ربما لم
تكن المواجهة مع
إيران بالنسبة للولايات المتحدة مجرد صراع مع خصم إقليمي، بقدر ما
تحولت -أو جرى توظيفها- كفرصة لإعادة فرض السيطرة على أحد أهم شرايين الطاقة
والتجارة في العالم. فالحروب الكبرى لا تُقاس دائما بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو
الأهداف التي دُمّرت، بل بما تُحدثه من إعادة تشكيل للمجالات الحيوية وموازين
النفوذ.
ومن هنا،
يصعب فهم التصعيد العسكري المتكرر بين الولايات المتحدة وإيران إذا جرى النظر إليه
فقط من زاوية الربح والخسارة العسكرية المباشرة، أو من زاوية قدرة كل طرف على
توجيه الضربات وتحملها. فالمواجهة تبدو -في جانب مهم منها- أكبر من مجرد صراع
ثنائي بين واشنطن وطهران، وأقرب إلى إعادة تشكيل للبيئة الجيوسياسية التي تحكم
الخليج والممرات البحرية الدولية والطاقة العالمية.
ومن هذه
الزاوية، يمكن القول إن السؤال الأهم ليس: "من انتصر؟"، بل: ما الذي
تغير استراتيجيا بعد هذه المواجهة؟ ومن هي القوى التي استفادت من إعادة ترتيب
المجال الأمني والبحري في المنطقة؟
يمكن فهم أحد أهم التحولات التي نتجت عن الأزمة: إعادة شرعنة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي
فالولايات
المتحدة لا تنظر إلى إيران باعتبارها مجرد خصم إقليمي تقليدي، بل باعتبارها عقدة
جيوسياسية تقع في قلب التنافس العالمي على الطاقة والممرات البحرية والنفوذ
الدولي. ولذلك فإن أي تصعيد مع إيران يتجاوز -في كثير من الأحيان- حدود الملف
النووي أو الحسابات العسكرية المباشرة، ليرتبط بإدارة الصراع الدولي مع القوى
الصاعدة، وعلى رأسها الصين وروسيا.
فقبل
التصعيد الأخير، كانت واشنطن تبدي قلقا متزايدا من تنامي شبكات الالتفاف على
العقوبات، ومرور النفط الإيراني عبر ترتيبات بحرية معقدة تصل في نهاية المطاف إلى
الأسواق الآسيوية، خصوصا الصين، إلى جانب تصاعد المخاوف من توسع ما يُعرف بـ"الأسطول
المظلم"، وهو شبكة من الناقلات التي تتحرك أحيانا بعيدا عن أنظمة التتبع
التقليدية لتسهيل تجارة النفط الخاضعة للعقوبات، وفق بيان صادر عن وزارة الخزانة
الأمريكية بشأن استهداف شبكات شحن وناقلات مرتبطة بنقل النفط الإيراني إلى الصين.
وكان هذا
التطور يتزامن مع تحولات أكبر في النظام الدولي؛ فالصين عززت حضورها الاقتصادي في
الخليج بصورة غير مسبوقة، حتى تجاوز حجم التبادل التجاري بين الصين ودول مجلس
التعاون الخليجي 315 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، فيما أصبحت بكين المستورد
الأكبر للنفط الخليجي، مع اعتمادها على المنطقة لتأمين نسبة كبيرة من احتياجاتها
النفطية. وفي المقابل، كانت روسيا تبحث عن توسيع نفوذها في أفريقيا والبحر المتوسط
والبحار الدافئة، مستفيدة من التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
وفي هذا
السياق، جاءت
الحرب أو التوترات المتصاعدة لتعيد -بصورة أو بأخرى- إنتاج الحاجة
الأمنية إلى الولايات المتحدة في الخليج.
فواشنطن،
التي كانت تواجه تساؤلات متزايدة حول جدوى استمرار وجودها العسكري المكثف في
المنطقة، استعادت من خلال التصعيد دور "الضامن الأمني" للملاحة الدولية
والطاقة العالمية. وهنا يمكن فهم أحد أهم التحولات التي نتجت عن الأزمة: إعادة
شرعنة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والممرات البحرية الممتدة من مضيق هرمز
إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وتزداد
أهمية هذه المنطقة إذا علمنا أن مضيق هرمز وحده شهد مرور نحو 20 مليون برميل نفط
يوميا خلال عام 2025، أي ما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك النفطي العالمي
وربع تجارة النفط المنقولة بحرا، إضافة إلى مرور قرابة 20 في المئة من تجارة الغاز
الطبيعي المسال عالميا عبره، فيما تتجه غالبية هذه التدفقات نحو الأسواق الآسيوية،
وعلى رأسها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية (وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.
كما أن
الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يعد وجودا رمزيا أو محدودا؛ إذ تحتفظ
الولايات المتحدة بالأسطول الخامس في البحرين، إضافة إلى عشرات القطع البحرية
والقواعد المنتشرة في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، فضلا عن حاملات
الطائرات والمجموعات القتالية التي يُعاد نشرها بصورة دورية وفق مستوى التوترات
الإقليمية.
ومن هنا
فإن أي وجود بحري أمريكي كثيف في هذه المنطقة لا يرتبط فقط بمراقبة إيران، بل يمنح
واشنطن قدرة أكبر على متابعة حركة التجارة والطاقة العالمية، وتعقب مسارات النفط،
وفرض قواعد أمنية جديدة على أحد أهم شرايين الاقتصاد الدولي.
ولهذا
يبدو أن الصراع لم يعد يتعلق فقط بمنع إيران من تهديد الملاحة، بل أيضا بمنع تشكل
فضاء بحري وتجاري تتحرك داخله الصين وروسيا بعيدا عن الرقابة الأمريكية التقليدية.
الصراع لم يعد يتعلق فقط بمنع إيران من تهديد الملاحة، بل أيضا بمنع تشكل فضاء بحري وتجاري تتحرك داخله الصين وروسيا بعيدا عن الرقابة الأمريكية التقليدية
كما أن
الولايات المتحدة استفادت اقتصاديا بصورة غير مباشرة من اضطراب الأسواق. فقد أدت
الأزمة إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، وزيادة الطلب على النفط الأمريكي، حتى إن
الولايات المتحدة سجلت -في بعض الفترات- مستويات مرتفعة في صادرات النفط الخام
والمنتجات النفطية وفق تقارير رويترز.
وفي الوقت
ذاته، ارتفعت تكاليف التأمين البحري بصورة كبيرة مع تصاعد المخاطر في الخليج، إذ
أشارت بعض التقديرات إلى ارتفاع أقساط التأمين على السفن المارة عبر الخليج إلى
عدة أضعاف مقارنة بمستوياتها الطبيعية، كما تراجعت حركة بعض الناقلات أو تغيرت
مساراتها، وهو ما منح القوى البحرية الكبرى دورا أكبر في إدارة وتأمين حركة
التجارة العالمية. وتشير تقديرات دولية إلى أن أي تعطيل واسع لمضيق هرمز قد يدفع
أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 120 دولارا للبرميل مع ارتفاعات حادة في تكاليف
الشحن والتأمين البحري، وفق تحليل نشرته رويترز.
لكن رغم
ذلك، لا يبدو أن واشنطن تسعى -على الأرجح- إلى إسقاط النظام الإيراني بالكامل.
فإيران تمثل، من منظور
استراتيجي، خصما يجب احتواؤه وضبط حركته، لا بالضرورة
إنهاؤه بصورة كاملة. إذ إن انهيار إيران قد يفتح أبواب فوضى إقليمية واسعة تمتد
آثارها إلى الخليج وآسيا الوسطى وأسواق الطاقة.
ومن هنا،
تبدو المقاربة الأمريكية أقرب إلى إدارة الاستنزاف وضبط التوازن، أي إبقاء إيران
داخل حدود معينة: ليست قوية بما يكفي لإعادة تشكيل الإقليم وفق مشروع مستقل، وليست
منهارة بما يكفي لإنتاج فراغ استراتيجي خطير.
غير أن
هذه المقاربة تحمل في داخلها مفارقة معقدة؛ إذ إن عسكرة الخليج على المدى الطويل
قد تدفع القوى الدولية، وخاصة الصين، إلى تسريع مشاريع الممرات البديلة وخطوط
الطاقة التي تقلل الاعتماد على المضائق الخاضعة للنفوذ الأمريكي.
فالأزمة
الحالية أعادت إحياء النقاش حول الممرات البرية البديلة ضمن مشروع "الحزام
والطريق"، وخطوط الأنابيب العابرة للقارات، وتعزيز دور الموانئ الآسيوية، والبحث
عن مسارات جديدة للطاقة والتجارة لا تمر بالمجالات عالية المخاطر.
بل إن بعض
التحليلات ترى أن الصين قد تستفيد -بصورة غير مباشرة- من استمرار التوتر، عبر
تعزيز خطاب "عدم الاعتماد على الممرات الخاضعة للهيمنة الأمريكية"،
وتسريع بناء شبكات استراتيجية بديلة أكثر استقلالا على المدى البعيد (وفق تحليل صادر عن معهد بروكنغز.
كما أن
استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف قد يتحول مع الوقت إلى عبء اقتصادي
واستراتيجي، خاصة إذا طال أمد التوتر، وارتفعت كلفة الحماية البحرية، وتزايدت
الضغوط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما قد يدفع قوى دولية عديدة إلى
البحث بصورة أسرع عن نظام تجاري وممرات طاقة أقل ارتباطا بالنفوذ الأمريكي.
ولهذا قد
يكون الأدق القول إن الولايات المتحدة لا تبحث عن حرب شاملة طويلة بقدر ما تسعى
إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الخليج، وإعادة فرض حضورها البحري
والأمني، ثم إدارة توازن جديد بشروط أكثر ملاءمة لمصالحها الدولية.
وقد يكون
أخطر ما في هذه الحروب أنها لا تُدار دائما بهدف الانتصار الكامل، بل بهدف إعادة
تعريف من يملك حق مراقبة العالم، والتحكم في شرايينه الحيوية، وإدارة حركة القوى
الدولية داخله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.