مدونات

حداثة بائدة وحداثة رائدة (1)

محمد صالح البدراني
"الواقع يظهر فجوة هائلة"- CC0
"الواقع يظهر فجوة هائلة"- CC0
شارك الخبر
حركة البشرية:

منذ انطلاق رحلة التنمية وصياغة قوانين لإدارة الحياة، كانت القوانين لحماية الرأسمالية المتشكلة، وأما القيم فلم يك لها دور إلا بالكلام، فكانت الإنسانية لها معنى يختلف عندما يرى الأوروبي الهندي أو العربي الإحساس بالتفوق، ولأني متفوق أفعل ما أريد بغيري، وهو تفسير ضال واستعارة تعسفية من علوم الأحياء والنشوء والارتقاء في الاجتماع والسياسة بما لا يمكن استعارته.

الحداثة بدأت في تغيير نمط الحياة في أوروبا ومن المدن الساحلية كفينيسيا في المدنية وليس بناء حضاريا فكريا وهذا اختلاف مهم عن الشرق، لكن حكم الغرب أن معيار تفوقه التكنولوجي أو الجنس الأبيض بتفسير سيئ؛ جعله في صراع مع الشرق ورغبته الفاشلة في تغييره، فالشرق حضارات وأمة، أما في الغرب فالدولة هي مؤسسة وشركة، وتنافسه مع أرقى المدنيات في عصرها أنتج هزيمة الاتحاد السوفييتي لأنه خالف الطبيعة البشرية وفق التصور العميق للإنسان والذي يطل برأسه مهما حاول الطغيان إخفاءه.

الحداثة الآفلة:

حداثة الغرب آفلة ولأسباب كثيرة شرحها الباحثون، فهي لا تستند إلى فكر حضاري كي تتجدد ولا تتميز بوحدة اللغة كالصين. وقد تُنتقد الحداثة ودولتها "أنها لبوس زائف يتهاوى أمام أفكار أخرى تواجهها"، وأنها لا تصمد أمام منافس مختلف بالنمط الحياتي لنفس السبب، وهو أنها لا تقوم على فكر وإنما على قيمة النفعية، وهو ما نرى فيه كل إيجابيات السلوك الحسن مع الزبون.

هذه الدولة ليست مجرد هيكل إداري، بل تجسيد للحداثة: تسيطر على الاقتصاد، تنظم المجتمع، وتفرض العقلانية -كما تسميها- على الطبيعة والإنسان.

أما عن "من يتهاوى الآن"، فالسؤال يفتح نقاشا حول أزمة الحداثة أم أزمة الدولة الحديثة. من منظور تاريخي، يرى بعض المفكرين أن الحداثة نفسها تتهاوى، إذ انتهت عصرها مع الحرب العالمية الثانية أو حتى الثمانينيات، مفسحة المجال لما بعد الحداثة (postmodernity) التي تفكك السرديات الكبرى مثل التقدم والعقلانية، وتكشف عن هشاشة الوعود الحداثية في مواجهة العولمة (الانهيار البيئي، والأزمات الرقمية، على سبيل المثال). يتحدث كريستوفر كلارك عن "نهاية الحداثة" في 2025، مشيرا إلى تفكك العولمة والعودة إلى صراعات ما قبل الحداثة، كما في النزاعات الإقليمية والطائفية.

من جهة أخرى، يركز آخرون على تهاوي الدولة الحديثة نفسها، لا الحداثة كمفهوم، بيد أن الدولة الحديثة لم تعد حديثة وتحتاج تحديثا، وهي لا تصمد أمام التقارب الذي يحصل في العالم، حيث الجغرافية أضحت متقاربة بسبب الاتصالات والمواصلات، وانتقال الأمراض أضحى وكأن لا حواجز بين الأمم، وهذا أمر مهم الحقيقة يبين الحاجة إلى تفكير جديد.

الحداثة حداثات:

الحداثة ليست متلازمة مع أمة أو شكل واحد، بعمق التاريخ كان الإسلام يقود حداثة فكرية أخلاقية استطاعت احتضان المدنية، لكن الفهم للإسلام وفكره تراجع من العمق إلى السطحية وما زال، والتراجع سبب تحييد الأمة واستمرار انحدارها إلى يومنا هذا أو على الأقل السبب الذي أضعفها فجعلها فريسة حية تنهشها كل الضباع وهي حية.

إن رفض فكرة الحداثة الواحدة يسمح ببناء النموذج المحلي، مما يجعلها أكثر استدامة وتكيفا مع التحديات المعاصرة لبناء النموذج الحقيقي بلا رتوش، أما الدولة الحديثة التقليدية فقد بُنيت غالبا على أسس عملية مثل احتكار العنف الشرعي (كما وصفها ماكس فيبر)، وهو أمر يشبه ولاية التغلب وشرعية الظلم للحاكم، أما مقاومته فهي إرهاب منتهى التخلف الأخلاقي وخيانة المعلن من المبادئ، وقد تعلن بعنوان التنمية الاقتصادية، دون التركيز الرئيس على الأخلاق. ومع ذلك، هذا لا يعني أن الدولة يجب أن تبقى كذلك؛ بل يمكن إعادة تصورها ككيان أخلاقي يركز على السعادة الإنسانية والعدالة، وعندما يضع الباحثون مثالا على ذلك هو مملكة بوتان، التي اعتمدت "السعادة الوطنية الإجمالية" كمقياس رئيسي للتقدم بدلا من الناتج المحلي الإجمالي، فهو مثال محبط كنموذج مبني على مبادئ بوذية بالنتيجة، يشمل أربعة أعمدة رئيسية: التنمية الاقتصادية العادلة، الحفاظ على الثقافة، الحماية البيئية، والحكم الجيد.. ولكن.. هل هذا حقيقي؟

بوتان تُروج لنفسها كـ"أسعد دولة في العالم" من خلال مفهوم (Gross National Happiness -GNH)، الذي يُقدم كبديل أخلاقي للنمو الاقتصادي، مع التركيز على الرفاهية والثقافة. لكن الواقع مختلف تماما: في التسعينيات، نفذت الحكومة حملة تطهير عرقي ضد شعب اللوتشامبا (النيبالي الأصل)، طردت أكثر من 100,000 شخص، وسحبت جنسياتهم، وأجبرتهم على النزوح إلى مخيمات لاجئين في نيبال. هذه الانتهاكات وُصفت بـ"التطهير العرقي" من قبل منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي إنترناشونال، واستمرت مشكلات مثل السجناء السياسيين، وقمع حرية التعبير، والتمييز العرقي. شعار "السعادة للجميع" يغطي في الواقع على سياسات "واحدة أمة، واحد شعب" التي تهمش الأقليات غير البوذية.

الولايات المتحدة: "الحرية والمساواة" مقابل الظلم العنصري والسجون. الولايات المتحدة مبنية على شعارات إعلان الاستقلال: "كل الناس خُلقوا متساوين"، مع حقوق الحرية والكرامة. لكن الواقع يظهر فجوة هائلة: السجون الأمريكية مليئة بانتهاكات حقوقية، خاصة ضد السود، مع معدلات سجن تفوق العالم بأسره، وعمل قسري غير مدفوع (يُشبه العبودية الحديثة)، وعزل انفرادي، وتمييز عنصري منهجي. تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش تتحدث عن "انتهاكات صارخة للكرامة"، مع تأثير غير متناسب على الأقليات العرقية، مما يعكس إرث العبودية والعنصرية.

الكنيسة الكاثوليكية: "كرامة الإنسان" مقابل الفضائح. التعليم الاجتماعي الكاثوليكي يضع الكرامة الإنسانية في صميم تعاليمه، محذرا من الاستغلال والظلم، لكن الكنيسة نفسها واجهت فشلا ذريعا في تطبيق هذا، اليوم نرى كثير ممن يزعم التدين الإسلامي وهو في الحكم أسوأ نموذج يناله في مؤشر دينيس.

في الجزء الثاني إيضاح وعلاج بإذن الله
التعليقات (0)