قضايا وآراء

لعبة الكراسي وعقدة الفقد.. ليبيا في أسر هوس السلطة

عماد المدولي
"في ليبيا، نحن أمام فوضى سلطة وقوانين وتشريعات، حيث لا أحد يقبل المغادرة"- الأناضول
"في ليبيا، نحن أمام فوضى سلطة وقوانين وتشريعات، حيث لا أحد يقبل المغادرة"- الأناضول
شارك الخبر
في ليبيا، لم تعد الأزمة السياسية وشكل الحكم مسألة خلاف حول القوانين والتشريعات أو مواعيد انتخابية مؤجلة فحسب، بل تحوّلت إلى حالة هوس جماعية متمثلة في الخوف من فقدان الكرسي.

كرسي السلطة، الذي لم يعد وظيفة مؤقتة، تحوّل في أذهان كثير من المسؤولين إلى ملكٍ مقدّس، وأصبحت خسارته تعني إهانة شخصية، لا استحقاقا ديمقراطيا طبيعيا للبلاد.

في الحقيقة، هذه الحالة ليست ليبية خالصة، فقد عرفها العالم بأشكال مختلفة؛ تشبثت أنظمة وشخصيات سياسية عبر التاريخ بالسلطة حتى آخر نَفَس. لكن الفارق أن أغلب تلك الحالات كانت تُدار داخل أنظمة واضحة المعالم، إما دكتاتورية معلنة أو ديمقراطية معطوبة. أما في ليبيا، فنحن أمام فوضى سلطة وقوانين وتشريعات، حيث لا أحد يقبل المغادرة.

هذا الوباء لم يقف عند الأجسام السياسية العليا فقط، بل تفشّى ليصيب أغلب المؤسسات الحكومية الليبية. بات المشهد نفسه يتكرر، رئيس يرفض التسليم، وآخر يحاول الاستلام، وفي كثير من الأحيان لا يُحسم الأمر إلا بالقوة

مجلس النواب تجاوز عمره أحد عشر عاما، ورئيسه عقيلة صالح ما زال جالسا على الكرسي منذ لحظة صعوده الأولى، دون أن تُجرى انتخابات حقيقية لرئاسته، إما بمنع صريح أو بتعطيل مُدبَّر.

والمجلس الأعلى للدولة ليس أفضل حالا؛ تغيّر الرؤساء لم يُغيّر الذهنية. الرئيس الخاسر يقاطع الجلسات، يطعن في النتائج، يرفع شعار "التزوير"، ثم لا يعود إلا مع اقتراب موعد انتخابات جديدة، في محاولة لإعادة التريس من جديد. وخالد المشري وعبد الرحمن السويحلي مثالان صارخان على هذا السلوك؛ فالخسارة لا تعني مغادرة سدة الرئاسة، بل الدخول في مرحلة مقاطعة وتعطيل حتى موعد الاستحقاق الانتخابي القادم.

هذا الوباء لم يقف عند الأجسام السياسية العليا فقط، بل تفشّى ليصيب أغلب المؤسسات الحكومية الليبية. بات المشهد نفسه يتكرر، رئيس يرفض التسليم، وآخر يحاول الاستلام، وفي كثير من الأحيان لا يُحسم الأمر إلا بالقوة. والأسوأ أن المؤسسة الواحدة تتحول إلى نسختين، إدارة قديمة متشبثة، وأخرى جديدة.

ولعل المثال الأكثر عبثية يتجسد في ملتقى الحوار السياسي في جنيف، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عام 2021. انتخابات أعضاء الملتقى أفرزت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومحمد المنفي رئيسا للمجلس الرئاسي، بعد فوزه على قائمة كان على رأسها عقيلة صالح نفسه، ومرشحها لرئاسة الحكومة فتحي باشاغا. ماذا حدث بعد ذلك؟ عاد عقيلة صالح ببساطة إلى كرسيه رئيسا لمجلس النواب، وبحكم موقعه الدستوري أصبح مشرفا على حكومة أقصته سياسيا.

ماذا تتوقع النتيجة؟ بالضبط.. تضييق، ثم سحب ثقة، ثم تكليف حكومة جديدة. برئاسة من؟ نعم، فتحي باشاغا. هل يوجد عبث سياسي أكبر من هذا؟ أن تخسر في مسار، فتستخدم مسارا آخر للانتقام، لا لخدمة الدولة، بل لتصفية الحسابات، مستفيدا من كرسي حافظت عليه بكل الوسائل.

في ليبيا لم تعد المشكلة فقط في غياب الدستور أو القوانين، بل في غياب القناعة البسيطة بأن السلطة مؤقتة، وأن الخسارة جزء من اللعبة، لا مؤامرة كونية، وأن الكرسي ليس ملكا خاصا، بل أمانة محددة الزمن

نأتي إلى الانتخابات الرئاسية "الموعودة" التي تتأجل في كل مرة. لا يمكن إنكار أن أغلب الأطراف -ومنهم عبد الحميد الدبيبة- يستفيدون موضوعيا من هذا التأجيل، لأنه يضمن لهم الاستمرار في الكرسي. لكن الكارثة الأكبر ليست في التأجيل ذاته، بل في الإصرار على أن تكون انتخابات رئاسية مباشرة دون دستور واضح، مع وجود شروط خاصة لبعض المرشحين.

تخيّل أن يترشح شخص لرئاسة الدولة، ويشترط مسبقا أنه في حال الخسارة يعود إلى منصبه السابق! عقيلة صالح يريد البقاء رئيسا للنواب إن خسر، وخليفة حفتر يريد البقاء قائدا عاما إن خسر. أي انتخابات هذه؟ وأي عبث بمستقبل بلد يقف أصلا على حافة الانهيار؟

سيكولوجيا، ما نعيشه هو عقدة الفقد وهوس السلطة، فقدان الكرسي يعني فقدان النفوذ، ثم فقدان الحماية، وربما فقدان ميزة الهروب من المحاسبة المؤجلة. لذلك يصبح الكرسي مسألة وجودية لا سياسية، ويتحول الخصم السياسي إلى تهديد شخصي، وتتحول الدولة إلى رهينة.

للأسف، في ليبيا لم تعد المشكلة فقط في غياب الدستور أو القوانين، بل في غياب القناعة البسيطة بأن السلطة مؤقتة، وأن الخسارة جزء من اللعبة، لا مؤامرة كونية، وأن الكرسي ليس ملكا خاصا، بل أمانة محددة الزمن. وما لم تُكسر هذه الذهنية، ستبقى ليبيا تدور في الحلقة نفسها.. كراسي قد تتغير، لكن الوجوه تبقى متمترسة، حتى يأخذ الله أمانته.
التعليقات (0)

خبر عاجل