمام تهديد مباشر لوحدة الدولة. فإذا فقد
القضاء وحدته، فمن يحسم النزاع؟ وإذا اهتزت شرعية القاضي، فكيف تُنفذ الأحكام؟ وإذا
تعددت المرجعيات، فمن يمثل العدالة؟ الإجابة الصادمة: لا أحد.
هل يمكن
إنقاذ القضاء.. من داخل القضاء؟
الحقيقة
التي يجب الاعتراف بها هي أن توسيع التدخل السياسي لن يحل الأزمة، بل سيعمّقها،
والحل -إن وُجد- لا بد أن ينبع من داخل المنظومة القضائية نفسها.
وهنا يبرز
مبدأ الأقدمية، ليس كقاعدة إجرائية، بل كآلية إنقاذ. فإعادة تفعيل دور الجمعيات
العمومية بالمحاكم، وتمكين الأقدم من تولي المواقع محل النزاع، يمكن أن يعيد الحد
الأدنى من الشرعية، ويوقف حالة
الانقسام.
كما أن
وجود النائب العام كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء -وهو منصب غير محل نزاع- يوفر
مدخلا عمليا لدعوة المجلس إلى الانعقاد، واستعادة تماسكه المؤسسي. إنها ليست حلولا
مثالية.. لكنها حلول تمنع الانهيار.
مبادرة
أكاديمية.. أم فرصة إنقاذ حقيقية؟
ليبيا اليوم لا تواجه فقط أزمة سياسية، بل تقف على حافة انهيار قضائي قد يجرّ وراءه كل شيء. فالقضاء ليس مجرد سلطة، بل هو آخر ما تبقى من فكرة الدولة. وإذا سقط، لن يكون هناك ما يمكن إصلاحه بعد ذلك
في هذا
السياق، برزت مبادرة علمية أطلقتها مدرسة العلوم القانونية بالأكاديمية الليبية
للدراسات العليا، بمشاركة نخبة من أساتذة القانون وعمداء الكليات. هذه المبادرة لا
تقدم وعودا سياسية، ولا تطرح حلولا فوقية، بل تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة في آن
واحد: إعادة بناء القضاء من داخل قواعده القانونية نفسها.
وتسعى
المبادرة إلى:
- إعادة
تشكيل مؤقت للمجلس الأعلى للقضاء على أساس الأقدمية.
- إدارة
المرحلة الانتقالية دون صدام مؤسسي.
- إعداد
قانون موحد لنظام القضاء.
- تعزيز
استقلال المحكمة العليا والنيابة العامة.
قيمتها
الحقيقية أنها لا تفرض نفسها كحل نهائي، بل كمسار واقعي يمكن البناء عليه. والسؤال
ليس: هل هي كاملة؟ بل: هل لدينا بديل أفضل؟
اللحظة
التي لا تحتمل التأجيل
ليبيا
اليوم لا تواجه فقط أزمة سياسية، بل تقف على حافة انهيار قضائي قد يجرّ وراءه كل
شيء. فالقضاء ليس مجرد سلطة، بل هو آخر ما تبقى من فكرة الدولة. وإذا سقط، لن يكون
هناك ما يمكن إصلاحه بعد ذلك.
إن إنقاذ
القضاء لم يعد خيارا.. بل أصبح واجبا عاجلا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، بلا
مجاملة: هل تتحرك الإرادة لإنقاذ القضاء.. أم ننتظر حتى يفقد القضاء قدرته على
إنقاذ الدولة؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.