أعادت
المظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي شهدتها
ليبيا مؤخرا ضد مشاريع
التوطين والهجرة
غير النظامية؛ فتح نقاش قديم ومتجدد حول العلاقة بين حقوق الإنسان من جهة، وحق
الدولة في حماية أمنها القومي وسيادتها الوطنية من جهة أخرى. وكان لافتا أن بعض
الأصوات لم تكتفِ بمناقشة مطالب المحتجين أو تفنيدها، بل ذهبت إلى وصفهم بالمجرمين
أو العنصريين أو أعداء حقوق الإنسان لمجرد أنهم عبّروا عن رفضهم لتوطين
المهاجرين
أو عن مخاوفهم من تداعيات
الهجرة غير المنضبطة على الدولة والمجتمع.
غير أن
هذا الطرح يفتقر إلى قدر كبير من الدقة القانونية والموضوعية؛ لأنه يفترض ضمنا أن
الدفاع عن السيادة الوطنية أو المطالبة بضبط الحدود يتعارض بالضرورة مع حقوق
الإنسان، في حين أن التجارب الدولية والنظريات السياسية والقواعد القانونية
السائدة تكشف أن المسألة أكثر تعقيدا من هذا التصوير المبسط.
فمنذ نشأة
الدولة الحديثة ظل الأمن والاستقرار يمثلان الوظيفة الأساسية للسلطة العامة. وقد
رأى توماس هوبز أن
الأفراد يقبلون التنازل عن جزء من حرياتهم الطبيعية مقابل الحماية التي توفرها
الدولة، وأن الأمن هو الغاية الأولى للعقد الاجتماعي. ومن هذا المنطلق نشأت فلسفة
سياسية واسعة الانتشار مؤداها أن الحقوق والحريات لا يمكن أن تُمارس أصلا إذا
انهارت الدولة أو فقدت السيطرة على حدودها أو عجزت عن حماية مجتمعها.
الجريمة فهي الاعتداء على الأشخاص أو التحريض ضدهم أو انتهاك كرامتهم أو ممارسة العنف بحقهم بسبب جنسيتهم أو لونهم أو أصلهم. وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحا
وقد
انعكست هذه الرؤية في ممارسات عدد من كبار القادة عبر التاريخ. فقد اتخذ وينستون تشرشلإجراءات استثنائية خلال الحرب العالمية الثانية انطلاقا
من أولوية بقاء الدولة، بينما أكد شارل ديغول أن وحدة الدولة واستقرارها لا يجوز أن يكونا محل مساومة، في
حين بنى لي
كوان يو تجربته
التنموية على فكرة أن الاستقرار والتنمية يمثلان أساسا ضروريا لازدهار الحريات.
ولعل العبارة المتداولة: "لا حرية لمن لا دولة له، ولا حقوق لمن لا أمن له"؛
تلخص هذه الفلسفة التي ما زالت حاضرة في السياسات العامة للدول المعاصرة.
ومع ذلك،
فإن الديمقراطيات الحديثة لم تنتهِ إلى منح الأمن أولوية مطلقة على الحقوق، كما لم
تمنح الحقوق حصانة مطلقة في مواجهة مقتضيات الأمن القومي. بل استقرت على نهج
توفيقي يقوم على التوازن بين الاعتبارين. ويقوم هذا النهج على الاعتراف بحق الدولة
في اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية أمنها القومي وحدودها واستقرارها عندما تواجه
أخطارا جدية، مقابل اشتراط أن تكون تلك الإجراءات ضرورية ومتناسبة وخاضعة للرقابة
القانونية والقضائية.
وقد عبّر
عن هذا الاتجاه عدد من القادة المعاصرين. فالرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت جمع بين متطلبات الحرب
والدفاع عن الدولة وبين الحفاظ على المبادئ الدستورية. كما أكدت أنجيلا ميركلأن الأمن والحرية ليسا قيمتين متعارضتين بل متكاملتين،
بينما شدد باراك
أوباما على
ضرورة تحقيق التوازن بين حماية الأمن ومكافحة التهديدات وبين صون الحقوق الدستورية.
ورغم
اختلاف الخلفيات الفكرية والسياسية لهؤلاء القادة، فإن الجامع بينهم هو الإقرار
بأن الدولة تحتفظ بحق اتخاذ تدابير استثنائية عندما ترى أن أمنها القومي أو
استقرارها أو هويتها الوطنية معرضة لتهديد جدي، شريطة أن تظل هذه التدابير محكومة
بالقانون ومبادئ الضرورة والتناسب.
وعند
الانتقال إلى ملف الهجرة غير النظامية تتجلى هذه الموازنة بصورة أوضح. فالقانون
الدولي لا يمنح أي شخص حقا مطلقا في دخول أي دولة أو البقاء فيها دون موافقتها،
كما لا يفرض على الدول قبول الاستيطان الدائم للأجانب فوق أراضيها أو تعديل
تركيبتها السكانية استجابة لضغوط خارجية. بل إن تنظيم الدخول والإقامة وضبط الحدود
وترحيل المقيمين بصورة غير قانونية تعد جميعها من أبرز مظاهر السيادة الوطنية التي
تمارسها الدول بصورة يومية.
ولا يغير
من ذلك ما تقرره بعض الاتفاقيات الدولية من ضمانات خاصة باللاجئين أو الأشخاص
المعرضين لخطر الاضطهاد، إذ تظل هذه الحالات محكومة بضوابط وشروط محددة، ولا تؤدي
إلى انتقاص الحق الأصيل للدول في تنظيم الدخول والإقامة وحماية حدودها وصون أمنها
القومي.
ولذلك فإن
الدول الغربية نفسها التي تُقدَّم غالبا باعتبارها النموذج الأبرز لحماية الحقوق
والحريات لم تتردد في تبني سياسات صارمة تجاه الهجرة غير النظامية عندما رأت أن
مصالحها الوطنية تقتضي ذلك. فقد جعل الرئيس الأمريكيدونالد ترامب من حماية الحدود محورا رئيسيا لسياساته، وكرر عبارته الشهيرة: "إذا
لم تكن لديك حدود، فلن تكون لديك دولة". كما شددت فرنسا وإيطاليا وبريطانيا
وألمانيا خلال السنوات الأخيرة إجراءاتها الرقابية والقانونية لمواجهة تدفقات
الهجرة غير المنضبطة، ولم تعتبر ذلك تعارضا مع التزاماتها الدولية، بل ممارسة
طبيعية لاختصاصاتها السيادية.
وفي
الحالة الليبية تبدو المخاوف أكثر تعقيدا نظرا لطبيعة الموقع الجغرافي للدولة،
واتساع حدودها البرية، وضعف السيطرة على أجزاء منها خلال فترات مختلفة، ووجود
شبكات تهريب عابرة للحدود، فضلا عن الضغوط الاقتصادية والخدمية والأمنية التي
تواجهها البلاد. كما أن ليبيا، بخلاف كثير من الدول المستقبلة للهجرة، لا تزال
تعاني هشاشة مؤسساتية وانقساما سياسيا وتحديات تنموية تجعل من هذا الملف أكثر
حساسية وتأثيرا على مستقبل الدولة.
ولا تقتصر
المخاوف المرتبطة بالهجرة غير النظامية على الاعتبارات الأمنية والاقتصادية فحسب،
بل تمتد كذلك إلى اعتبارات الهوية الوطنية والتوازن الديموغرافي والاندماج
المجتمعي. فالدول، شأنها شأن الأفراد، تمتلك حقا مشروعا في الحفاظ على مقوماتها
الثقافية والاجتماعية ووحدتها الوطنية، وهو ما يفسر حضور هذا النقاش في العديد من
الديمقراطيات الغربية التي تشهد جدلا متواصلا حول آثار الهجرة واسعة النطاق على
الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي. ومن ثم فإن إثارة هذه المخاوف أو مناقشتها لا
ينبغي أن تُفسر تلقائيا بوصفها تعبيرا عن الكراهية أو رفضا للآخر، وإنما باعتبارها
جزءا من نقاش مشروع حول مستقبل الدولة والمجتمع.
ويجد هذا
الحق سنده أيضا في التشريعات الليبية النافذة، وفي مقدمتها القانون رقم (19) لسنة
2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة، الذي عكس بوضوح توجه المشرع الليبي إلى
اعتبار ضبط الحدود ومكافحة الدخول والإقامة غير القانونية جزءا من مقتضيات حماية
الأمن القومي والنظام العام والسيادة الوطنية. كما جاءت التشريعات اللاحقة ذات
الصلة لتؤكد استمرار هذا التوجه التشريعي في التعامل مع الهجرة غير النظامية
باعتبارها قضية سيادية وأمنية ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز مجرد مخالفة قواعد
الإقامة والدخول.
ولذلك فإن
تخوف المواطنين من مشاريع التوطين أو من تنامي أعداد المهاجرين غير النظاميين لا
يمكن اعتباره موقفا شاذا أو استثنائيا، بل هو تعبير عن هواجس ترتبط بمستقبل الدولة
وهويتها وأمنها واستقرارها. ومن ثم فإن مناقشة هذه المخاوف أو التعبير عنها بصورة
سلمية يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير والمشاركة في الشأن العام، ولا ينبغي أن
يكون سببا في تخوين أصحابها أو وصمهم أو إخراجهم من دائرة الوطنية.
حماية حقوق الإنسان وحماية السيادة الوطنية ليستا بالضرورة قيمتين متناقضتين، بل يمكن الجمع بينهما متى التزمت الدولة بالقانون واحترمت الكرامة الإنسانية، ومتى أُديرت السياسات العامة بعيدا عن الانفعالات والمزايدات
ومن هنا
يصبح من الضروري التمييز بين رفض التوطين والهجرة غير النظامية من جهة، وبين
الكراهية أو العنصرية أو الاعتداء على المهاجرين من جهة أخرى. فالمطالبة بضبط
الحدود أو تنظيم الوجود الأجنبي أو رفض تحويل ليبيا إلى منطقة استقرار دائم
للمهاجرين ليست جريمة، كما أنها ليست موقفا مناهضا لحقوق الإنسان في حد ذاته. بل
هي مطالب تجد نظائرها في برامج حكومات وأحزاب منتخبة في عدد كبير من الدول
الديمقراطية.
أما
الجريمة فهي الاعتداء على الأشخاص أو التحريض ضدهم أو انتهاك كرامتهم أو ممارسة
العنف بحقهم بسبب جنسيتهم أو لونهم أو أصلهم. وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحا؛
فاحترام الإنسان واجب قانوني وأخلاقي لا خلاف عليه، لكن احترام الإنسان لا يعني
بالضرورة التخلي عن حق الدولة في حماية حدودها أو التنازل عن سيادتها أو القبول
بسياسات قد تمس أمنها القومي أو تركيبتها السكانية.
إن الدول
لا تُقاس بقدرتها على رفع الشعارات، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين القيم
المختلفة التي تحكم وجودها. وفي هذا الإطار فإن حماية حقوق الإنسان وحماية السيادة
الوطنية ليستا بالضرورة قيمتين متناقضتين، بل يمكن الجمع بينهما متى التزمت الدولة
بالقانون واحترمت الكرامة الإنسانية، ومتى أُديرت السياسات العامة بعيدا عن
الانفعالات والمزايدات.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل من حق الدولة أن تحمي حدودها وترفض
التوطين؟ بل: كيف يمكنها أن تمارس هذا الحق بصورة قانونية وعادلة ومتوازنة؟
فالدولة التي تفقد سيادتها تعجز عن حماية الحقوق، والدولة التي تهدر الحقوق تُضعف
شرعيتها. وبين هذين الحدين تتحدد مسؤولية الدولة الحديثة في إدارة ملف الهجرة بما
يحفظ الوطن ويحترم الإنسان.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.