كيف تُعيد الفوضى تلميع الطغاة؟

عماد المدولي
"كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟"- الأناضول
"كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟"- الأناضول
شارك الخبر
الكثير منا قد يتعجب من ذلك الحنين الغريب الذي تبديه بعض الشعوب تجاه شخصيات وأنظمة كانت تُوصَف لعقود بالقمع والبطش والاستبداد. شخصيات كانت مكروهة ومذمومة أثناء وجودها في السلطة، ثم ما إن تسقط تلك الأنظمة حتى يبدأ الترحم عليها، ويتحول بعض رموزها إلى شخصيات تحظى بالاحترام والتقدير وربما الاستقبال الشعبي أيضا.

رأينا ذلك في أكثر من دولة عربية بعد سقوط الأنظمة السلطوية. في ليبيا مثلا عاد الحنين إلى نظام العقيد معمر القذافي لدى شريحة من الناس، كما حدث بدرجات مختلفة في العراق بعد سقوط صدام حسين، وفي مصر بعد مرحلة ما بعد يناير، وغيرها من الدول التي دخلت في اضطرابات سياسية وأمنية عميقة عقب انهيار السلطة المركزية.

لكن ما يحدث في ليبيا يبدو أكثر تعقيدا وحدة من مجرد "حنين للاستقرار"، فالأمر لم يعد مقتصرا على الترحم على رأس النظام السابق بسبب ما تعيشه البلاد من فوضى وانقسام، إنما امتد إلى إعادة تلميع شخصيات كانت مجرد أدوات قمعية صريحة للنظام. شخصيات ارتبط اسمها بالقتل والتعذيب والتهديد والتحريض العلني ضد المدنيين أثناء الثورة، وبعض تسجيلاتها ما تزال متداولة حتى اليوم وهي تدعو للعنف والانتقام وتهدد الليبيين بشكل مباشر. ورغم ذلك، نجد بعض هؤلاء يُستقبلون اليوم استقبال الفاتحين في بعض المدن، ويُعتذر لهم عمّا بدر من الناس ضدهم أثناء الثورة، وكأن الذاكرة الجمعية بدأت تفقد حساسيتها تجاه الجرائم نفسها.

ما يحدث في ليبيا يبدو أكثر تعقيدا وحدة من مجرد "حنين للاستقرار"، فالأمر لم يعد مقتصرا على الترحم على رأس النظام السابق بسبب ما تعيشه البلاد من فوضى وانقسام، إنما امتد إلى إعادة تلميع شخصيات كانت مجرد أدوات قمعية صريحة للنظام

ولعل ما شهدناه أخيرا في طرابلس خلال مراسم الإعلان عن التقرير السنوي لهيئة الرقابة الإدارية كان من أكثر المشاهد صدمة ودلالة على هذا التحول الخطير. فقد جرى تكريم شخصيات لا يمكن وصفها حتى بالشخصيات "الجدلية"، إنما هي شخصيات ارتبطت بصورة مباشرة بتاريخ دموي خلال حقبة القذافي، وتم تقديمها باعتبارها "رموزا وطنية" أو شخصيات ساهمت في إدارة مؤسسات الدولة.

من بين تلك الأسماء عبد القادر البغدادي، المتورط في قمع الحركة الطلابية خلال سبعينيات القرن الماضي، والمتهم بالمساهمة في سياسات السجن والترهيب والإقصاء لسنوات طويلة.

أما الصدمة الأكبر فكانت في تكريم هدى بن عامر، المعروفة بلقب "الشنّاقة"، بسبب دورها الشهير في أحداث الإعدامات العلنية التي شهدتها مدينة بنغازي وعدد من المدن الليبية خلال الثمانينيات، وخاصة مشهد تعلقها بجسد الشهيد الصادق الشويهدي أثناء تنفيذ حكم الإعدام شنقا، وهي الصورة التي بقيت محفورة في الذاكرة الليبية لعقود باعتبارها أحد أكثر رموز القمع بشاعة في تاريخ النظام السابق.

كيف يمكن أن نصل بعد ثورة أطاحت برأس النظام إلى تكريم إحدى أكثر الشخصيات التصاقا بآلة القمع..؟ بالتأكيد لا يمكن اعتبارها مجرد حادثة بروتوكولية عابرة، إنما هي مؤشر نفسي واجتماعي وسياسي بالغ الخطورة.

لتفسير هذا المؤشر نحتاج أولا للإجابة عن كيف يمكن لشعوب عانت من الاستبداد أن تعيد تأهيل جلاديها بهذه السرعة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط غالبا بطبيعة المراحل التي تعقب سقوط الأنظمة السلطوية. فحين يفشل البديل في بناء دولة مستقرة وعادلة، يبدأ الناس تدريجيا في إعادة النظر إلى الماضي، لا من زاوية الحرية أو العدالة، لكن من زاوية الأمن والاستقرار.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة.. الناس لا يقارنون بين "الاستبداد" و"الديمقراطية"، بل يقارنون بين "الفوضى" و"الدولة". ومع استمرار الانقسام، وغياب القانون، وتدهور الاقتصاد، وانتشار السلاح، تصبح ذاكرة الناس انتقائية. تبدأ الجرائم القديمة بالتراجع أمام ضغط الأزمات اليومية. فيتذكر المواطن الكهرباء المستقرة وينسى السجون، ويتذكر الأمان النسبي وينسى الإعدامات، ويتذكر هيبة الدولة وينسى كيف كانت تُدار بالخوف.

يتذكر المواطن الكهرباء المستقرة وينسى السجون، ويتذكر الأمان النسبي وينسى الإعدامات، ويتذكر هيبة الدولة وينسى كيف كانت تُدار بالخوف

هذا النمط ليس جديدا تاريخيان فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهر الحنين إلى حقبة ستالين لدى بعض الروس رغم حملات القتل والتطهير الشهيرة. وفي العراق أعاد كثيرون تقييم فترة صدام حسين بعد سنوات الحرب الطائفية والفوضى. وحتى في بعض دول أمريكا اللاتينية عاد الحنين إلى فترات الحكم العسكري بعد تعثر التجارب الديمقراطية اقتصاديا وأمنيا. غير أن في الحالة الليبية لم يعد مجرد حنين للدولة المركزية فقط، فقد بدأ يتحول أحيانا إلى نوع من التطبيع الأخلاقي مع شخصيات مرتبطة مباشرة بالعنف السياسي والقمع الدموي.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة جدا: فشل المرحلة التي تلت سقوط النظام لا يجعل جرائم النظام السابق أقل فظاعة، كما أن فساد الحاضر لا يبرئ استبداد الماضي. المشكلة الكبرى أن كثيرا من الشعوب العربية تقع دائما في فخ المقارنة الخاطئة؛ فهي تقارن بين "الدولة الفاشلة" و"الدولة المستبدة"، بينما المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين "الدولة المستبدة" و"الدولة الناجحة العادلة".

على الناس أن يستوعبوا أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب الفوضى، بل بوجود العدالة، وحرية الإنسان، واحترام القانون، وعدم تحويل الوطن إلى مزرعة خوف يديرها الجلادون.

وحين تفشل المجتمعات في بناء نموذج ناجح بعد سقوط الطغيان، فإنها تمنح الاستبداد فرصة ثانية للعودة، ليس بالضرورة عبر الدبابات، إنما حتى عبر الحنين الشعبي وإعادة تلميع الذاكرة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)