خلال
الفترة الماضية تلقيت من عدد من الزملاء والمهتمين بالشأن العام، بل ومن بعض
المشاركين في النقاشات السياسية ذاتها، تساؤلات متكررة حول القيمة القانونية
لمخرجات
الحوار المهيكل، وكذلك القيمة القانونية لمخرجات اللجنة الاستشارية، وما
إذا كانت هذه المخرجات يمكن أن ترتب آثاراً قانونية أو تفرض التزامات على المؤسسات
الليبية أو تعيد تشكيل المشهد السياسي القائم.
ومن
الناحية القانونية البحتة، تبدو الإجابة واضحة نسبياً؛ فهذه المخرجات لا تملك
بذاتها قوة الإلزام القانوني، ولا تنشئ قواعد قانونية نافذة، كما أنها لا تستطيع
تعديل البنية الدستورية أو القانونية القائمة ما لم تعتمدها الجهات المختصة وفق
الإجراءات المقررة. فهي في نهاية المطاف مخرجات ذات طبيعة استشارية وسياسية أكثر
من كونها أدوات قانونية ملزمة.
غير أنني
أعتقد أن الوقوف عند هذا الحد من الإجابة قد يؤدي إلى إغفال جانب أكثر أهمية
وعمقاً، يتعلق بطبيعة الحالة الليبية نفسها، وبالطريقة التي تُنتج بها
الشرعية
السياسية في
ليبيا منذ سنوات. فليبيا لا
تعيش اليوم وضعاً دستورياً تقليدياً يمكن تفسيره وفق القواعد المألوفة للنظم
الدستورية المستقرة، وإنما تعيش حالة انتقالية ممتدة أنتجت مع مرور الوقت بنية
سياسية وقانونية خاصة، ربما لا نجد لها مثيلاً كاملاً في كثير من التجارب المقارنة.
ليبيا لا تعيش اليوم وضعاً دستورياً تقليدياً يمكن تفسيره وفق القواعد المألوفة للنظم الدستورية المستقرة، وإنما تعيش حالة انتقالية ممتدة أنتجت مع مرور الوقت بنية سياسية وقانونية خاصة، ربما لا نجد لها مثيلاً كاملاً في كثير من التجارب المقارنة
لقد جاء
الاتفاق السياسي الليبي في ظروف استثنائية فرضتها حالة الانقسام المؤسسي والصراع
السياسي والعسكري التي شهدتها البلاد آنذاك، وكان الهدف المعلن منه إيجاد إطار
لتوحيد المؤسسات وقيادة البلاد نحو الاستقرار. غير أن الاتفاق السياسي لم يقتصر في
آثاره على تنظيم العلاقة بين المؤسسات الليبية فحسب، بل أوجد كذلك وضعية سياسية
وقانونية منحت البعثة الأممية والمجتمع الدولي دوراً يتجاوز حدود الوساطة
التقليدية بين الأطراف المتنازعة.
ولعل ما
يميز الحالة الليبية أن بعض الترتيبات التي أوجدها الاتفاق السياسي لم تجعل البعثة
الأممية مجرد وسيط يسعى إلى تقريب وجهات النظر ثم يغادر المشهد بعد التوصل إلى
تسوية، وإنما جعلتها جزءاً من منظومة إدارة الأزمة ذاتها. فقد أصبحت البعثة حاضرة
في مسارات التيسير والمتابعة وإعادة إطلاق المبادرات السياسية كلما وصلت العملية
السياسية إلى حالة انسداد جديدة، كما ارتبطت بعض الترتيبات السياسية الناشئة عن
الاتفاق بغطاء دولي صادر عن مجلس الأمن، الأمر الذي أوجد تداخلاً معقداً بين الشرعية
الوطنية والشرعية الدولية في إدارة المرحلة الانتقالية.
وتزداد
خصوصية الحالة الليبية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الاتفاق السياسي لم يبق مجرد
تسوية سياسية عابرة أو وثيقة مؤقتة أُريد لها أن تنتهي بانتهاء المرحلة
الانتقالية، بل تطور مع مرور الوقت ليصبح جزءاً من الإطار الحاكم للعملية السياسية
الليبية. وقد ترتبت على ذلك آثار عميقة تمثلت في استمرار العديد من المؤسسات
والترتيبات السياسية استناداً إلى شرعيات انتقالية متعاقبة، الأمر الذي جعل
الاتفاق السياسي يتجاوز وظيفته الأصلية كآلية لمعالجة أزمة ظرفية ليصبح أحد
المكونات الأساسية للمشهد الدستوري والسياسي القائم.
ولم تتوقف
خصوصية الحالة الليبية عند هذا الحد، بل إن بعض الآليات التي أفرزها الاتفاق
السياسي سمحت عملياً بإعادة فتح مسارات الحوار والتفاوض كلما تعثرت المؤسسات
القائمة أو وصلت الترتيبات السابقة إلى طريق مسدود. وبدلاً من الانتقال من المرحلة
الانتقالية إلى مرحلة الاستقرار الدستوري، انتقلت ليبيا في كثير من الأحيان من
تسوية انتقالية إلى أخرى، ومن خارطة طريق إلى خارطة طريق جديدة، ومن حوار سياسي
إلى حوار سياسي جديد، ومن جسم مؤقت إلى جسم مؤقت آخر، دون الوصول إلى نقطة إنهاء
المرحلة الانتقالية بصورة نهائية.
ولعل
الإشكالية الأبرز أن كثيراً من الترتيبات التي أُنشئت باعتبارها أدوات مؤقتة
لإنهاء الأزمة تحولت عملياً إلى أدوات لإدارة الأزمة. ومع كل انسداد سياسي جديد
يُعاد إنتاج مسار جديد أو حوار جديد أو وثيقة جديدة أو ترتيبات جديدة، دون
الاقتراب من معالجة الإشكال الجوهري المتعلق بمصدر الشرعية الدستورية ومصدر السلطة
السياسية في الدولة الليبية.
ومن هنا
تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي. فالقضية ليست ما إذا كانت مخرجات الحوار المهيكل أو
اللجنة الاستشارية ملزمة قانوناً، لأن الجواب على ذلك معروف سلفاً، وإنما القضية
تتعلق بالدور الذي يمكن أن تؤديه هذه المخرجات مستقبلاً داخل منظومة إنتاج الشرعية
السياسية في ليبيا.
فالوثائق
الاستشارية لا تستمد أهميتها دائماً من آثارها القانونية المباشرة، وإنما من
قدرتها على التحول مع الزمن إلى مرجعيات سياسية يُعاد الرجوع إليها عند الحاجة.
وقد أثبتت التجربة الليبية أن بعض
الوثائق التي وُلدت في ظروف استثنائية ومؤقتة
تحولت لاحقاً إلى عناصر مؤثرة في تشكيل المؤسسات وإعادة ترتيب المشهد السياسي.
ومن هذه
الزاوية، فإن مخرجات الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية تمثل أكثر من مجرد توصيات
أو مقترحات فنية. فهي تشكل رصيداً سياسياً واستدلالياً يمكن العودة إليه مستقبلاً
عند طرح مبادرات جديدة أو البحث عن صيغ بديلة لمعالجة الانسداد السياسي.
وتكمن
خصوصية هذه المخرجات في أنها لا تُنتج خارج البيئة الليبية، بل تُصاغ بأيدي شخصيات
وخبراء وأكاديميين وسياسيين ليبيين يحظون بالاحترام والتقدير. وهذه النقطة تحديداً
هي التي تمنحها أهميتها السياسية المستقبلية. فهذه الوثائق لا يمكن تقديمها بسهولة
باعتبارها حلولاً مفروضة من الخارج، وإنما يمكن الاستناد إليها لاحقاً بوصفها
تعبيراً عن رؤى وطنية ومقترحات ليبية خالصة، وهو ما يمنحها قوة معنوية وسياسية
أكبر وقدرة أعلى على التوظيف في المراحل اللاحقة.
وهنا لا
يكمن الإشكال في نوايا المشاركين أو في القيمة العلمية لما يقدمونه من أفكار، بل
في البيئة السياسية والقانونية التي يمكن أن تُستخدم فيها هذه الأفكار لاحقاً.
فالتوصية الاستشارية قد تتحول إلى مرجعية سياسية، والمرجعية السياسية قد تصبح
أساساً لمبادرة جديدة، ثم تتحول المبادرة مع الوقت إلى واقع مؤسسي جديد.
إن أخطر
ما أفرزته التجربة الليبية خلال العقد الماضي ليس فقط الانقسام السياسي، بل ظهور
أنماط جديدة من إنتاج الشرعية السياسية خارج المسار الدستوري التقليدي. فبدلاً من
أن تُنتج الشرعية حصراً عبر الدستور والمؤسسات المنتخبة والاحتكام المباشر إلى
الإرادة الشعبية، أصبحت تُنتج أحياناً عبر الحوارات السياسية، والخرائط
الانتقالية، والتوافقات المرحلية، والوثائق الاستشارية، والمبادرات الدولية.
لقد أفرزت
التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أنماطاً من الشرعية السياسية لا تستند
دائماً إلى التفويض الانتخابي المباشر، وإنما إلى المسارات التفاوضية والتوافقات
السياسية والوثائق الانتقالية المتعاقبة. وربما يفسر ذلك كيف استمرت بعض المؤسسات
والأجسام السياسية في أداء أدوارها لسنوات طويلة رغم غياب التجديد الانتخابي
المباشر، مستندة إلى شرعية توافقية أو انتقالية أكثر من استنادها إلى شرعية
انتخابية بالمعنى التقليدي.
ولا يعني
ذلك بالضرورة أن هذه المسارات تفتقر إلى المشروعية السياسية أو أنها بلا أهمية،
فقد تكون ضرورية في بعض مراحل إدارة الأزمات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل
أصبحت هذه الأدوات وسائل مؤقتة تساعد على الانتقال إلى الدولة المستقرة، أم أنها
تحولت تدريجياً إلى بدائل دائمة عن المسار الدستوري الطبيعي؟
إن القيمة
الحقيقية لمخرجات الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية لا تكمن فيما تُحدثه اليوم من
آثار قانونية، بل فيما يمكن أن تُحدثه غداً من آثار سياسية. فالتاريخ السياسي لا
تصنعه النصوص الملزمة وحدها، بل تصنعه أيضاً الوثائق التي تتحول مع مرور الزمن إلى
مرجعيات يُبنى عليها التفكير السياسي وتُستمد منها المبادرات الجديدة وتُعاد من
خلالها هندسة الترتيبات القائمة.
إذا كانت المرحلة الانتقالية قد فرضت في بعض الأحيان حلولاً استثنائية، فإن استمرار الاستثناء لعقد كامل يفرض على الليبيين إعادة طرح السؤال من جديد: هل ما زالت هذه المسارات تقود إلى الدولة، أم أنها أصبحت جزءاً من الآلية التي تؤجل الوصول إليها؟
ولهذا فإن
النقاش الحقيقي حول الحوار المهيكل واللجنة الاستشارية لا ينبغي أن ينحصر في مدى
إلزامية مخرجاتهما، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل الدولة
الليبية ذاتها: من يملك حق إنتاج الشرعية
السياسية في ليبيا؟ هل هو الشعب عبر الانتخابات والمؤسسات الدستورية؟ أم المؤسسات
الانتقالية؟ أم الحوارات السياسية؟ أم التوافقات المرحلية؟ أم منظومة مركبة تشارك
فيها أطراف داخلية وخارجية في آن واحد؟
إن
الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة نظرية أو أكاديمية فحسب، بل هي في جوهرها مسألة
تتعلق بمستقبل الدولة الليبية ومصدر السلطة فيها وحدود الدور الذي ينبغي أن تمارسه
المؤسسات الوطنية والفاعلون الدوليون على حد سواء.
فالدول لا
تستقر بكثرة الوثائق ولا بتعدد الحوارات، وإنما تستقر عندما تصبح الشرعية واضحة
المصدر، مستقرة المرجعية، ومحصنة بإرادة شعبية حرة ومباشرة. ولهذا فإن التحدي
الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم لا يتمثل في إنتاج وثيقة جديدة أو إطلاق حوار
جديد، بقدر ما يتمثل في الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة، ومن
شرعية الترتيبات المؤقتة إلى شرعية المؤسسات الدائمة، ومن التوافقات المرحلية
المتجددة إلى الاحتكام المباشر لإرادة الشعب الليبي باعتباره المصدر الأصيل لكل
شرعية سياسية.
فإذا كانت
المرحلة الانتقالية قد فرضت في بعض الأحيان حلولاً استثنائية، فإن استمرار
الاستثناء لعقد كامل يفرض على الليبيين إعادة طرح السؤال من جديد: هل ما زالت هذه
المسارات تقود إلى الدولة، أم أنها أصبحت جزءاً من الآلية التي تؤجل الوصول إليها؟
وهل أصبح إنتاج الوثائق السياسية غاية في حد ذاته، أم وسيلة مؤقتة كان يفترض أن
تنتهي بمجرد عودة الشرعية إلى مصدرها الطبيعي؟ وهل أصبحت ليبيا، كلما عجزت عن
إنتاج شرعية دائمة ومستقرة، تتجه إلى إنتاج شرعية انتقالية جديدة؟
ذلك هو
السؤال الذي ينبغي أن يشغل النخب السياسية والقانونية الليبية اليوم، لأنه يمس
جوهر الأزمة أكثر مما يمس تفاصيلها، ويتعلق بمستقبل الدولة أكثر مما يتعلق بمستقبل
أي جسم أو مؤسسة أو مرحلة انتقالية عابرة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.