تحصين مساكن المسؤولين ومحاصرة الفضاء العام في ليبيا

عماد المدولي
"هل يُطلب من الناس أن يتكيفوا مع وجود سيارات عسكرية وحراس مسلحين في كل دخلة وخرجة"- عربي21
"هل يُطلب من الناس أن يتكيفوا مع وجود سيارات عسكرية وحراس مسلحين في كل دخلة وخرجة"- عربي21
شارك الخبر
لم يعد إغلاق عدد من الشوارع في المدن الليبية الرئيسية تفصيلا عابرا أو إجراء أمنيا مؤقتا، بل صار مشهدا ثابتا يتكرر حتى فقد غرابته.

شارع يُغلق لأن مسؤولا قرر السكن فيه، مداخل تُسد بالخرسانة، سيارات أمن تنتشر، وحياة الناس وأماكن مرورهم تُعاد صياغتها بأمر واقع يُفرض دون شرح أو مساءلة.

هذا السلوك ليس وليد اللحظة؛ تاريخيا حين تنفصل السلطة عن المجتمع تميل بطبيعتها إلى الانعزال، وحين تشعر بعدم الأمان تبني حول نفسها طبقات من الحماية.

في السابق كانت القلاع والقصور المسورة تعبيرا مباشرا عن هذا المنطق، أما اليوم فقد تغير الشكل وبقي الجوهر. لم يعد الحاكم يسكن قلعة، بل تحولت الأحياء نفسها إلى قلاع تُغلق وتُحرس ويُعاد تعريفها وفق ميزان النفوذ لا وفق القانون.

في بنغازي، تبدو هذه الصورة واضحة في منطقة سيدي فرج، حيث جرى شراء مساحات واسعة من الأراضي وتحويلها تدريجيا إلى نطاق خاص، لا يسكنه إلا أفراد من عائلة الجنرال خليفة حفتر ومقربون منه، دون وجود غرباء أو حياة طبيعية لحي مفتوح. لم يُعلن عن منطقة عسكرية، ولم تصدر قرارات رسمية، لكن الواقع يقول إن المكان خرج من كونه حيا عاما وأصبح فضاء مغلقا بحكم القوة لا بحكم التخطيط.

وفي طرابلس، يتخذ المشهد شكلا آخر لا يقل دلالة. في حي الأندلس، أحد أكثر الأحياء عمرانا وحياة، اشترى عدد من المسؤولين في حكومة الوحدة الوطنية فيلات حديثا، لتبدأ بعدها عملية صامتة من الإغلاق والتضييق. شوارع تُقفل، مداخل تُغير، وحركة سكان قدامى تُربك، فقط لأن مسؤولا اختار أن يسكن بجوارهم.

أصحاب بيوت قديمة وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في شوارع اعتادوا المرور فيها دون سؤال، وأصبح الوصول إلى البيت تجربة يومية تمر بجانب السلاح ونظرات الحراسة.

الأكثر غرابة في هذا المشهد أن بعض هذه التحصينات تحيط بمساكن شبه خالية، الحالة الأكثر تعبيرا هي فيلا رئيس المجلس الرئاسي السابق فايز السراج بمنطقة النوفليين في العاصمة طرابلس، حيث أُغلقت عدة شوارع ووضعت خرسانات تحرس ثلاثة مداخل، رغم أن الفيلا نفسها نادرا ما تُستخدم، وصاحبها لا يتواجد فيها إلا على فترات متباعدة. هنا ينتفي منطق الخطر الفعلي، ويبقى معنى آخر أكثر وضوحا، هو استعراض السلطة حتى في غياب صاحبها.

السؤال الذي يفرض نفسه وسط هذا المشهد ليس عن الحاجة إلى الحماية، بل عن حدودها. هل يُعقل أن يُمنع أو يعرقل مواطن من الوصول إلى بيته لأن مسؤولا قرر السكن بجواره؟ هل يصبح الطريق، وهو حق عام، أمرا قابلا للمصادرة باسم الأمن؟ وهل يُطلب من الناس أن يتكيفوا مع وجود سيارات عسكرية وحراس مسلحين في كل دخلة وخرجة، وكأن هذا ثمن طبيعي للحياة في مدينة يُفترض أنها مدنية؟

ما يجعل هذه الممارسات أشد قسوة أنها تُقدم بكونها أمرا طبيعيا، بل يُتوقع من الناس تفهمه وتبريره. ومع الوقت يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الأمن هو حماية الأشخاص لا حماية المجتمع.

لا يبدو لي من مثل هذه التصرفات أن المسؤول أقوى، بل أكثر خوفا، لأن من يثق في شرعيته لا يحتاج إلى إغلاق حي كامل، ولا إلى تحويل الشارع أو المنطقة إلى مسكن عائلي مغلق.

عندما يشعر الإنسان أن حقه في الطريق أقل من راحة مسؤول، حينها تتصدع فكرة المواطنة، والمدينة التي يُفترض أن تكون فضاء مشتركا تتحول تدريجيا إلى جزر معزولة، لكل جزيرة حارسها وسلاحها واستثناؤها الخاص.

ما يحدث اليوم ليس مسألة أمن، بل سوء فهم عميق لمعناه. الأمن الحقيقي لا يُبنى بعزل الناس ولا بإقصائهم من شوارعهم، ولا بتحويل الحياة اليومية إلى مسار مليء بالحواجز. الدولة التي تحمي مسؤوليها عبر الفصل بينهم وبين المجتمع، إنما تعترف ضمنيا بأنها فقدت الثقة في هذا المجتمع، ولا يمكن لثقة مكسورة أن تنتج استقرارا حقيقيا، مهما بدا المشهد من الخارج هادئا ومسيطرا عليه.
التعليقات (0)