عُمْر خارج البرمجة

محمد صالح البدراني
"دور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين، بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار"- عربي21
"دور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين، بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار"- عربي21
شارك الخبر
ماذا يعني كبر السن؟

هل العمر محض سنين تعد؟ الحقيقة وبالدقة نعم، ولا! أيضا، النفس لا تكبر وإنما تتكيف وتروض وتتجاوب مع العجز، هذه حالات وليست مواصفات النفس، وهنالك نفوس تبقى شابة تتفاعل مع الحياة لأنها ترتبط بمهمة والعجز عندها هو العجز عن أداء المهمة، فتتراجع لكنها تبقى في حيوية تقاوم المرض وربما تتجاهل عمق أثره طالما أنها في المهمة. فكبر السن هو عدد السنين ودرجة الهرم وانتهاء المهمة، وهنا أيضا وصف لحالات متعددة وليست مواصفات، وليس كبر السن يعني خبرة وإصلاحا دوما، فهنالك زيادة في الخيرية وهنالك جنوح نحو السوء، وشاهدت أناسا ينطقون بكلمات سوقية تعبر عن ماض صعب ما زال فاعلا عندهم، وربما كان العجز عندهم غياب زملائهم وأصدقائهم وآخر شخص حي كان يجالسهم في مكان عام.

الانطباعات عن العلاقة بالله:

يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة كعبادة، وأن الفهم أساس التعامل مع الله وليس المظهر أو التوجه للعبادة عند من لا عمل له.

المستقبل والخوف:
يتصور البعض أن مع العجز تبدأ العلاقة بالله أو تزداد أو تصبح هي المهمة الوحيدة، والمعنى دوما هو التعبد من صوم وصلاة، وهذا اختزال لفهم العبادة ومعناها، بينما العمل ونفع المجتمع يأخذ سعة

في عصرنا الحالي نجد أن إعداد الأبناء الطبيعي والاستقلال بالقرار قد يحتاج نحو 23 سنة من العمر، في هذه الفترة تضخ فيه الخبرات وممارساته تدريبا له، وهي تقريبا كمعدل ذات فترة نهاية العمر.

زمن فترة يخطط لها المجتمع والدولة إلى فترة بدون تخطيط، وكأنها عمر ضائع بلا قيمة، لا برمجة ولا استفادة من الخبرة، بل إن الأبناء قد يضيقون ذرعا بتدخل الآباء ليس لأن تدخلهم غير مطلوب بل لأنه غير مبرمج، فأحيانا يتدخل الكبير من حرصه بما يعتبر تطفلا، وهو غير ملمّ بالموضوع لكنه يخمن بما قد لا يلامس الموضوع، وهنا تتعمق فرضية الأبناء أن تدخل الكبار سلبي، لكن الخطأ يكمن بمحاولة الأسرة إبعاد الكبار تعمدا عن التفاصيل خوفا عليهم أو لأنهم يواجهون المواضيع بعصبية واهتمام به إلحاح في مواضيع يرى الشباب أنها غير ملحّة، بيد أن غياب التخطيط لمكانة وفاعلية الكبار في السن يجعلهم قريبين بعيدين، والناس عادة لا يوزعون المهام إلا إن عجزوا وأثبت أحدهم قدرته على أدائها.

الكبار يخططون لمستقبل غير مضمون، لكن متى كان المستقبل مضمونا؟ بيد أن هذا عرف ربما يُنتقد عليه المسن إن تعارض ومصالح آخرين من أسرته، الحقيقة أن العالم لن يتوقف وأن المهمة هي المستقبل ودور الإنسان لا ينتهي بعدد السنين، بل بقدرته على الإنجاز والتكيف للاستمرار.

نجد كبار السن بنفسية شباب ونساء بنفسية صبايا كنشاط وفاعلية، لكن في الغالب مستجيبات لعرف أنهن عجائز وهذا يعني محو أي صفة أنثوية، بينما المعروف أن الأنثى تبقى أنثى كما الرجل، ولكن بدرجة من الفسلجة المتأثرة بعوامل الاندثار في بعض أجهزة الجسم؛ القلب، الكلية، الأمعاء، الجهاز التنفسي، أو الجنس على اعتبار أن الأنوثة تنتهي مع نهاية الإباضة وهو ما أفضله عن التسمية بسن اليأس، لكن الأنوثة لا تنتهي هنا، سن اليأس يعبر عن نقص إحاطة مجتمع، نعم ربما ترفع من ذهن من ابتعد زوجها عنها أو تغير تعريف العلاقة بينهما، لكن من توفي عنها زوجها وحاولت أن تستعيد ما أحست أنها فقدته أو لم تفعله وفق تصورها وإرادتها فهذا حقها الذي يعتبره المجتمع حالة نشاز، وغالبا هذه الأمور لا تُفهم من المجتمع وإن كانت هنالك مجاملات لها من المحيط، لكن يقال رجل متصابٍ أو امرأة متصابية، وكأنه نقص في أهلية الإنسان أن يُظهر شباب نفسه ما دام منضبطا بعوامل الاكتفاء، وهذا أيضا بسبب التخطيط، أو الوجود والكينونة أو لوازم المحافظة على الأسرة، وربما يحس الرجل أنه كان فاشلا مع زوجته، أو تحس المرأة أنها كانت بعلاقة من أجل العُرف أو القيم والأبناء والأسرة، وعندما كبرت وتغير الظرف أظهرت وجودها بشكل صراع مع الزمن للعطاء فتبدو وكأنها ليست طبيعية، والحقيقة أنها طبيعية لكن خارج الصورة النمطية لكبار السن بغياب التخطيط.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم

كبار السن أنفسهم يعيشون حالة خوف القرار، لأن القرار قد يؤثر على أسرة بنوها، أو أعمال أشادوها، أو تاريخ، ناهيك عمن فشل في جزء حياته السابق في تحقيق النجاح بعلاقاته أو كان أحد الطرفين سيئا بالتعام،ل وهنا القرار باختيار الرفيق لمن فقد رفيقة أو يريد نوعا من حياة قد لا تأتيه عن تخطيط أيضا، أن يحقق نوعا من العيش على قدر قدرته بأسلوب مختلف، لكن هذا يحتاج إلى مغامرة بغياب التخطيط لهذه الشريحة من البشر، هنا يحتاج الإنسان وقتا لا يملكه، فتضيع فرصة أو ينجو من نزوة وزلة؛ لكن الخوف مبرر وليس التردد، كالخوف على نمط حياته الذي تقبّله ولو على مضض، الخوف على أسرته التي يحبها، الخوف حتى على مال قل أو كثر، فهو يريد إنشاء مشروعا، وهم سيقولون له يكفي يا جدنا فأنت تعبت كثيرا لا ترهق نفسك، اخرج تجول أو سافر، إن لم يقولوا له اذهب وتعبّد، مالك وللدنيا. وكأن العمل للدنيا، أفلم يرو الدنيا زائلة لا بشر يملكها، وأن العمل جزء من مهام الإنسان حتى مماته، لأنه يحسسه بالحياة وكأي مسؤولية حتى رعاية الشريك أو الرفيق.

التخطيط: كما يخطط للأجيال وتعليمهم وتربيتهم وتأهيلهم للعمل، ينبغي أن يخطط للاستفادة من هذه الأعمار؛ ليس بوضعهم في حديقة أو منتدى لتضييع الوقت، وإنما إجراء نشاطات باختصاصاتهم أو بما يريدونه هم، وعمل ورش لحل القضايا العامة وترتيب اجتماعات بمستخلصات وتفاصيل الأعمال مع المسؤولين، وترويج إنتاجهم العلمي أو الفكري أو الأعمال اليدوية أو من خلال أجهزة ما وفق إمكانيات الدولة، ومعها ما يعمل الآن من إنشاء ما يشبه منتدى فيه مطعم وجلسات سمر.

نفس الشيء مطلوب في العائلة بشرح الأمور لهم وليس بالضرورة تطبيق ما يقولون، لكن قد يُنتجون حلولا حقيقية من خبراتهم وإخفاقاتهم تجنب الجيل العامل بعض هذه الإخفاقات.

إن كثيرا من الأمور يخسرها المجتمع بتحييد خبرة الكبار، وقد يخسر الكبار حقهم بالسعادة عندما يستجيبون لمعايير المجتمع عليهم.
التعليقات (0)