إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

محمد صالح البدراني
"الرسول كان مكلفا بمهمة وسعى لأن يوصل رسالته"-CC0
"الرسول كان مكلفا بمهمة وسعى لأن يوصل رسالته"-CC0
شارك الخبر
الحب منطلق رغبة الخير:

دون شك، إن الحب دافع كبير لأن يكون من تحبه على صواب أو يسلك طريقا يكون فيها آمنا للوصول إلى رضا الله، فأنت لا تريد أن تقف أمام رأيه عنوة، ولا أن تنتقد، وإنما تريد الأمن والسلام له، وهذه الحالة تظهر عندما يحب إنسان من لا يوافق فهم إيمانه، فالحب إحساس إنساني فيه عاطفة وفكر، لهذا تجد أن هنالك رغبة للنصح، والنصح غالبا لا يفيد وأنت باخع نفسك ترشد إلى الوسائل والسبل التي يصل بها من لا يريد أن يتحرك إلى حيث ترى أنه أمانه، بل هو مطمئن يشبع فعله هواه وأنت ترى أن ما يفعله مسألة تضيع فرصته في الخلود برضا الله، كذلك كان عم الرسول الذي تربى عنده وكان يحبه.

بيد أن الآية هي للعموم، فالله من هدى الرسول وهو من يضع الهداية في الاختيار بمعنى العطاء. ربما يفهم قارئ أن الله يهدي والله يحجب الهداية، في هذا المعنى يمكن أن تأتي لحالات بعلم الله، لكن معنى الهداية هو من يفسر الآية بشكل صحيح، وآيات أخرى تفسر معنى الحب بشكل واضح، وأن الرسول كان مكلفا بمهمة وسعى لأن يوصل رسالته إلى أكبر عدد يمكن يمهد له الطريق ويحثه عليه، وليس فقط يهديه، أي يرشده إلى الفكرة والاستنارة، هنا ينبه اللهُ رسولَه، أنها ليست مهمتك وإنما مهمتك أن تأخذ ما هداك الله إليه وأوضحه ليتضح إلى الناس كافة وهو به الهدي إلى الطريق القويم، وهذا لا يأتي بلا استعداد وجهوزية.
هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك
والجهوزية هي الإيمان؛ "ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ". هذه الآية توضح معنى الله يهدي من يشاء، أي من عنده استعداد ليوازن هواه فلا يطغيه ويستحضر التقوى فتسهل المعرفة والبيان والهدي أي الإرشاد، فهو مع الله مباشرة ومن شرح الله صدره للفهم فقد أوصله قمة الهدي والجهوزية.

الهداية:

هداية الدعاة إرشاد، فقط التبليغ بما يعلمون، لا يجبرون أحدا ولا يحكمون عليه. هو نوع من تفعيل المنظومة العقلية، أي تزويدها بالمعلومة، فمن الناس من يصم أذنه أو يضيق صدره إن سمع ما يخالف هواه، ومهما كنت تحبه فهو لن يصغي لك، ومهما كان يحبك فهو يتمنى أن لا تعيد عليه نصحك، هذا يعرف الحق ولا يريد اتباعه، فيقول إن الله لم يأمر بهذا وإنما استحسنه، أو أنه مستحب وليس فرضا، أو أنا لا أبدو جميلة بلا تبرج أو حجاب، أو أنا أفقد متعة الحياة إن لم أذهب إلى الحفلات والملاهي، أنا سأسجن فكري في قناعات دينية وأحكام.. مهما أحببت هذا الإنسان أو أحبك فلست هاديا له بأكثر من معنى التذكير، فإن زدت فقد فرصة أن تكون قربه ساعة تعمل منظومته العقلية فتدور المعلومة فيوفقه الله حينما تتحرك المنظومة العقلية وتخرج من عبودية الهوى، لأنها حقيقة من يختبر في الدنيا، فمن لا يحب التفكير ولا يسعى للآخرة، فهو حتما يشغل منظومته العقلية في أمور الهوى ويوفق فيه كما يوفق من يشغلها في درب القرب من الله.

المشيئة:

"أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّة فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (الزمر: 57-59).

فالهداية من الله بفاعلية المنظومة العقلية، لكن قد ترى أمامك الحق وتصد عنه فتكفر أي تغطيه وتميعه فلا تسمعه وتغضب منه، فلن يهديك الله بتوفيقك إليه، لكن إن سرت في طريق الحق سهل الله لك وهداك، أي وفقك لمعرفة هُداه وأوصلك لرضاه.

"مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوما مَّدْحُورا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورا، كُلّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورا" (الإسراء: 18-20).

ومهما بلغت بلاغة الكاتب فهو عاجز أن يوصل الفكرة التي تأتي إلى الذهن من هذه الآيات، انظر إلى حالة العدل، من أراد أن تكون جنته الدنيا فسيعطيه الدنيا، وكلما زاد عطاؤه زاد عذابه لأنه سيتمادى ويطغى، فإن لم يعطه فهو يعطيه الفرصة، فإن لم يتعظ فقد خسر الدنيا والآخرة. أما من أحب الجاه فسيجده، وسيجد الإعجاب والحفاوة والتكريم، وسيعتاد عليها لأنه مع الوقت يظن أنه يستحقها، وسيجري المال والمنصب لكنه لا يوفق فيهما بعمل إلا زاده اندحارا وذما، وإن كان كلامه كله بالقرآن فلا يتجاوز حنجرته إلى فعله.

ما هي الفرصة؟
كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق

الإنسان قد يتصرف برد الفعل مع النقص بأساليب التربية، فما أن يتحرر ممن ضغط عليه حتى يذهب بالاتجاه المعاكس لما كان مجبرا أو منشدّا إليه، فإن كانت نفسيته سيئة فستطغيه وإن كانت حسنة فستضع أمامه ما يناسبه من خطاب الهوى، شيء يدخل كينونته ويتفاعل مع عواطفه ويحرك منظومته العقلية بتوازن وتصويبه فيعود إلى الإيمان بفهم جديد، إلى الصواب ولكن بلا ضغط أو إجبار وإنما هذه المرة بتفعيل منظومة العقل والاختيار.

الغفلة تقود إلى الوهم والضياع:

إن الله يرزق الجميع والرزق منه فليس شطارة وإن بدا كذلك، فهنالك من هو أشطر ولكن لا يأتيه ما يأتيك وهنالك من هو أعلم منك فلا يُنتدب لعمل يدر ما يدر لك، وهنالك من يحيط به الناس بدوافع متعددة فيرى أنه حقق ذاته، لكنه ثبّت ذاته على الضلال وهذا أسوأ ما يمكن؛ لأنه لن يرى فرصة محب له حقا يحاول أن يرشده فلعله يصل إلى هداية الله وتوفيقة.

كثير من الناس يوجه الناس من فوق أو يحتقر الغافل بينما هو مشروع هداية، وكثير من الناس عندهم العلم ولكن ينقصهم السلوك، فالبشر إما أن يضعفوا فيستدركوا، أو أن يطيب لهم الهوى ويخفونه بالنفاق.

اللهم إنا نسألك الثبات والنجاة من ميل ينحدر بنا وقارب نجاة نريد أن نصل به فتضيع البوصلة منا.
التعليقات (0)