قضايا وآراء

عسكرة المجتمع في ليبيا.. حين لا يبقى للشباب إلا الجيش

علي العسبلي
"الجيش، في أي دولة طبيعية، مهمته واضحة: حماية الحدود، وحماية الدولة من أي خطر خارجي، وليس التكدس داخل المدن"- إكس
"الجيش، في أي دولة طبيعية، مهمته واضحة: حماية الحدود، وحماية الدولة من أي خطر خارجي، وليس التكدس داخل المدن"- إكس
شارك الخبر
لم تعد عسكرة المجتمع في ليبيا ظاهرة هامشية أو عرض جانبي للصراع، بل صارت خيارا شبه وحيد فُرض على جيل كامل. اليوم، الشاب في ليبيا لا يُخيَّر، بل يُدفَع دفعا نحو الثكنات في الشرق كما في الغرب. البندقية صارت البديل عن العمل، وعن المستقبل، وعن الحياة الطبيعية.

لا توجد أي سياسة جدية لدعم الشباب، لا مشاريع لتأهيل العاطلين عن العمل، لا برامج لتعليم مهن حرفية، ولا خطط حقيقية لتطوير المهارات أو خلق فرص في سوق عمل بالكاد يمكن تسميته سوقا. الحكومات المتفتتة غائبة تماما عن هذا الدور، أو ربما قررت ببساطة أن تتخلى عنه. في المقابل، تُفتح أبواب المعسكرات على مصراعيها، بمرتبات مغرية، ونياشين براقة، وتدريبات شكلية لا تتجاوز أسابيع، وأحيانا أشهرا، قبل أن يتحول الشاب إلى رقم إضافي في عداد الضحايا المؤجلين، وإلى جسد جاهز لوضعه في محرقة الصراع على السلطة عند الحاجة.

كثير من الشباب يتركون الجامعات والدراسة والمسارات المهنية طواعية، لأن الأجهزة الأمنية والكتائب المسلحة تعرض المال السهل والسريع. لكن الثمن فادح

أتذكر زمنا كان الجيش يُنظر إليه كحل أخير، الشاب الذي يفشل في الدراسة، أو لا يوفّق في أي مسار مهني، أو يعاني مشاكل سلوكية أو إدراكية، كانت عائلته "تزجّ به" في الجيش. اليوم انقلبت المعادلة، كثير من الشباب يتركون الجامعات والدراسة والمسارات المهنية طواعية، لأن الأجهزة الأمنية والكتائب المسلحة تعرض المال السهل والسريع. لكن الثمن فادح، يضحون بكل شيء، يراهنون على أطرافهم وعلى حياتهم، وينتظرون أول اشتباك ليُدفعوا إلى الخطوط الأمامية دفاعا عن كراسي من يدفع مرتباتهم.

أعرف شخصيا صديقا درس طب الأسنان وأكمل دراسته بتفوق، لكنه لم يجد عملا؛ لا عيادات، لا فرص، مجرد أفق مسدود، وإذا حالفه الحظ ووجد عملا فإن المرتبات لا تتعدى 150 دولارا في الشهر. في النهاية، التحق بإحدى الدورات العسكرية، تخرج جنديا، يقف على قارعة الطريق فجرا حتى يجد من يوصله إلى المعسكر، يقضي يوما في الخدمة وثلاثة أيام راحة، ممسكا "توكة" إلى جانب عساكر لا يعرف بعضهم حتى كتابة أسمائهم. هذا ليس حالة نادرة، بل نموذج مكرر، ويختصر ما نتحدث عنه.

الجيش عماد الدولة، وصمام الأمان، وطوق النجاة، والدفاع عن الوطن شرف لكل شاب! زمجر صديقي الوهمي، كعادته، مكررا ما يقوله القطيع. سألته ببساطة: هل من يلتحق اليوم بالجيش يفعل ذلك بدافع وطني أم بدافع المرتب؟ وهل الدفاع عن الوطن يعني أن نقتل بعضنا بعضا؟ وأين هو الوطن أصلا؟ لم أرَ معركة واحدة ضد غزو أجنبي أو عدو خارجي. على العكس، العدو الخارجي يسرح ويمرح برا وبحرا وجوا، ينعم بالأمن داخل قواعده العسكرية في أرجاء ليبيا، بينما نحن نتقاتل لنضمن بقاء عائلة حفتر أو عائلة الدبيبة في السلطة.

ما يجري في ليبيا ليس بناء جيش، بل استنزاف زهرة شباب المجتمع؛ عسكرة الشباب وتحويلهم الى مرتزقة يعملون من أجل المال هي وصفة مضمونة لإطالة الصراع وتأجيج النزاع، وتدمير ما تبقّى من طاقات يمكن توظيفها للبناء

الأمر ليس عشوائيا، مجلس النواب الليبي الجاثم على صدورنا منذ عقد ونيف، بدل أن ينشغل بقوانين تمس حياة الناس وحقوقهم، سَنّ مؤخرا قانونا يرفع مرتبات الجيش بنسبة 150 في المئة، استجابة مباشرة بعد أيام معدودة من طلب صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية. في المقابل، قوانين أساسية مثل قانون تنظيم المجتمع المدني أو قانون مناهضة العنف ضد المرأة ما زالت حبيسة الأدراج منذ قرابة عقد. الأولوية واضحة، ولا تحتاج إلى تبرير؛ علاوة على الامتيازات والمرتبات المرتفعة التي تُمنح للمجموعات المسلحة والأجهزة الأمنية، خصوصا تلك المتخصصة في الوشاية، سواء في الشرق أو الغرب، بينما تُهمَّش وتُحقَّر مهن مثل المعلم والممرض والمهندس وغيرها.

الجيش، في أي دولة طبيعية، مهمته واضحة: حماية الحدود، وحماية الدولة من أي خطر خارجي، وليس التكدس داخل المدن، ولا بناء الثكنات أمام بيوت الناس، ولا تحويل المجتمع إلى معسكر كبير. ليبيا، بعدد سكان لا يتجاوز ثمانية ملايين، لا تحتاج إلى هذه الأعداد الهائلة من الجنود. الحروب اليوم لا تُحسم بعدد البنادق، بل بالعقول، وبالمعرفة، وبالتخطيط، وبالتقنية، وبالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. من يريد جيشا قويا، فليستثمر في العلم أولا، لا في عسكرة الفقراء.

ما يجري في ليبيا ليس بناء جيش، بل استنزاف زهرة شباب المجتمع؛ عسكرة الشباب وتحويلهم الى مرتزقة يعملون من أجل المال هي وصفة مضمونة لإطالة الصراع وتأجيج النزاع، وتدمير ما تبقّى من طاقات يمكن توظيفها للبناء. حين يصبح السلاح وظيفة، فستصبح البلد حتما عبارة عن ميدان رماية مفتوح، وعن ساحة حرب مؤجلة يدفع ثمنها أجيال لا ذنب لها سوى أنها وُلدت في الوقت الخطأ.
التعليقات (0)

خبر عاجل