كم مرة سمعنا
مصطلح "
المصالحة الوطنية" خلال العقد الأخير، إلى حدّ التخمة، إلى أن
صار المصطلح نفسه مكروها؟ يتكرر ويمرّ على مسامعنا دون أن نتوقف عنده أو نفكّر فيه؛
يُرفع كغيره من شعارات المتاجرة والمزايدة أكثر مما يُطرح كمسار ونهج حقيقي، ومع
الوقت فرغ من معناه، وتحول إلى إحدى عملات المضاربة السياسية، يتاجر بها من يسعى
لجني مكاسب أو القفز من مركب إلى آخر.
قبل أي حديث عن
المصالحة، لا بد من تفكيك المصطلح نفسه. المصالحة من الصلح، لكن لماذا رُبطت
بالوطنية؟ ولماذا مُضغت بين الأفواه إلى هذا الحد؟ ولماذا صيغ لها قانون خاص،
كأنها إجراء إداري يُنجَز بنص تشريعي؟ ولماذا كل هذه اللجان والوفود والاجتماعات
والمؤتمرات والملتقيات دون نتيجة تُذكر؟ المصالحة ليست قرارا يُمرَّر، ولا اجتماعا
يُعقَد، ولا صورا تُلتقَط؛ المصالحة تأتي نتيجة لمسار طويل وشاق، وشروطها قاسية،
ولا تبدأ غالبا من حيث يشتهي الساسة.
لا خلاف على أن المصالحة ملف مركزي بعد النزاعات، لكن الخلاف الحقيقي يتعلق بالترتيب والأولوية؛ هناك خطوة تسبقها ولا يمكن القفز فوقها، وهي العدالة
لا خلاف على أن
المصالحة ملف مركزي بعد النزاعات، لكن الخلاف الحقيقي يتعلق بالترتيب والأولوية؛
هناك خطوة تسبقها ولا يمكن القفز فوقها، وهي العدالة. من دون عدالة، تتحول
المصالحة إلى صفقة سياسية مقنّعة، والفرق هنا شاسع.
ولهذا جاءت
العدالة الانتقالية، هذا المصطلح الحديث نسبيا ليس اختراعا نظريا ولا شعارا فضفاضا،
بل هو مسار مُجرَّب في الدول التي طوت صفحات النزاعات والحروب الأهلية بسلام،
ولسنا بحاجة لاختراع العجلة. هذا المسار طويل وصعب، لكنه واضح المعالم، يبدأ
بالاعتراف بما وقع وكشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، ثم التعويض وجبر ضرر الضحايا،
وتخليد الذاكرة، وضمان عدم التكرار. وفي بعض الحالات قد يأتي العفو، لكن العفو هنا
نتيجة، لا بداية. بعد كل ذلك فقط، يمكن الحديث عن مصالحة.
في
ليبيا، لم نصل
حتى إلى عتبة هذا المسار. النزاع أصلا لم ينتهِ بعد، والجرائم والانتهاكات مستمرة،
والبلاد لا تزال منقسمة على نفسها، ومئات الآلاف من قطع السلاح منتشرة في الشارع،
والإصبع لا يزال على الزناد. في المقابل، تتناطح السلطات شرقا وغربا في
صراع عبثي
على شرعية مزعومة. في هذا السياق الملغّم، تبدو دعوات المصالحة أقرب إلى شعارات
استهلاكية منها إلى نية حقيقية للإصلاح، وتُستخدم للتستر على جرائم أمراء الحرب،
أو لتبييض شخصيات، أو لإعادة تدوير شخوص كانوا وقودا للصراع.
وهنا يسألني
صديقي الوهمي، في محاولة لحشري في زاوية ضيقة: لماذا لا تصالح
حفتر وتعود إلى
ليبيا وأهلك في المرج؟ أجبته دون تردد: ليس لدي خلاف شخصي مع حفتر وأبنائه إطلاقا،
خلافي مع الأفعال، مع الاعتقالات التعسفية، والقتل خارج القانون، والاختفاء
القسري، وقمع المعارضين. يقاطعني ويسأل: وإذا توقفت هذه الأفعال، هل تعود؟ قلت له:
لا، ليس بعد. التوقف خطوة أولى، لكنها لا تكفي، تجب محاسبة المسؤولين، وإنصاف
الضحايا، والإفراج عن جميع المعتقلين تعسفا والسجناء السياسيين، وتقديم ضمانات
حقيقية لعدم التكرار. عندها فقط، يصبح خيار العودة مطروحا.
منافسة على احتكار خطاب "الوطن"، كل طرف يرفع الوطنية كسلاح شعبوي، ويخوض بها مناطحة سياسية لا أكثر. لكل طرف مصالحته الخاصة المفصّلة على مقاسه
المصالحة لا
تُطلب من الضحية، ولا تُفرض على يد الجلاد، ولا تُشترى بالصمت، المصالحة قرار شجاع
يأتي حين يوافق الضحايا ويقرر الناجون، وحين ترى المجتمعات المتضررة أن القانون
عاد، وأن العدل ساد، وأن المسؤولين عن آلامها ومآسيها سيُحاسَبون على ما اقترفوه.
غير ذلك، لن تكون سوى دعوة للتعايش مع الظلم باسم الواقعية السياسية.
ما يجري اليوم في
ليبيا ليس مسارات مصالحة، بل منافسة على احتكار خطاب "الوطن"، كل طرف
يرفع الوطنية كسلاح شعبوي، ويخوض بها مناطحة سياسية لا أكثر. لكل طرف مصالحته
الخاصة المفصّلة على مقاسه، من المجلس الرئاسي ومستشاره للمصالحة علي الصلابي،
مرورا بالصديق حفتر، نجل خليفة حفتر، ورئاسته لما يسمى المصالحة الوطنية، وصولا
إلى مبادرات يقودها مؤيدو سيف القذافي، وغيرها كثير.
لهذا، ما نراه
ليس مصالحة وطنية، بل مناطحة لا وطنية. إنه صراع على من يحتكر تعريف الوطن، ومن
يحق له التصالح باسمه، ومن يملك العفو، ومَن سيحاسب مَن؟ وفي بلد لا تزال الجرائم
والانتهاكات تُرتكب فيه يوميا، ولا تزال السجون السرية مفتوحة، ومئات المفقودين
والمختفين قسرا مجهولي المصير، ولا تزال كثير من المقابر الجماعية غير مكتشفة،
والحقيقة غير مكشوفة، لا تبدو لهذه المناطحة نهاية. المصالحة ستأتي يوما ما، لا شك
في ذلك، لكنها لن تأتي قبل المحاسبة والعدالة، ستأتي حين ينتهي النزاع فعلا، لا
حين يُعلن عن انتهائه.