مدونات

حتى أنت يا بروتس!

محمد صالح البدراني
"حاكم قوي، مستقر، ممسك بمفاصل الدولة، لكنه يخطئ الخطأ الأقدم: يظن أن القوة تُغني عن النصح"- pixabay/ Glagoly Vechnoyzhizni
"حاكم قوي، مستقر، ممسك بمفاصل الدولة، لكنه يخطئ الخطأ الأقدم: يظن أن القوة تُغني عن النصح"- pixabay/ Glagoly Vechnoyzhizni
شارك الخبر
القيصر كنموذج

هذه ليست حكاية عن سقوط طاغية اسمه يوليوس قيصر، بل عن سقوط نموذج كامل في التفكير السياسي، نموذج يبدأ بحاكم قوي، مستقر، ممسك بمفاصل الدولة، لكنه يخطئ الخطأ الأقدم: يظن أن القوة تُغني عن النصح، وأن الاستقرار القائم لا يحتاج إلى مراجعة بل إلى حماية فقط، في هذا الوهم، تبدأ النهاية إنها قصة تتكرر في التاريخ عندما يغلب الطغيان النفوس وتحب النفوس الظلم لكنها تكرهه حين يقع عليها أو تتمنى موقع الظالم وتتحين الفرص.

الحاكم في هذا النموذج ليس شيطانا خالصا، بل عقلا بارعا في إدارة الواقع ثم إدارته وفق أهواءه الشخصية، يعرف كيف يُمسك العامة بالخُطَب، وبالرموز، وبمزيجٍ دقيق من الخوف والمنفعة، يستثمر في الجماهير كما يُستثمر في الموارد يوزّع ما يكفي لإبقائهم هادئين، ويحجب ما يكفي لإبقائهم محتاجين. العامة هنا لا يُخدعون تماما، بل يُستَخدمون؛ لأن الاستخدام أسهل من الإقناع، وأسرع من بناء وعي طويل الأمد.

كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح

لكن كل سلطة، مهما بلغت، تحتاج إلى دائرة ثقة، حتى الطاغية لا يحكم وحده، ولا يستطيع أن يشك في الجميع في آنٍ واحد، يحتاج إلى صديق، لا ليحبه، بل ليطمئن، إلى شخص يظن أنه خارج منطق المصالح، أو على الأقل أقلهم استعدادا للخيانة كما يسميها، هنا يظهر بروتس بوصفه ضرورة نفسية قبل أن يكون فاعلا سياسيا.

أهي من أجل القيم كما قيل ليموت قيصر؟ أم أن القيم امتطيت من أجل الغيرة والحسد؟ فخنجر بروتس هنا في هذا السياق ليست مفاجأة أخلاقية، بل نتيجة منطقية، فحين يُغلق الحاكم أبواب النصح، لا يبقى أمام القريبين منه إلا خياران: الصمت حتى الاختناق، أو التآمر باسم الخلاص. الصديق الذي لا يُسمَع، يتحول إلى خطر، لا لأنه شرير، بل لأنه مقتنع أن النظام لا يُصلَح من داخله بعجزه هو.

غير أن السؤال الأخطر لا يتعلق بالخيانة نفسها، بل بما بعدها: هل كان التغيير فعلا مدروسا، أم مجرد انفجار غضب أخلاقي؟ هل كان الهدف بناء ما هو أفضل، أم التخلص مما هو قائم فحسب؟ هنا ينكشف العطب الأكبر في هذا النموذج: الرغبة في التغيير سبقت التفكير في البديل، تحالفات هشة أسقطت روما القوية، وأناس كان يوليوس قيصر يقمع الأنا عندهم انفجرت بعد رفع غطاء الضغط بذبابة الخنجر؛ وهنا، ليست الأمور انسيابية فالكل متساو بالقيمة أمام نفسه عندما يزال الطاغية، وكل يرى هو الأمثل، قصة يوليوس قيصر تشرح تكرارا يزداد غربة عن الإنسانية مع الأيام.

من يهدم بيتا من أجل باب يبقى في العراء طويلا

الدولة التي سقطت لم تكن هشة، كانت قوية، مستقرة، تعمل، عيبها لم يكن في وجودها، بل في عماء الطغيان وأنانية لا تسمح بالتنفس حتى لبروتس، وفي ضيق صدرها عن النصح، وفي تحويل النقد إلى تهديد، لكن معالجة العيب لا تكون بكسر الهيكل كله، فمن يهدم بيتا لأن بابه يصدر صريرا، سيبقى في العراء طويلا.

"حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت

التغيير بلا تخطيط لا يُسقط الطغيان فقط، بل يُسقط معه ما تبقى من النظام العام، وحين يغيب النظام، لا تنتصر الحرية تلقائيا، بل تظهر قوى أكثر فوضوية، أقل أخلاقا، وأكثر جوعا للسلطة، عندها تكتشف الشعوب أن الطغيان لم ينته، بل تغير من شكله القديم، وأن القيم بلا فهم وحرص على الفعل الإيجابي للأمة في منعطف ليس هو مصالح، ومن يريد إنقاذ ظمآن في صحراء لا يعطيه حاوية الماء.

العامة، الذين استُخدموا في زمن الحاكم، يُستَخدمون مرة أخرى في زمن التغيير، يُستدعَون بالخطاب، ويُحرَّكون بالعاطفة، ثم يُتركون أمام واقع أكثر قسوة وتعقيدا، فالخطابة تهدم بسرعة، لكنها لا تبني، والحشود تهتف جيدا، لكنها لا تُحكم، ولا تَحكم، كذلك فعل بروتس وأخفق أنطونيوس وكليوباترا.

المفارقة الفلسفية القاسية أن الحاكم الذي رفض النصح باسم القوة، سقط لأن أحدا لم ينصحه بصدق، ولأن الصديق الذي كان يمكن أن يكون جسر الإصلاح، اختار أن يكون معول الهدم، كلاهما أخطأ، لكن خطأ الهدم كان أفدح؛ لأنه لم يُبقِ شيئا يمكن إصلاحه.

حتى أنت يا بروتس

يوليوس قيصر مشغول بالتصفيق وزخرف السلطة، ثم "حتى أنت يا بروتس، فليمت القيصر" ليست دهشة رجلٍ مطعون، بل علامة استفهام متأخرة بأن السلطة التي لا تسمع تموت، وأن التغيير الذي لا يخطط يقتل ما لا يقصد قتله، النموذج كله فشل، لا لأن الطاغية كان قويا، بل لأنه كان أعمى عن النصيحة، ولا لأن عدوه كان جريئا، بل لأنه ظن أن الهدم وحده يكفي.

العبرة الأخيرة موجعة: بعض الدول لا تحتاج ثورة، بل شجاعة قول الحقيقة في الوقت المناسب، تحتاج ناس مؤهلة للنصح، تحتاج الابتعاد عن التصور أن الشعب المتفرق أسهل للقيادة وديمومة وبقاء لأن بروتس سيقوم بالمهمة، تحتاج ألا تمر بالنكران وعندما تُؤجَّل النصيحة طويلا، تأتي الخيانة في شكل خلاص.. وعندما يمعن في تمزيق الأمة بدل بنائها، وبالتالي لا دولة بلا أمة تجمع الكل تأتي يقظة، فموجة فوضى لا تدري أين ومتى تترك الجميع بلا دولة.
التعليقات (0)