القيم الأخلاقية:
الدعاية التي تقتل الحقيقة هي المحبطة، الكثير من النماذج والأنظمة التي
ترفع شعارات الكرامة
الإنسانية والعدالة والسعادة غالبا ما تفشل في تطبيقها على
أرض الواقع، بل قد تُستخدم هذه الشعارات أحيانا للتغطية على انتهاكات جسيمة. هذا
التناقض ليس استثناء، بل ظاهرة متكررة في التاريخ السياسي والاجتماعي، حيث يُستغل
الخطاب الأخلاقي لتبرير التعصب، التهميش، أو القهر ودوما علو الرعاع والغوغاء هو
إهانة لكرامة العلماء الإنسانية.
طرحنا نماذج مضللة لا تمثل فساد القيم وإنما فساد الإنسان الذي خفف
الصرامة على نفسه بالتزامها حتى تحولت إلى استجابة للعدمية والكراهية، وبالتالي
الانتقام من فشل النفس بتدمير الآخرين. اليوم نرى الولايات المتحدة تقول لأني قوة
عالية فيحق لي أن افعل ما أشاء، نوع من الفرعونية المتطورة، ولأني من جنس أبيض راق
ولا تدري لِمَ هو راق رغم كل ما يحصل، فالبقية محض كيانات لتحقيق ما أريد، وهكذا
الطائفيون الذين لا يملكون رؤية لكينونة بشرية يحاولون صنع بيئة رديئة لأنها
تناسبهم في العيش، وهل تهتم البكتريا وهي تبني بيئتها بما يصيب الحياة؟
الحداثة الرائدة:
ذكرنا في عصر النبوة نشوء نموذج قائم على العدل وقبول المختلف باعتباره
جزءا منك؛ إن أحب اندمج معك أو تكامل محتفظا بخصوصية ما يراها أفضل له، وهذا
النموذج هو نموذج كتجربة قابلة للطور العلمي في الإدارة والتوسع الفكري والقانوني
الحضاري، لكن النماذج التي أنتجها البشر تستقيم على قدر رد الفعل ليتحول المظلوم
ظالما والدعي صادقا والأمين خائنا. النظم الغربية تعاملت مع الوافدين مدنيا وفق
معالجة شعوبهم للمسالمة والرأسمالية والهدوء التقليدي، لكنها لم تبد ذاك التعامل
عند تعاظم نشاط المسلمين الفكري خصوصا وأن المسلمين أنفسهم ليسوا على نمط واحد، بل
هم انتحوا نحو السطحية والشكليات والمظاهر وتحرر العواطف التي كانت هي الأخرى
مكبوتة في بلادهم.
دون شك كثر
أدعياء القيم من كل المتسلطين في الأرض لكن تحكمهم ويحكمونا بغرائزهم وجهالتهم،
فنحن نحتاج باختصار الإيمان الحقيقي بما نقول وهذا يحتاج:
1. الفهم العميق
للفكر وأن لا تمايز بين البشر في إيجابيات، وهذا يتطلب تعليم مستمر وتخصيص
الحوارات وتوسيع الاندماج بالمهام الإنتاجية دون إبراز لخلافات الخاصة من رجال دين
وعلماء، والأَولى بهؤلاء أن يقيموا صالونات خاصة بهم ومراكز بحوث لتساؤلاتهم، وليس
نقاش من هو الأفضل أو الأصوب، فالأديان الثلاثة مصدرها واحد عليهم إن ظنوا أن
هنالك خطأ أن يجدوه وليس التترس والاستقطاب.
2. الصدق في
التنفيذ: هذا هو الحارس الحقيقي، وليس المزايدات وزعم الإخلاص.
3- السلطة تفسد:
عندما يصبح الحارس نفسه مستفيدا من انتهاك القيم، يتحول إلى جلاد. التاريخ مليء
بأمثلة فترى الدعوة شيئا والفعل ضد.
4- الخوف والمصلحة: عندها يصبح المجتمع شريكا
في التخلي عن القيم.
5- غياب الإيمان
الجماعي: عندما يفقد المجتمع إيمانه بالقيم المشتركة، يحل محله الولاءات الضيقة
(قبلية، طائفية، حزبية).
من هو الحارس؟ الحارس
الذي يعامل الجميع بمسطرة المساواة ويرجح العدل وليس بتسليط فئة على فئة فلا
تستقيم الأمور.
هل الإسلاميون
حكموا فعلا؟ منذ عهد الرسول كان الحوار والنقاش مع الرسول فكانت الحلول تثبيتا
للثوابت وإلغاء للشطحات، وما بعد الرسول كل شيء يعتبر رأيا قابلا للنقاش والرد، أما
الحكم العضوض فقد أسقط الشورى وفتح أبواب الاستبداد وحكم التغلب الذي نحر الشورى،
وبقي الشعب تحت رحمة المتغلب وأخلاقه والتزامه الشخصي.
وفي عصرنا وجدنا
تقليدية مقيتة واستغل الأعداء النظرات المتطرفة فسخّروا الطاقات وجندوها لقتل
أهلها والتخريب والتنكيل، في حين أن فئة أخرى فرضت سلطات الأشخاص وعظمتهم إلى
العبادة وامتلكوا أموال السحت واستحلوها، وأصبح الأمر ليس سرا بل لم يعد منكرا
وإنما يسير مرتكبه بخيلاء، ومن يعظمه يعلم أنه سارق وهو يعلم نفسه سارقا ويعلم أن
من يعظمه يعلم أنه سارق.
كل شرّع لنفسه
وظن أن هذا لا يثلم من قربه إلى الله، بل تقرب الناس إلى الله موقنين أن قتل الناس
تقربا أو الإضرار بهم وأنت متمكن واجبا وشطارة، وهذه إساءة إلى رب العالمين.
إن أراد المسلمون
قيادة حداثة مطلوب ظهورها:
1- عليهم إسقاط
كل معتقد يسمى بغير الإسلام، طائفة أو عشيرة أو عرق أو توجه ديني أو سلوك تعبدي أو
فهم سقيم.
2- إذن لا بد من الفهم والفهم أول خطوات
النهضة الفكرية وتشخيص صائب لامعات تافهة.
3- بناء مراكز دراسات وتدريب وتأهيل ومحطات
تلفزيونية، وإنشاء مواقع لمحاضرات على الناس توضح وتنقد كل شيء، ويمكن أن تكون
نواة لعمل ديمقراطي في اختيار الحاكم الحكومة، ويمكن أن يدرب على هذا القسس
والخطباء.
4- إن إقامة نموذج بشكل صحيح كاف جدا لدعوة
الناس للتفكر عندما ينتج العدل أدواته في عصره.
إن بقاء المسلمين
على عناوين معتقدات ثانوي وعدم إفساح المجال للفر هو من النفس عدوا للنفس، كذلك
بقاء رجال الدين من كل الأديان على زرع التمايز وما يقود لضعف الانتماء والكراهية
من أجل الرعوية، فهو تخريب للنسيج والتفاهم وضعف على مدى أبعد في الانتماء للبلد
والدين نفسه، فترى الهجرة في أقرب فرصة هي الحل بدل السجن النفسي في بلده وهو سجن
وهمي.
العالم كله
متضرر:
قصر النظر بعداء
الإسلام بدل ترك التفاهم بالفعل وليس برد الفعل، أضاع فرصا على الغرب والشرق
والمسلمين أنفسهم في فهم الإسلام الفهم الصحيح، وفهم معنى التدين بأي دين، بل
الاستفادة من غريزة التدين في زرع الأمن والمحبة بين الناس.
المسألة ليست
إقامة اسم على دولة بل أن تتعامل الدولة في تطبيق الاسم، وإن كان السلم للناس كافة
فهو كذلك بالفهم، وأن كرامة المستبد والمظلوم منهارة بالظلم وليس كرامة المظلوم
وحده، فالمظلوم مغتصب عن ضعف، لكن الظالم مهان بإرادته لتجرده عن إنسانيته والقيم
وكل شيء، وما ينطبق على الفرد هنا ينطبق على الدول.. كل الدول.